الحوار الأرثوذكسي – الكاثوليكي
الأرشمندريت ديمتريوس ( شربك )
راعي الكنيسة ووكيل مطران عكار في صافيتا
ربما هو معروف للجميع، أنّ النهج الذي اتبع في الحوار اللاهوتي، بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية هو البحث في الأمور المشتركة التي توحد بينهما، وتدريجياً الوصول إلى نقاط الخلاف التي تبعدهما. هذا يعني أنّ الحوار انطلق مستندًا على التراث المشترك للكنيستين، والذي امتد قرابة ألفية كاملة.
ولهذا أهمية كبرى، إذ إنّ كل الأمور المطروحة للبحث والحوار مرتكزة على أمور لاهوتية، عاشتها الكنيسة الواحدة لمدة طويلة واختبرا وأصبحت جزءًا هاماً من تراثها الروحي والكنسي. من هنا كانت كل الوثائق التي توصلت إليها اللجنة، تعبيرًا عن الإيمان الواحد المشترك خلال الألفية الأولى، وتستند مباشرة على هذا الإيمان. وما وثيقة رافينا، التي تم التوصل إليها مؤخرًا إلا استمرارًا لهذا التقليد اللاهوتي وتفسيرًا للتقليد الآبائي للكنيسة الواحدة غير المنقسمة في ألفيتها الأولى (2000- 2006).
إن كل أمور الإيمان الواحد والتقليد المشترك، كانت محور اهتمام اللجنة العالمية المشتركة للحوار اللاهوتي خلال العشر سنوات الأولى لانطلاقة الحوار، أي من ( 1980 - 1990 ) قبل أن يدخل الحوار مرحلة حرجة ( 1990-2000 ) عند بحثه لمشكلة الأونيتية (الانضمامية Unity) والتي أدت إلى إيقافه لمدة ست سنوات من عام ( 2000-2006 ).
في سنة 2006 تم إعادة فتح الحوار بين الكنيستين، بعد تأجيل بحث موضوع الاونيتية ليصار أولا إلى إكمال دراسة كل الأمور المشتركة بينهما. على هذا الأساس، عقد اجتماع للجنة المشتركة في بلغراد (صربيا) في أيلول / 2006 / وتم فيه دراسة النص الذي كان قد ُاعد في موسكو في شباط 1990 . الدراسة لم تنته واستمرت في الاجتماع التالي للجنة الذي عقد في رافينا – ايطاليا من 4-8 تشرين الأول 2007 والذي اشتركت فيه كل الكنائس الأرثوذكسية، عدا بطريركية بلغاريا وبطريركية جورجيا.
في اليوم الأول من هذا اللقاء، وكما جرت العادة، اجتمعت اللجنتان منفردتان، للتنسيق والتفاهم الداخلي. وفي هذا الاجتماع عرض ممثل البطريركية الروسية الأسقف ايلاريون، موقف كنيسته بالانسحاب من اللقاء في حال استمرار وجود ممثلين عن كنيسة استونية والتي كانت قد ُأعلنت ككنيسة مستقلة من قبل البطريركية المسكونية، ولم تنل الاعتراف من بطريركية موسكو . وقد حاول رئيس الوفد الأرثوذكسي، وهو ممثل البطريركية المسكونية، مع بقية أعضاء الوفد حل المشكلة لكن لم تتم تسوية الموضوع بشكل يرضي الجميع فانسحب الوفد الروسي .
هذا الموقف بالطبع وكما هو واضح من مجرى الأحداث، لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالحوار اللاهوتي، ولكنه شأن أرثوذكسي داخلي، لم يؤثر على سير الحوار وتبني الوثيقة الصادرة عنه. هذه المشكلة في طريقها إلى الحل إذ إنّ البطريركية المسكونية، حددت موعدًا مع بطريركية موسكو لتدارس وضع كنيسة استونية. كما أن الكاردينال كاسبر رئيس المجلس الحبري لتعزيز وحدة المسيحيين ورئيس الوفد الكاثوليكي للحوار صرح - بعد زيارته لروسيا بمناسبة عيد القديسين كيرلس وميثوديوس شفيعي أوربا - أن الكنيسة الروسية قبلت دعوته إلى المشاركة في اللجنة المشتركة للحوار وسترسل ممثلين
عنها في الاجتماع القادم (اجتماع 2009 في قبرص).
في نهاية اجتماع رافينا تم التوصل إلى وثيقة هامة، حول "النتائج الكنسية والقانونية للطبيعة الأسرارية للكنيسة: الشركة الكنسية، المجمعية والسلطة" . كما تم الاتفاق على المواضيع التي سيتم دراستها في الاجتماعات القادمة للجنة والتي حددت على الشكل التالي:
١- دور أسقف روما في الألفية الأولى وما هو مفهوم الأولية فيها.
٢- مفهوم الأولية في الألفية الثانية وكيف تمارس في الغرب.
٣- كيف نريد الأولية في المستقبل.
إذًا بعد أن اتفق الطرفان على موضوع السلطة والمجمعية الكنسية كنتيجتين قانونيتين وكنسيتين لطبيعة الكنيسة الأسرارية، سيكون موضوع اللقاء القادم، والذي سيتم بين اللجنتين في تشرين الأول 2009 في قبرص دراسة "دور أسقف روما في شركة الكنيسة خلال الألفية الأولى"، أي تحديد الدور الذي كان يلعبه والمكانة التي كان يتبوؤها أسقف روما في الألفية الأولى، عندما كانت الكنيسة واحدة وغير منقسمة.
وحيث أنه كان قد تمّ في رافينا أيضاً الاتفاق على أن تكون سنة / 2008 / سنة عمل وتحضير لاجتماع قبرص فقد اجتمعت لجنتا الصياغة الانكليزية والفرنسية منفصلتين واعدتا نصين تمت مناقشتهما في اجتماع اللجنة الفرعية المشتركة، الذي حصل في جزيرة كريت – اليونان في شهر تشرين الأول 2008 وتم إعداد نص واحد، لعرضه على اللجنة العامة المشتركة ومناقشته في اجتماعها القادم في قبرص.
من هذا يبدو واضحاً أن الانتقال من الأمور المشتركة إلى الأمور المختلفة، بين الكنيستين قد أصبح أمرًا لا بد، منه وسيطرح تدريجياً على طاولة الحوار في اللقاءات المقبلة للجنة الحوار اللاهوتي المشتركة.
خلاصة:
من الواضح أنّ وحدة وجامعية الكنيسة، كما هو ظاهر في نص وثيقة رافينا، معبر عنهما في سر الافخارستيا (سر الشكر) ولا يمكن أن يفهما خارجه. هكذا ومن وجهة النظر هذه فإنّ الكنيستين اكتشفتا أهمية الاكلزيولوجية الافخارستية والتي كانت أساسية في ضمير الكنيسة الواحدة، غير المنقسمة، ووضعتا أفقاً جديدًا للحوار المستقبلي بينهما، أفقاً مفعماً بالأمل والرجاء لتخطي وتجاوز كل الصعوبات والعقبات التي يمكن أن تعترض مسيرة هذا الحوار وصولاً لتحقيق رغبة السيد: ( أن يكونوا كلّهم واحدًا).
هنا لابد من التأكيد على حوار المحبة أيضاً، الذي قطع أشواطاً هامة وخاصة في السنوات الأخيرة، لأن حوار المحبة بالضبط، هو الذي سمح للحوار اللاهوتي، حوار الحقيقة، أن يتوصل إلى نتائج، لم تكن متوقعة وممكنة في زمن سابق. هذا يعني أن الحوار بين الأرثوذكس والكاثوليك على الصعيدين اللاهوتي والحياتي يتقدم بشكل ملحوظ.
أخيرًا، نتمنى أنّ ما رأيناه في رافينا من روح محبة وتعاون وتفاؤل والتي ولّدت وثيقة هامة جدًا أن يستمر في كل اللقاءات المسكونية، ويطبعها بطابع الروح القدس، المعزي القادر أن يلهم ويرشد المسؤولين عن الحوار، إلى السعي الحثيث والدؤوب لشفاء جرح طال إدماؤه وآن له أن يشفى.
عن مجلة البشارة - أبرشية حلب
المفضلات