القديس سابا
القديس سابا ( 1173-1236 ) المعروف جيداً والأكثر محبوبيّة بين القدّيسين الصربييّن، هو الولد الأصغر للملك نحميا الجوبان الكبير (باليوغسلافية تعني الحاكم المطلق ) مؤسّس الدولة الصربية، ترك منزل أبيه في سن الثامنة عشرة. عاش حياة تقشّف في جبل آثوس ( اليونان ) وحوّل دير خيلاندار المهجور إلى مقام دائم ما يزال حتى الآن مركزاً مشعَّاً للروحانية الأرثوذكسيّة. كتب أوّل نص أدبيّ باللغة الصربيّة ( سيرة أبيه القدّيس سمعان )، وأصبح أوّل رئيس أساقفة لأوّل أمّة صربيّة تأسست حديثاً، وحظيت باستقلال ذاتي العام 1219
وكما ذكر الأسقف نيقولاي فالقديس سابا، عندما كان يؤسّس الكنيسة الصربية لم يقطع شعبه عن الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، التي كانت مؤسسة من قبل، بل كان يرمي إلى عكس ذلك. فقد أراد أن يجعل من الشعب الصربيّ "أبناء يستحقون الانتماء إلى عائلة المسيح الأرثوذكسية الجامعة
ويشدّد الأسقف نيقولاي على أن القديس سابا - الذي نذر حياته لشعبه كما لكنيسته - كان يشعر "وكأنه في بيته عند وجوده في أية رعية أرثوذكسية، إلى أي عرق نتمت هذه المجموعة أو أية لغة تكلمت"
لم يكن الهدف من هذا الكتاب، أولاً، سرداً تاريخياً، فقد أراد الأسقف نيقولاي، إضافة إلى ذلك، أن يُظهر كم بقيت سيرة القديس سابا محفوظة على مر الزمن في ذاكرة شعبه، كما كانت، بدون شك ذات اعتبار شخصيّ له، كما ذُكر ذلك فقط في الطبعات التي صدرت باللغة الإنكليزية قبل وفاة الأسقف نيقولاي عاش القديس سابا مع مواطنيه سنين عديدة ، وكان عمله نتيجة زمن طويل من التأمل والصلاة.
في ميليشيفو، حيث دفن القديس سابا ، صورة له تعكس، كما في هذا الكتاب، شخصية قديس مسيحي شُحذت حياته بالصلاة والاهتمام بالآخرين، وتميَّز في الوقت ذاته بالوداعة والقوة
عاش قائد الكنيسة هذا القوي والنشيط، دوماً، في كنف كلام الرب يسوع "طوبى للودعاء". وذلك، بالنسبة إليه، كان يعني أن الذين لا يطلبون شيئاً لأنفسهموالذين لا يقارنون أنفسهم بالآخرين بل بالمسيح فقط، هم مباركون. تشير الصورة إلى أن قوة القديس تكمن في الوداعة. جازف كثيرا من أجل شعبه على الصعيدين الوطني والروحي. حكي عنه أنه قال يوماً لمعاصريه: " لا أطلب منكم شيئا،أبتغي فقط خلاص نفوسكم ولأجل هذا لا أكترث لنفسي
بينما يصوّر الأسقف نيقولاي قيادة القديس سابا الحاسمة، يظهره أيضا رجلاً ذا شعور عميق و إحساس مرهف، ويؤكّد حزن سابا - كما فعل سابا نفسه - حين توفي والده، ويبرز شكره لله على نهاية والده المقدَّسة
سنلاحظ، في أماكن متعددة من هذا الكتاب، كيف يؤكد الأسقف نيقولاي الأحاسيس العميقة التي يبديها القديس سابا في أحداث حياته، فنتلمس التزام المؤلف نفسه شخصيّة كتابه
تمتد أهمية القديس سابا إلى أبعد بكثير من الإنجازات المهمة التي حققها أثناء حياته. فحينما كان شعبه يعيش تحت وطأة الاستعمار العثماني حتى بعد ثلاثة قرون ونيف من وفاته، كان تأثيره ينمو ويزدهر. فقد كان المسلمون والمسيحيون، الذين يعيشون في المنطقة التي دُفن فيها القديس، يكرمونه ويؤمنون بقوته العجائبية لذلك وخوفاً من زيادة تأثير هذا المعتقد، حرق الحكام (العثمانيون ) جسده القديس سابا العام 1595 في فراتشار، فأضيفت إلى تكريمه كقديس كبير وتطويبه كقائد، صفة الشهيد، وبقيت ذكرى القديس سابا وكبرت، و تأصلت في ضمير شعبه. لاورد هذا الكتاب فقط كلمات القديس سابا وأفعاله، بل يروي أيضاً ذكره الحي الذي تسلمته العائلات و الرعايا من الأسلاف جيلاً بعد جيل، ينسج بها التاريخ بالقصص المقدسة
خلال القرون، وجد الشعب الصربي في القديس سابا، تعبيراً صادقاً وكبيراً عن مصيرهم التاريخي كأمة. وقد نظر شعبه إليه ليتعرفوا إلى ماضيهم ومصيرهم اعترف الجميع بعظمته أثناء حياته، لكن بشكل أكبر وأكثر شفافية بعد وفاته . انتشر الاعتقاد بالقديس سابا بين الشعب الصربي كردِّ عفوي من قبل شعب لقاء راعيه إذ شعروا بأنهم، من خلال ما حققه، برزوا كهوية موحّدة روحياً. وهكذا يجب على كل قائد مسيحي كبير أن يذهب إلى خارج حدود أمّته، خارج كنيسته المحلية، وأن يدخل تاريخ الشعوب والكنائس المحلية الأخرى. ينتمي القديس سابا إلى تاريخ المسيحية الجامعة ككل. وكما أتى بشعبه إلى داخل الكنيسة الجامعة، هكذا اعترفت الكنيسة بجامعيّته وتأسست عقيدته في بلغاريا وروسيا ورومانيا، وبخاصة في هذا القرن، مع انتشار عدد كبير من الصرب الأرثوذكس في أنحاء العالم كافة، وبشكل خاص في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزية، انتشر اسم القديس سابا وحملت كنائس كثيرة اسمه. وبمساعدة الذين ما زالوا يحافظون على ذكره، تشيّد كنيسة له الآن في فراتشار حيث أتلف جسده. ربما تكمن أكثر سماته المميزة، في عصرنا، في رفضه، في تلك الأيام العنيفة، أن يفرض التعذيب على الملحدين وغير المؤمنين، أمثال البوغوميليّين المنتشرين، آنذاك بشكل واسع، في المملكة الصربية
أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الحرب ضد إلحاد البوغوميليّين، كما كانوا يدعونهم في فرنسا واسبانيا، وكان والد سابا نحميا نفسه قد ترك دماءهم تسيل نتيجة الحملات ضدّهم، أما سابا فطالب بإلحاح بتعليمهم وإقناعهم لربحهم في ما بعد. وحينما نتأمله ونراجع أعماله من زاوية اضطهاد الكنيسة الصربية، بخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، نتبين أن تراث القديس سابا كان حقاً صافياً كالبلور، فهو أقنع، بقوة، كنيسته اليانعة باستعمال الطرائق السلمية ضد معارضيها
اشتهر رئيس الأساقفة سابا جيدا في أيامه. فهو سافر مرات كثيرة وبشكل واسع إلى مختلف أنحاء العالم المسيحي الشرقي، فالاحترام الذي كان يفرضه ظهر جلياً بشكل خاص عند وفاته. فقد تمنى الملك البلغاري، كما يروي الأسقف نيقولاي، أن يحتفظ بجسد سابا في مدينة ترنوفو البلغارية حيث توفي. وقد نشأ عن ذلك صراع دبلوماسي طويل. وفي النهاية نقل الجسد إلى دير ميليشيفو وهكذا، كما يقول الأسقف نيقولاي، "عاد الوالد إلى أبنائه". أصبح قبره في ميليشيفو مصدر بركة، مصدر حياة و تعزية للأجيال الصربية القادمة. لم يصدق أحد أبداً أنه توفي
من كتاب "سيرة القديس سابا رئيس الأساقفة (1173-1236)"
نيقولاي فيليميروفتش
تعريب نوح كومين
منشورات أبرشية بصرى حوران وجبل العرب والجولان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات