علاقة الظلم والاضطهاد بالحياة حسب إرادة الروح وفكر الإنجيل
" و جميع الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون"
لا يمكن لإنسان أن يحيا حياة مباركة ومقدسة فى الحق دون أن يجوز فى نفسه سيف الظلم والاضطهاد من الاخرين وذلك لأن تتبع خطوات المسيح يستلزم من كل إنسان السير وفقاً لهذه الخطوات ، تلك الخطوات التى كان الظلم والاضطهاد من الاخرين واضحاً عليها تماماً .
وإذا كان اجتياز الإنسان بالظلم هو الطريق لاقتنائه فضيلة الاحتمال ، فهذا هو حال الوصول لاقتناء اى فضيلة ، لذا يقول القديسيوحنا الذهبي الفم: [ لا يمكن لإنسان يسلك في حياة الفضيلة ألاَّ يتعرضلحزنٍ أو تعبٍ أو تجربةٍ، إذ كيف يهرب منها من يسلك الطريق الكرب الضيق، ومنيسمع أنه في العالم يكون له ضيق (يو ١٦: ٣٣)؟ إن كان أيوب قال في زمانه أن حياةالإنسان تجربة (أي ٧: ١) كم بالأكثر يعاني من هم في هذه الأيام؟] ..
، فالطريق إلى حرية الروح واقتناء الفضيلة ليس سهلا ، بل يكلف الإنسان أتعاب وضيقات كثيرة ومبرحة ، ولكنها فى سائر الأحوال لا تفوق مقدرته على الاحتمال ، بل هى دائماً وأبدا فى حدود بشريته ..
كما أن صدور الظلم ليس مرتبطاً بأشخاص معينين يصدر عنهم ولا بمكان وزمان محددين ، لأن إبليس عدونا يجول كأسد زائر ليل نهار يلتمس من يريد إبعادهم عن حظيرة الإيمان ومعرفة الحق ، ومستخدماً فى ذلك أعوانه من بنى البشر الذين ارتضوا السير وفقاً لإرادته و يستخدمهم كل حين لتحقيق مشيئته ...
والرغبة الصادقة فى تبعية المسيح تلغى تماماً عجز الإنسان عن احتمال كل ما يتعرض له من ظلم واضطهاد وافتئات على حريته ، وبقدر ما تكون الرغبة فى تبعية المسيح من الإنسان بقدر ما تكون قدرة هذا الإنسان على احتمال صنوف الضيقات والتجارب التى يجتازها .
فالاضطهاد كوسيلة لنمو الإيمان بالمسيح لا يمكن فصله عن الحياة حسب إرادة الروح للإنسان ولا يمكن القول أيضاً بان الاضطهاد غير مدرج فى خطة الروح لتحرير الإنسان ، بل أن القول بغير ذلك يعد إنكار لفكر الروح وتدبيره لخلاص الإنسان ، وهو أمر غير مقبول من الإنسان ولا يوافق إرادة الله وتدبير عنايته .
و أرغب هنا فى ذكر بعض الملاحظات أود أخذها بعين الاعتبار ، وهى كالتالى :
+ لا شك أن كل ما يحدث للإنسان من ظلم واضطهاد لا يتم بلا قيود أو ضوابط من الله ، وإنما فى ذلك دعوة منه للإنسان الذى يمارس عليه الظلم والاضطهاد لكى يكون مستحقاً الميراث مع الذين شهدوا للمسيح حتى الدم و الموت ، ولعل هذا واضحاً تماماً من قول معلمنا بطرس الرسول حينما قال : "عالمين انكم لهذا دعيتم لكي ترثوا بركة " (1بط 3 : 9) ، ومن ثم فحدوث كل آلم ، بما فى ذلك الاضطهاد والظلم ، لا يتم بصورة عشوائية أو بلا ضابط ، بل حسب ترتيب إلهى ولمقاصد سماوية قد لا يفهمها الإنسان وقت امتحانه وتجربته ، ولكنها لخيره الزمنى والأبدى معاً .
+ لا تتوقع إطلاقاً أن تعيش فى ظل تبعية المسيح بلا آلم او تعب ، لأن الذين يبتغون الحياة المقدسة فى المسيح لابد وأن تظهر فى حياتهم أمجاد النعمة والروح ، وهذا بدوره لا يتحقق إلا باجتياز الإنسان بالتجارب والضيقات ، أما الذين راحوا يقولون بإمكانية الحياة بالتقوى فى المسيح بلا آلم فهؤلاء قد تبنوا لأنفسهم مبادئ خاطئة ومضلة .. فهم جردوا الحياة الروحية من الصليب ، سر القيامة ووسيلة النصرة ، وسوف يأتى اليوم الذى سيندمون فيه على اعتناقهم لهذه المبادئ الخاطئة ...
بل أن فكرة تبعية المسيح بلا آلم حدا بالقديس أغسطينوس أن يقول " إن أردتألاَّ تكون لك متاعب، فأنت لم تبدأ بعد أن تكون مسيحيًا... إن كنت لا تعاني مناضطهاد (ضيق) لأجل المسيح، فاحذر لئلا تكون لم تبدأ بعد أن تعيش بالتقوى فيالمسيح ] .. ومن ثم فإقتران الحياة بالتقوى فى المسيح يسوع باجتياز الظلم والاضطهاد شىء لا يقبل الإنكار أو الإستثناء .
+ تذكر كل حين أن حياتك حسب روح الحق وفكر الإنجيل لا يمكن أن تنمو إلا باحتمالك للظلم والاضطهاد من الاخرين ، وهذه هى إرادة الله أن يحتمل الإنسان ظلم الاخرين فيتحرر من كل فساد وكبرياء ويكون أهلا لرضا الرب ولنعمة المسيح وسكنى الروح القدس ..
فإذا ، ومن الملاحظ أيضاً ، أن مقاصد الله من كل ظلم واضطهاد يسمح به للإنسان إنما يكون لأجل نمو هذا الإنسان فى النعمة وتقدمة فى الفضيلة وجعله قوياً فى الإيمان ومقتدراً فى أعمال الروح وإرضاؤه ...
وهذا هو أيضاً فكر الطوباوى بولس الرسول الذى قال " نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل. يفترى علينا فنعظ صرنا كاقذار العالم و وسخ كل شيء الى الان (1كو 4: 13) ، فكان بولس الرسول يرى أن فى كل آلم بركة روحية مدبرة له و مؤكدة الحدوث ، وهذا ما شجعه على الفرح والتسبيح وسط الألم ، بل ودعوته للاخرين على احتمال الألم والرضا به . " فاطلب اليكم ان تكونوا متمثلين بي" (1كو 4: 16) .
+ غنى عن التوضيح والتذكير بمصير الذين مارسوا الظلم والاضطهاد على أولاد الله، حيث تخبرنا كلمة الرب وتقول :
- " و اما الظالم فسينال ما ظلم به و ليس محاباة (كو 3 : 25)
- " من يظلم فليظلم بعد " (رؤ 22 : 11)
- " اذ هو عادل عند الله ان الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقا " (2تس 1 : 6)
ومن ثم ، فهناك جزاء قادم سريعاً على كل الذين مارسوا ظلموا .. فهم ظنوا أنه وسيلة للفرح والانتصار والطريق إلى المجد والحرية واقتناء كل ما يعوزهم من خيرات ومناصب وبركات ، ولكن هذا كان صوت الشيطان لا فكر الإنجيل الذى يبغض وبشدة سلب حق الاخرين وحرمانهم من حقوقهم وحريتهم .
+ تحتاج الكنيسة على مر العصور وفى كل مكان أناس تدربوا على احتمال الظلم الاضطهاد ، فهؤلاء هم الذين صارت لهم القلوب النقية وباتت فيه العزيمة الصادقة على خدمة المسيح وتبعيته حتى الدم والموت ، ومن ثم فهم قادرين على حمل رسالة المسيح وتبليغها بكل أمانة وإخلاص ، إذ أن من أحتمل الظلم والاضطهاد إرضاءً للحق وإكراماً للإنجيل هو أكفأ من يؤتمن على أسرار الروح و الشهادة للمسيح.
صديقى هذه هى إرادة الله لأولاده أن يعيشوا بالاضطهاد محتملين ظلم الاخرين لهم ويكون الاضطهاد سر نموهم فى معرفة المسيح والظلم وسيلة لارتقائهم فى الفضيلة والكرامة والثبات فى المسيح ، فهل تقيل أن تعيش حياة التقوى الحقيقة والصادقة صديقى ، لك القرار والمصير
المفضلات