في حوار بين زائر وشيخ راهب في الجبل المقدس (آثوس) حول صلاة الرب يسوع "يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ"، سأل الزئر: ما الفرق بين الصلاة وطريقة اليوغا وأن تبينّوا لي أفضلية الصلاة وسموّها على الديانات الشرقية الأخرى.
إنّ هذا الموضوع، يا بني، واسع جداً. ويمكن أن يُقال فيه الكثير، ولكن دعني أُظهر بعض النقاط:
أولاً: الصلاة تعبّر بشدة عن الإيمان بالله الذي خلق العالم ويحكمه ويحبه. فهو الأب الحنون المهتم بأن يخلّص خليقته. والخلاص يتمّ "في الله". لهذا نتوسل في الصلاة قائلين "ارحمني".
إنّ تخليص المرء نفسه بذاته، وتأليهه لذاته، هما أمران بعيدان عن المجاهد بالصلاة العقلية لأنهما كانا الخطيئة التي سقط فيها آدم. فقد أراد أن يصير إلهاً خارج الإطار الذي حدَّده الله له. والخلاص لا يتم "بواسطة الذات ومن الذات" وهو ما تقول به النظم البشرية، وإنما يتمُّ في الله.
ثانياً: نحن لا نجاهد بالصلاة من أجل أن نقابل إلهاً غير شخصي، لأننا لا نبتغي الارتفاع إلى العدم المطلق، وصلاتنا تتركز على إله شخصي هو يسوع الإله – الإنسان ولهذا نناديه بالصلاة "يا ربي يسوع المسيح، إبن الله". وتلتقي في المسيح الطبيعتان الإلهية والإنسانية، أعني الله الكلمة والإنسان بكامله (يسكن فيه كل ملء اللاهوت جسدياً). ولذلك يرتبط تعليم الرهبنة الأرثوذكسية عن الإنسان والخلاص بالتعليم عن المسيح برباط وثيق. نحن نحبّ المسيح ونحفظ وصاياه، ونعطي لهذا أهمية كبرى، ونصرّ على تنفيذ وصايا المسيح. وقد قال هو نفسه "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" (يو 15:14) وبحبنا للمسيح وحفظنا وصاياه نتحد بالثالوث بكامله.
ثالثاً: بالصلاة العقلية المتواصلة لا نتردّى في حال الكبرياء، أما النظم التي ذكرتها لي سابقاً فتسودها الكبرياء، ولكننا نحصل بالصلاة على حال التواضع المغبوطة. وإذ نقول "ارحمني". نعتبر ذاتنا أسوأ الناس أجمعين، ولا نحتقر أحداً من الإخوة. والمجاهد بالصلاة تنأى عنه كل أنواع الكبرياء. أما من عنده الكبرياء فهو أحمق.
رابعاً: ليس الخلاص فكرة مجردة -كما قلنا- وإنما هي اتحاد بالله، المثلّث الأقانيم، في شخص "ربنا يسوع المسيح". لكنّ هذا الاتحاد لا يبطل العامل البشري. فنحن لا نفنى في الله ما دمنا نحن أيضاً أشخاصاً.
خامساً: إننا نحصل خلال مضيّنا في الصلاة على قدرة تَبَينُّ الضلال، فنرى ونميّز حركات الشيطان. ولكننا في الوقت عينه نميّز أفعال المسيح أيضاً، أعني أننا نعرف بوضوح روح الضلال الذي كثيراً ما يتشكّل في صورة ملاك نور. وهكذا نميّز بين الصالح والشرير، وبين غير المخلوق والمخلوق.
سادساً: إنّ الجهاد من أجل "الصلاة" مرتبط بتطهير النفس والجسد من تأثير الأهواء القتّال. لسنا نسعى إلى الوصول إلى التجرد من الانفعال (الأباثيا) تقول به الفلسفة الرواقية، بل نبتغي البلوغ إلى (أباثيا) ديناميكية، أعني أننا لا نهدف إلى إماتة الإنفعال (Pathos) وإنما إلى تجلّيه (إعادة تشكيله) أو تهذيبه. فبدون الانفعال اللاإنفعالي لا يمكن أن يحب أحد الله ولا أن يخلص. لكن بما أنّ هذه المحبة قد فسدتْ واعوجَّتْ، فإِننا نسعى إلى التجلّي، نجاهد من أجل تحرير صورتنا من الحالات الشاذة المشوِّهة لها، والتي أحدثها الشيطان.
بدون هذا الجهاد الشخصي الذي يتم بنعمة المسيح لا يمكننا أن نخلص. يقول القديس مكسيموس المعترف "إنّ المعرفة غير المقرونة بالعمل لهي ثيولوجيا شياطين".
سابعاً: لا نبتغي بالصلاة قيادة العقل إلى العدو المطلق، بل توجيهه إلى القلب ونقل نعمة الله إلى داخل النفس، وامتدادها إلى الجسد أيضاً. "إنّ ملكوت الله داخلكم " والجسد حسب تعليم الكنيسة ليس شراً ولكنّ التفكير ذا النزعة الجسدية شر. والجسد ليس "رداء النفس" كما تسميه بعض النظم الفلسفية، لذلك يجب علينا أن نخلّصه لا أن نلغيه. كما أنّ الخلاص يعني خلاص الإنسان بكامله، نفساً وجسداً. ولذلك نحن لا نسعى من أجل تدمير الجسد، ولكننا نقاوم عبادة الجسد، ولا نريد هدم الحياة ولا نسعى إلى الوصول إلى عدم الرغبة في الحياة بحيث يتوقف الألم. ونمارس "الصلاة" لأننا متعطشون إلى الحياة، ونريد أن نحيا مع الله إلى الأبد.
ثامناً: ليس لدينا عدم اكتراث بالعالم من حولنا. إنّ مختلف النظم التي ذكرتها تتجنب التفكير في مشاكل الناس ليحفظ أصحابها لأنفسهم السلام والتجرّد من الانفعال. أما نحن فنعمل نقيض ذلك لأننا نصلي من أجل الجميع نتضرّع إلى الله من أجل العالم كلّه.
والخلاص، بنوع أخصّ، الإتحاد بالمسيح. لذلك نكون على صلة إجتماعية بأشخاص آخرين فنحن لا يمكن أن نخلص وحدنا، ولا يكون فرحنا فرحاً حقيقياً إن انحصر فينا ولم يكن فرحاً للعالم أيضاً.
تاسعاً: نحن لا نعير الطرق النفسية أهمية كبرى ولا نكترث لأوضاع الجسم المختلفة، ونرى أنّ في بعض هذه الطرائق وسائل تساعدنا على تركز العقل في القلب، أي في جوهره. ومن بعد استخدامنا لها لهذه الغاية نتركها فوراً. وأكّرر القول، إننا لا نسعى إلى التجرُّد من الإنفعال بل إلى نيل النعمة الإلهية.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

المفضلات