شخصنا البشري
[align=justify]قال الله: " لنصنعنّ الإنسان عل صورتنا ومثالنا" (تك 1، 26). يرى الآباء اليونانيون أن عبارة " لنصنعنّ الإنسان" توحي بأنّ الأقانيم الثلاثة اتفقوا مع بعضهم البعض وانسجموا. والكائن البشري مخلوق على صورة الثالوث، أي على صورة الله الذي ليس واحداً فحسب بل هو ثلاثة بجوهر واحد. لذلك فإنّ الإنسان مدعو، على غرار الله، إلى التعبير عن نفسه في جماعة أو في شركة. وكما أن الله ليس وحدانية معزولة بل هو اتحاد ثلاثة أقانيم كل منها موجود في الآخر في حركة محبة أزلية متبادلة، كذلك الإنسان لا يحقق ذاته بالتمام، أي لا يكون على صورة الله ومثاله، إلا إذا عاش في قريبه ومن أجله فالمشاركة هي التي تجعلنا بشريين.
نجد في رواية دوستويفسكي " الإخوة كارامازوف" مثالاً تصويرياً رائعاً على ذلك. إذ يروي المؤلف، مستنداً إلى قصة شعبية معروفة، حكاية امرأة عجوز شريرة جداً استيقظت بعد موتها في بحيرة من النار. ولم يستطع ملاكها الحارس، الذي كان مستعداً للقيام بالمستحيل من أجل إخراجها من هذا المكان، أن يتذكر من أعمالها إلا عملاً صالحاً واحداً فعلته في حياتها كلها وهو أنها قدّمت ذات يوم بصلة من حديقتها إلى امرأة متسولة. فمدّ الملاك البصلة إلى العجوز وطلب منها أن تمسك بها وبدأ يسحبها خارج البحيرة، لكنها لم تكن وحيدة في ذلك، إذ إن الآخرين الذين رأوا ما كان يحصل، تمسكوا بها آملين أن يتمكنوا من الخروج من ذلك الماء الناري. فانتاب العجوز خوف شديد وأخذت تركلهم برجليها. ثم صرخت " اتركوني، فإن الملاك يسحبني أنا لا أنتم. وهذه بصلتي أنا لا بصلتكم أنتم".
وللحال انشطرت البصلة شطرين فوقعت العجوز في البحيرة. وهي ما زالت تشتعل فيها إلى اليوم.
لو قالت المرأة "هذه بصلتنا"، أما كان هذا القول كافياً لكي يخلّصهم كلهم من النار؟ لكن بقولها "هذه بصلتي أنا، لا بصلتكم أنتم" أصبحت أقلّ من البشر. وبرفضها المشاركة أنكرت كونها شخصاً. فالشخص الإنساني الحق والمخلص لصورة الثالوث القدّوس هو من يقول دائماً "نحن" لا "انا"، و"خاصتنا" لا "خاصتي". الصلاة التي علمنا إياها ابن الله تقول " أبانا " لا " أبي".
فجماعة المسيحيين الرسولية الأولى في أورشليم كانت تتميز بروح المشاركة:
" وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات. (...)
وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركاًبينهم" (أع 2، 42 - 44). إننا كمسيحيين بحاجة اليوم، بعد مرور تسعة عشر قرناً، إلى أن نستعيد هذا الحس الجماعي وأن نتعلم مجدداً كيف نتشارك البصلة. ومثالنا المحتذى في هذه المشاركة العذراء مريم التي عند سماعها البشارة، "مضت مسرعة إلى الجبل" لكي تشرك قريبتها أليصابات بهذا الخبر السار (لو 1، 39 - 40). فلنتأمل هذا الإسراع، وهذا الحسّ بطوارئ الأمور: لقد أحسّت مريم أنّه لا يمكنها الاحتفاظ بهذا الخبر لنفسها فقط.
وكما نرى من خلال مثل الخراف والجداء (متى 25، 31 - 46)، فإن الدينونة الأخيرة، في المجيء الثاني للمسيح، لن تكون مبنية على أفكاري الداخلية ومشاعري الخاصة، ورؤاي وابتهاجاتي الروحية. كما ان محاكمتي لن تكون على قدر تماريني النسكية واصوامي وسجداتي. فـ "كل" ما سأُسأل عنه هو هل أنني اطعمت الجائع، وزرت المساجين وعدت المرضى، وآويت الغريب في منزلي. بعبارة أخرى، سوف أُسأل عن علاقتي بأترابي. كيف كانت علاقتي بالآخر؟ هل عشت معه من منطلق روح المشاركة؟ هل كنت منغلقاً على ذاتي، أم شخصاً بكل ما للكلة من معنى، يعيش في شركة ع الآخرين؟ في الواقع، ليس من قبيل المصادفة أبداً كون اللفظ المستخدم للدلالة على الشخص في اللغة اليونانية هو prosopon وهو يعني أيضاً الوجه، وبالتالي، فقط عندما أكون وجهاً لوجه مع الآخرين وأنظر في عيونهم، من دون أن أتهرب من نظراتهم، اكون شخصاً حياً لا فرداً. الروح القدس الساكن في قلوبنا هو روح مشاركة: فهو يوحّدنا مع أنّه يجعلنا مختلفين أحدنا عن الآخر.
بما أننا نعيش اليوم في مجتمع بارد يتميز بالميل المتزايد إلى الانعزال والقوقعة، فإنّ من صلب رسالتنا المسيحيّة التأكيد على معنى الشركة الشخصية، أي يجب علينا ان نقاوم سيطرة الالة. قصد إنسان ذات مرة طبيباً نفسياً وقال له الطبيب: " من الأسهل عليّ ان أركّز إذا لم أنظر إليك وجهاً لوجه. لذلك استلق ِ أنت على الكنبة وأنا سأقبع في الزاوية خلف الستارة". بعد قليل من الوقت خالج المريض بعض الشك والريبة لأن الزاوية كانت هادئة بشكل غريب . فاجتاز الغرفة على رؤوس الأصابع وازاح الستارة بخفر. كان شعوره بالشك في مكانه، إذ وجد كرسياً فارغاً، خلفه باب. لم يكن الطبيب موجوداً بل كانت على الكرسي مسجّلة تعمل. لم يضطرب المريض أكثر من اللزوم، إذ سبق له أن روى قصته للعديد من الأطباء النفسيين ولذلك فهو يحتفظ بها مسجلة على شريط كاسيت. عندئذٍ تناول مسجلة أخرى، لفها بمنشفة، ووضعها على الكنبة وادارها. ثم خرج لاحتساء فنجان من القهوة في الجهة المقابلة من الشارع، فالتقى هناك الطبيب وكان يتناول كأساً من الشراب. فما كان منه إلا أن دنا وجلس غلى طاولته. فقال له الطبيب: "ما هذا؟ من المفترض ان تكون الآن ممدّداً على الكنبة تسرد قصتك". أجابه المريض: " كل شيء على ما يرام. فإن مسجلتي تتحدث إلى مسجلتك". خلاصة القول إنه علينا نحن المسيحيين أن نؤكّد قيمة المشاركة المباشرة واللقاء المباشر، لا لقاء الآلة بالآلة بل لقاء الشخص بالشخص الآخر، وجهاً لوجه.
هكذا يكون الشخص الحقيقي: حراً، شكرياً (أفخارستياً)،واجتماعياً. إنه الإنسان الذي يعتبر نفسه "مسؤولاً عن الجميع وعن كل شيء"
[/align]
عن الملكوت الداخلي للمطران كاليستوس وير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات