رقدت على رجاء القيامة والحياة الأبدية الأم أنطونينا (الياس) رئيسة دير السيدة في كفتون عن 83 عامًا. جاءت الأم أنطونينا الى دير كفتون في 11 آب 1977 برفقة الأخت لوسيا (شلهوب) وببركة سيادة راعي الأبرشية حيث أسست الرهبنة. كانت الأم أنطونينا من الرعيل الأول الذي ساهم في أوائل الخمسينات في إحياء النهضة الرهبانية في العصر الحديث. بعد تنقل الأخوات من بيت الى دير، استقرّت الرهبنة النسائية الجديدة في دير مار يعقوب دده (طرابلس) سنة 1956 ولا تزال. في دير السيدة في كفتون حاليًا 11 راهبة ومبتدئة. أقيم القداس الإلهي صباح الثلاثاء في 11 آب وبعده جناز الرهبان، ثم ترأس سيادة راعي الأبرشية المطران جاورجيوس صلاة الجناز في كنيسة القديسين سرجيوس وباخوس الأثرية في الدير ومعه المطران يوحنا (يازجي) وعدد كبير من الراهبات والرهبان والكهنة من مختلف الأبرشيات الأنطاكية وكثير من المؤمنين. ثم ووري الجثمان في مدفن الراهبات. ألقى سيادته عظة قال فيها:
"جاهدتُ الجهاد الحسَن، أكملتُ سعيي، حفظتُ الإيمان"
أيها السيد القديس، إخوتي الكهنة والشمامسة، أهلَ الأم أنطونينا، أخواتي الراهبات، يا أحبة.
هذه كانت، بصرف النظر عن خدمتها، كانت سيدة كبيرة، أي إنها كانت تطلب الرفعة من الله، وأدركت الرفعة في هذه الدنيا. وأن تكون أنت سيدًا بلا كبرياء، هذا الأمر لعمري نادر، يمنّ به الله على أخصائه.
منذ نعومة أظفارها، وعرفتها في مطلع شبابها في هذا البيت الكريم في القرية، كانت مأخوذة، مع كل المحيطين بها، بيسوع. أن تجعل المسيح حبيبك الوحيد هو أن تكون متوحّدا. هذا ما سمّاه العربُ الرهبانية، لأنهم كانوا يرون إلى المتوحدين عندنا بأنهم يرهبون الله. نحن نعرفه ذا رهبة، ولكن ابنه قال: لن أسمّيكم عبيدا فيما بعد، أنتم أحباء أو أصدقاء. النفس التي تبغي أن تنفصل عن كل ما يلهيها عن وجه الآب ومسيحه، هذه النفس مترهبة، أكانت منخرطة في مهام هذا العالم، أم قاطنةً ديرًا.
مرة سألت إداريًا كبيرًا في لبنان: ما الإدارة؟ وحسبت أنه سيجيبني: إنها ملفات وقوانين وما إلى ذلك. واستغربتُ لمّا قال لي: الإدارة هي المحبة. أنت تحب الناس، تصبح مَلكهم بلا استكبار، وتبقى محصّنًا في تواضعك.
خلال ثلاثين سنة، وقبل ذلك في ميتم الميناء، وحيثما تروضَتْ قبله على الحياة الروحية، في كل أطوارها، كانت تحب. قلة من الناس تحب، لأن هذه تعني أنك بطلت أن تكون موجودًا في عينيك، أو جاعًلا لنفسك حيّزًا في هذا الوجود. أنت لا ترى نفسك شيئا. هذا شرط المحبة. إنها والتواضع متلازمان.
أنا أعرف أن الأم أنطونينا كانت من تراب. كل إنسان تراب. كل إنسان بشر، أي إنه متلبّس بالضَعف. غير أن هناك من يشتاق أن يصبح حبيب المسيح بحيث ينفض عنه غبار هذه الأرض ويظلّ ضياء كاملا. كان عندها أُويقات كثيرة من الاستنارة، إذ كانت تلوذ بمسيحها في كنيسته هنا. وللمرة الأولى في هذه الكنيسة التي بُنيت بوضعها الأخير قبل سبعة قرون، ربما لم يُجنَّز فيها مؤمن منذ مئات السنين. عندما أعدنا كشف أيقوناتها الجدرانية كما ترون وكما تشاهدون ورائي، وأتينا بالأم أنطونينا إلى هذه الإيقونات، نكون في الحقيقة أردنا لها أن تصعد إلى السماء. هذا أعرف أنه بيد الديان العادل، ولكننا صلّينا لتكون ساكنة الملكوت.
"جاهدتُ الجهاد الحَسَن، وأكملتُ سعيي". السعي كان في الإشراقة، ليس فقط في إرشاد الراهبات. في الإشراق خارج الدير، في الإشراق عليّ، وعلى بعضٍ من الإخوة الواقفين. لا يعرف الكبير أنه يعطي. دائمًا يظن نفسه واقعا، وهذا بسبب التوبة العميقة. ولكن هذا الإشراق له أن يوصف بكلمات الرسول بولس: "أكملتُ سعيي". والآن أستريح ساعيةً وراء الله. وكبارنا يقولون: لا نسعى فقط وراء الله، ولكن في الله. ماذا يعني هذا؟ هذا لا يعني أننا نستريح بمعنى أننا ننبطح. الله لا يكفيك إن كنت مجرّد كائن مستريح. نحن نتحرّك ضمن الاستراحة. أي نتحرك ضمن السلام الذي يُغدقه الله علينا. لا يمكن أن تستحلي وجه الله إن كان وجهًا ثابتا أمامك، وكان وجهُك أنت ثابتا. إن الله ينتقل هو من مجد إلى مجد كما قال الرسول، وتنتقل أنت به من مجد إلى مجد. وأختنا هذه سوف تشترك في هذا التحرك ضمن المجد.
"حفظتُ الإيمان". أنا أشكر لله أن معظمكم لا يشكّ بنقطة واحدة من الإيمان. هناك من يشكّ ليس لأنه أضعف، ولكنه لكونه باحثًا ومتعمقا. ويهتزّ العميقون وقتا بعد وقت. كانت أنطونينا تهتزّ كيانيا. ما كانت جامدة. ولذلك إذا قلتُ عنها إنها "حفظتِ الإيمان"، فهذا أتى من جَهدها وراء يسوع.
لا يحقّ أن نقول إننا الآن نودّعها. هذا كلام شعبيّ لا يعني شيئا. نحن المؤمنين بيسوع لا نودع. نحن نبقى بعضنا مع البعض، نبقى فيه. إنه هو المكان. لا نودعها إذًا. نبقى، نلازمها وتلازمنا. نلازمها بأدعيتنا من أجلها، وتُلازمنا هي بدعائها من أجلنا نحن. عندنا موعد إذًا. عندنا معها موعد في الذبيحة الإلهية حيث تتشكّل الكنيسة. أنتم الكهنة تعلمون أنكم بعد مناولة المؤمنين تقولون لهم: "خلّص يا ألله شعبك وبارك ميراثك". ما معنى خلّص شعبك؟ أي إنكم قبل مناولة الإله، كنتم زمرة من الناس، شرذمةً من الناس، طائفةً أرثوذكسية مبعثرة. الآن جعلكم جسدُ الرب ودمُه شعبَ الله. ما معنى هذا باللغة اللاهوتية الدقيقة؟ هذا يعني أن الله مضاف إليه، أي إنكم تنوجدون بانتسابكم إلى الله. بلا إلهكم أنتم لا شيء. أنتم تراب مع شيء من الفكر والفذلكة العقلية. عندما ينزل المسيح إليكم بدمه وجسده الكريمين، يتمّ هناك اختلاط لا حسب الطبيعة، ولكن اختلاطٌ حسب القوى الإلهية، اختلاط بين نعمته وأجسادكم ونفوسكم.
إذا أردتُ أن أعمّق أكثر، لا تستطيع أنت، بعمق وبدقّة، أن تقول أنا حنا بطرس جورج. هذا بطَلَ أن يكون موجودا إذا أخذتَ جسد المسيح. تقول: أنا بتُّ جسدَ المسيح ودمه الكريم. تذكرون، في نهاية الكلام الجوهري في الأنافورا، نقول: "ليكون للمتناولين لنباهة النفس، ومغفرةِ الخطايا، وكمالِ ملكوت السموات، والدالةِ لديك، لا لمحاكمةٍ ولا لدينونةٍ". هذه شطْحة صوفية. ماذا أراد يوحنا الذهبي الفم لمّا قال كمال ملكوت السموات؟ المناولة ليست كمال ملكوت السموات. هذا غير صحيح. كمال ملكوت السموات هو فوق، عند القيامة. ولكنّ يوحنا الذهبي الفم، في الحب، لم يفرّق بين هذا الزمن والزمن الآتي، وشطح نفسَه للقيامة، وسمّى المناولة "كمال ملكوت السموات". "لا لمحاكمةٍ ولا لدينونة". أنّى للذهبي الفم أن يقول لا لمحاكمة ولا لدينونة، والكتاب العزيز يقول إننا سنُدان، وسنحاكَم؟ ولكنه رأى، في عيني المشتاق، أننا، إن أخذنا المسيح كاملاً الآن في الأسرار الإلهية، تُمنع عنا المحاكمة –هذا موجود في الحقوق– وتُرفع عنا الدينونة. هذه السيدة العظيمة كانت تفهم جيدًا ما أقوله لكم الآن. كان ربُّها بإلهام منه يجعلها تُحسّ بأنها مُرتضاه. كيف تكون بآنٍ واحدٍ، إن كنت مسيحيا عميقًا، كيف تستطيع أن تحسّ بأنك مُرتضى وبأنك مرضيّ عليك؟ نحن تحت الغضب. هذه جمالات لا أستطيع أن أدخل فيها وأنا إنسان حقير. أعرفها بعقلي وبملامستي للكتاب الإلهي. هذه كانت تعرف أكثر. كانت تعرف بالقلب.
عزاءً من تعزياتي أن أخواتها في الدير سيطّلِعن عليها أكثر الآن، سيَعرفْنَها أكثر. إذا فكّرتنّ، أخواتي، بها وبسلوكها، يتحسّن وضعكنّ امام الله. وهذه هي التِركة، هذا هو الإرث. نحن المسيحيين، عندنا الإنسان لا يموت، ليس فقط لأن الله يحفظه في السماء، ولكن الله يورثه للقادرين أن يَقدروه، أن يعرفوه، أن يدخلوا في خبرته الروحية.
أدخُلن هذه الخبرة بعد الدفن. لا تتفجّعن. نحن ليس عندنا تفجُّع. الحزن طبيعيّ، ولكني أجترئ أن أستشهد بالرسول عندما قال: "افرحوا أيضًا وفي كل حين إفرحوا".
لم نُنشد للفصح باطلا. نحن كنا نفهم ما نعمل. فلندخل جميعا بمسيرة الفصح، من الآن إلى أن ننتقل إلى وجهه الكريم، آمين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات