---
أسقف طرابلس العتيد!
تقبّل الربّ الإله المثلّث الرحمات، المتروبوليت الياس، وأحلّه في حضنه. ليكن ذكره مؤبَّداً.
أما بعد، فمَن الأسقف الجديد الآتي إلى طرابلس؟ لا نعرف ولا يهمّنا أن نعرف. نعرف فقط ويهمّنا أن نعرف أن يكون الآتي مَن يؤتينا إيّاه الربّ الإله. لا يرتاح قلبنا إلاّ إذا شعرنا، بالمسيح، أنّ الآتي هو من المسيح. رجاؤنا أن يختار المجمع المقدّس الموقّر مَن اختاره الله. ألم يكن هذا دأبَ الرسل عندما أرادوا أن يختاروا رسولاً جديداً لمّا صلّوا للربّ الإله إثر إقامتهم اثنين حَسِبا، بكلّ صدق وأمانة، أنّهما موافقان للخدمة، أقول لمّا صلّوا للربّ الإله: "أيّها الربّ العارف قلوب الجميع عيِّن أنت من هذين الاثنين أيّاً اخترته..." (أع 1: 24)؟ لم يحكم الرسل على مَن الأصلح بحسب الظاهر ولا اعتبروا أنّ حكمهم يكفي وأنّه لا حاجة لمعرفة ما في قلب كلّ من الاثنين. لم يلغِ الرسل الدور المباشر للربّ الإله رغم استنارتهم بنوره. عملوا ما في استطاعتهم بكلّ أمانة، لكن همّهم، أخيراً، كان أن يعيِّنوا مَن عيَّنه الربّ الإله. معرفة مكنونات القلوب لم تُعطَ لهم. رغم ذلك عرفوا أن العنصر الأهمّ والأبرز والتقريري هو أن يكون قلب مَن يختارونه من الربّ الإله وإليه.
إذا كانت قد سَرَت عندنا، عبر الزمن، عادة اختيار الأساقفة، انتخاباً، فلا شكّ أنّه كانت للكنيسة، في اعتماد هذا الأسلوب، حكمة. لكن ذلك يضع الأساقفة، فرداً فرداً، أمام مسؤوليّة جسيمة ولا أقسى! كيف يجعل الأسقف الخيار لله في نفسه؟ كيف يستحكم الله؟ لا شكّ أنّ الكلمة لا تنزل إلى القلب إلاّ بشفافية كبيرة في الأسقف وصومٍ وصلاة. الأمر لا يُرتجل ولا يُختزَل، وليس موقف الأسقف، كأسقف، ما يجعل قولتَه من عند الله بل سلوكُه في القداسة وإقامتُه في الله. ليس اجتماع الأساقفة في ذاته هو المقدّس بل اجتماعهم بروح الربّ، وهذا ليس من المؤسّسة بل من مسرى القداسة لديهم.
ما لم يكن الهاجسُ استكلامَ الله بخوف ورعدة فنحن بإزاء عمل دهري عشوائي الله منه براء. الأساقفة، إذ ذاك، يُعِدّون لاختيار الأسقف ويختارونه كما يُصار إلى اختيار نوّاب الأمّة أو أعضاء المجلس البلدي لا فرق وهذا استخفاف وكفرٌ بالإلهيّات. هذا يَخضع للاستنساب البشري، لمَن تميل النفس إليه أو عنه، عن غاية غير نقيّة، أكثر الأحيان لا لعمل النعمة. اختيار الأسقف، كنسيّاً، يكون على صورة استيلاد الربّ يسوع من مريم البتول أو لا قيمة إلهيّة له. المفترض، حُكماً، أن تكون الأحشاءُ الأسقفيّة إلى البتوليّة وإلاّ لا يكون الآتي كلمةً من الكلمة المتجسِّد. "بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدَّموا"! لذلك نتوقّع ونرجو أن يُصار إلى التزام موقف إيماني صلاتي نقيّ، في هذا الشأن، وأن تكون الأكباد الأسقفيّة ناهدة، بأنّة ودمعة ولهف، إلى الصوت النازل من فوق. "تكلّم يا ربّ فإنّ عبدك يسمع"! لنُعدّنّ للخراف طعاماً إلهيّاً! الخراف، بعامة، هنا وثمّة، مجرّحة محطّمة مضعضعة وهي تصرخ راعياً على صورة الراعي الصالح يجمعها ويحفظها ويداويها. لِتندكّ المطابخُ التي تُعِدّ للكنيسة وخراف الله الشاردة، في هذا الزمان الرديء، طعاماً مسموماً بأهواء ومصالح أبناء هذا الدهر!
أمّا المؤمنون فحسبُهم الدعاء، بالصوم والصلاة، إلى مَن دعاهم، لأن يطلبوا من الربّ الإله أن يرسل فعلة إلى كرمه. لا ينزجَّنّ المؤمنون في اللعبة الانتخابيّة والتحزّب لفلان أو فلان كعهد أهل العالم لئلا يَدخلوا في صراعات تُباعد فيما بينهم وتزيد الغربة والعداء في أوساطهم. أنتم أيضاً تنتظرون الكلمة من فوق ومَن يقول لكم: "ها أنا ذا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب..." (لو 2: 10). أعينوا الأساقفة بنقاوتكم وسلامة قلوبكم. والربّ الإله، علاّم القلب، متى رأى تواضعكم واستجارتكم به هو ينير الأساقفة ويحكّمهم. قلوبهم، في كلّ حال، بين يديه. إذا لم يكن موقف الأساقفة، أو بعضهم، قويماً، فهذا جزئيّاً منهم، ولكنّه منكم أنتم أيضاً. أنتم قادرون، بنعمة الله، أن تساهموا في تقويم مسار عمل الإساقفة واستكماله. لأجلكم، إن تبتم وصمتم وصلّيتم وبكيتم، يعطيكم ربّكم العزاء والصالح ويُصلح القيِّمين عليكم. حتى الشيطان يكون عملُه لخدمتكم إن سلكتم بالأمانة. وإن لم تسلكوا يسمح ربّكم بأن يُعطَى لكم مَن تستأهلون ليوجعكم ويؤدّبكم فترعوون. إذا أردتم راعياً من فوق فكونوا خرافاً لمَن هو هنا من فوق. ليس ربّكم بظالم. خطاياكم هي التي تظلمكم وأهواؤكم هي التي تُعميكم. "توبوا إليّ أتب عليكم" يقول الربّ الإله.
هذه، اليوم، مناسبة لإصلاح النفوس، للصوم والصلاة والضراعة والتوبة على غرار أهل نينوى، لنحظى بالصفح الإلهيّ لأنّنا شردنا وبعُدنا، لئلا يأتي علينا القول الإلهيّ: "يا ربّ مَن صدّق خبرنا ولمَن استُعلنت ذراع الربّ. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا لأنّ أشعياء قال أيضاً قد أعمى عيونهم وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم" (يو 12: 38 – 40).
إمّا التوبة وإمّا التقلّب في العتمات! الأسقف الجديد لا قيمة له مهما كان ظاهره برّاقاً، بمقاييس هذا الدهر، إن لم تلده أحشاء الأساقفة والمؤمنين بالدموع والتواضع والابتهال من فوق. سيكون عبئاً جديداً يضاف إلى الأعباء التي تُثقل كاهل المؤمنين لا خادماً مؤازراً لربّه يمدّ ويرفع بروحه وجسده فيهم الرافعَ خطايا العالمين.
رجاؤنا وصلاتنا ألاّ يولد الأسقف الجديد لطرابلس سِقطاً!__._,_.___
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات