عامل محمد الثاني البطريرك معاملة الأباطرة له و احترمه جدا و أعطى عهودا للمسيحيين لكنها كانت غير ثابتة و حوّل الكثير من الكنائس إلى جوامع و جدد عادة الأباطرة تبشير الأولاد لكنه جمع أولاد المسيحيين ذوي الصحة و الجمال من اجل تربيتهم تربية إسلامية و بالرغم من ذلك كانت حالة مسيحيي الشرق محتملة في عهده.
لم ير خلفاء محمد الثاني أن من الضروري التقيد باعتبارات محمد الدولية في علاقاتهم مع الكنيسة و خاصة بعد إخضاع اليونان و السلاف نهائيا فحدوا من حقوق و امتيازات المسيحيين ثم ألغوها تماما و اضطهدوا المسيحيين و ضغطوا عليهم بكافة الوسائل الممكنة.
خلف محمد الثاني ابنه بيازيد الثاني ( 1481-1512)م والذي كان ضعيف الإرادة ، سكّيرا، يعدم البشر حسب ميوله، يضيّق على المسيحيين لأسباب تافهة، أورث نفسه ممتلكات سمعان الطرابزوني 1489م و لما طالبه بها خليفته سمعان طرده من البطريركية و المدينة، كما أنه أنزل البطريرك يواكيم ( 1498-1502)م لأنه أسقف كنيسة و انزل بطاركة آخرين في مقابل رشوة كما أنه استولى على كنائس كثيرة و أجبر المسيحيين على اعتناق الإسلام بالقوة مخالفا فرمان محمد الثاني مما أدى إلى استشهاد الكثيرين و أطلق عليه اسم "مبغض المسيحيين".
أما خلفه سليم الأول( 1512-1520)م فقد بدأ عهده سعيداً فقد انتصر على الفرس و اجتاح سورية و مصر و كان محبا للدماء فقتل أقاربه حتى لا ينافسوه و سمم أباه بيازيد بعد تنازله عن العرش فلم ينتظر منه المسيحيين خيرا و قرر أن يشكر الله بإكراه المسيحيين على اعتناق الإسلام فاستولى على الكنائس و أتلف الكتب .ثم خلفه ايضاً سليمان الثاني( 1520-1566)م و الذي كان قائدا ممتازا وسع حدود تركيا بفتح آسيا و أفريقيا، كان متعصبا و عدوا مخيفا للمسيحيين اتخذ ضدهم وسائل اضطهاد عامة و أمر بأخذ الكنائس و الأديار و الأسقفيات و الأملاك المتروكة لهم و أن تباع... فاشترت الكنيسة أوقافها بكميات كبيرة من المال فوقعت في الفقر و الديون، اقفل كنيسة القيامة و فتحها للزوار لقاء رسم دخول و فرض ضريبة عشر الأولاد كل سنة و عند الحاجة و لم يكن الأتراك يدفعون شيئا من الضرائب فوقعت على عاتق المسيحيين كل أثقال و مصاريف الدولة.
أما سليم الثاني( 1566-1574)م فقد دعا نفسه مفوض إيمان المسيحيين و حجز كل مداخيل الكنائس باستثناء كنائس القسطنطينية مقابل فدية فباع المسيحيون ما عندهم حتى الأواني الكنسية أيضا لدفع الفدية و عندما دحر أسطوله عام 1571م من قبل حلفاء الدول الغربية أمر بقتل كل المسيحيين في الدولة لولا تدخل وزيره و كان للباشوات نفس المعاملة فأحدهم نٌصب على أورشليم و لما حضر الرهبان مصحوبين بالهدايا لتهنئته أخذ الهدايا و قال أنه ليس من الموافق أن يعيش عدد كبير من الشعب في دير واحد فأمر بقتلهم!!!!
مراد الثالث ( 1574-1595)م كان طماعا و شهوانيا و مرتشيا أخذ الكثير من الباشوات و هؤلاء أخذوا من المسيحيين، نقض امتيازات محمد الثاني و عارضه البطريرك فنفاه و أخذ دار البطريركية و أمكنة أخرى من الكنائس.
أما محمد الثالث (1595-1603)م فإنه امتاز بقسوته و طمعه، قام بخنق 19 أخ شقيق له و رمى نساء والده الحبالى في البحر و انتشر البطش و نهب الباشوات و الانكشارة و سبيت النساء و الفتيات
منذ بدء القرن 17م لم تتبدل العلاقة بين الدولة و الكنيسة بل صارت إلى أسوأ فقد أدت علاقات التقارب مع الغرب إلى توسع الطمع و التنعم و البذخ بين الأتراك و لم تعد الدولة تخشى دفاع الممالك الأوربية عن المسيحيين، سياسات السلاطين كانت متشابهة في وحشيتها لكن نذكر بعض الحوادث:
* أراد مراد الرابع (1623-1640)م إبادة مسيحيي القسطنطينية إثر محاصرة الجيش القوقازي لها لكن أعضاء الديوان أقنعوه بالعدول عن ذلك.
* عام 1768م دمر الجيش الروسي عساكر الأتراك فأراد مصطفىالثالث إبادة المسيحيين لولا تقرب البطريرك و أعيان اليونان و تقديم الهدايا.
*كان السلاطين ينزلون البطاركة و يعفون بعضهم و يقتلون بعضا بدون أي محاكمة.
* بين عامي (1621-1694)م أي خلال 73سنة تبدل 48 بطريرك على عرش القسطنطينية البعض منهم ارتقى و أنزل عدة مرات.
* كانوا يسمحون للبطريرك بزيارة روسيا و جمع التبرعات و لدى عودته يتهمونه بالخيانة و يصادرون ممتلكاته و ينزلونه.
* صارت رتبة البطريرك وظيفة في الدولة يعين و يقال و صار هذا من صلاحية الوزير الكبير ( الصدر الأعظم).
* سنة 1730م دخل الجيش الانكشاري على البطركية و طلب المال و لمل لم يحصل عليه اقتحموا الكنيسة و قطعوا رفات القديسين و أحرقوا الميرون و داسوا القربان و حطموا الأيقونات.
* لدى كل غوغاء كانت المذابح تبدأ بالمسيحيين.
* كان المسيحيون مواطنون ملاحقون تمنع عنهم الجندية و يفرض عليهم لباس معين و يرتدون الطربوش.
القرن19م:
دخلت تركيا دورا جديدا في حياتها الدولية إذ أرادت الانغراس في الحضارة الأوربية و كان السلاطين لعبة بيد الانكشارة أما الشعب فكان فقيرا و خسرت الدولة العثمانية الكثير من المناطق.
رأى السلاطين أن الحل لاستعادة السلطة داخليا و خارجيا هو في إقامة إصلاحات على النمط الأوربي.
أراد سليم الثالث (1789-1807)م إلغاء الجيش الانكشاري و تشكيل جيش منظم فأنزل عن الكرسي و قتل، وتابع محمود الثاني (1808-1829)م سياسة سلفه فحدّ من تأثير المفتي الكبير و العلماء في الأعمال الدولية و ألغى الجيش الانكشاري1826م بمذابح مخيفة و شكل جيشا منظما و دخل بعلاقات وثيقة مع الممالك الأوربية فكان من الضروري تغيير معاملة المسيحيين لكن سوء المعاملة بقي فعندما قامت ثورة اليونان 1821م فأمر بإعدام كل يونانيي القسطنطينية.
نتيجة ضغط سفراء الدول ألغى عبد المجيد (1839-1861)م قانون قتل المسيحي الذي يرتد عن إسلامه و منح المسيحيين حق الشهادة في المملكة1854م بإلحاح من الدولة الإنكليزية و ألغى الضريبة العامة على المسيحيين سنة 1855م و أصدر عبد المجيد ( همايون) كتاباً كتبه بيده بمساواة المسيحيين مع المسلمين و لكن كل شيء بقي على الورق و قام الأتراك إثر إصدار هذا الكتاب بأعمال جنونية ضد المسيحيين و نذكر هنا مذبحة 1860م المخيفة في لبنان و دمشق و حلب.
المفضلات