إحدى أهم المواهب الخاصة التي يتمتع بها الأب الروحي هي النفاذ إلى الأعماق والقدرة على التمييز، أي القدرة على إدراك أسرار القلب، وفهم الأعماق الخفية للكيان هذه التي نغفل عنها نحن في معظم الأحيان. فالأب الروحي يخترق التصرفات والحركات المتعارف عليها ليبلغ شخصيّتنا الحقيقية التي نخبئها عن أنفسنا وعن الآخرين خلف هذه التصرفات والحركات، إما من خلال حدسه، أو من خلال سؤالهم عن بضعة تفاصيل يجد أنه من الضروري أن يعرفها ليرشدهم. كما أنه يتخطى الظواهر الباطلة ليبلغ إلى فهم هذا الشخص الفريد المخلوق على صورة الله ومثاله. وهذهالقدرة قدرة روحية أكثر منها نفسية، فهي ليست من قبيل الحاسة السادسة أو توارد الخواطر أو التنجيم المبرر، بل هي ثمرة النعمة الإلهية التي تؤدّي إليها الصلاة المتيقظة والصراع النسكي غير المتواني.
يضاف إلى موهبة التمييز موهبة الكلام:
عندما يقترب إنسان من الأب الروحي فإنّ هذا الأخير يعلم مباشرة وبشكل محدد، ما يحتاج هذا الشخص إلى أن يسمعه. فالكلمات اليوم تغرقنا ولكن هذه الكلمات، بالنسبة إلى العديد منا، ليست شديدة الوقع. الأب الروحي قلما يتكلم لا بل يبقى صامتاً في بعض الأحيان. لكنه يقدر، سواء بكلماته القليلة أو بصمته، أن يغير حياة الإنسان بشكل جذري....
لكن، لكي تكون للكلام قدرة ما، لا يكفي أن تتوفر للمتكلّم السلطة والمصداقية اللتان يكتسبهما عبر الخبرة الشخصية، بل يجب أن يوجد بالمقابل شخص يستمع بانتباه ورغبة حيّة. فإذا طرح أحد الأشخاص سؤاله على شيخ روحي بدافع الفضول فمن المحتمل أنه لن يجني منه إلا فائدة قليلة، أما إذا اقترب شخص من الشيخ الروحي بإيمان متقد وبجوع كبير فإنّ الكلام الذي سيسمعه يمكن أن يقلب كيانه.
إن كلام الشيوخ الروحيين هو، في الأعم الأغلب، كلام بسيط خال ٍ من كل تكلّف أدبي، وهذا الكلام يبدو جافاً وساذجاً للذي يقرأه سطحياً.
إن عمل التمييز الذي يقوم به الأب الروحي يتمّ قبل كل شيء من خلال ممارسة "كشف الأفكار". فقد جرت العادة في الرهبنة الشرقية، خلال القرون الأولى، أن يرى الراهب الشاب أباه الروحي يومياً ويكشف له عن أفكاره. وكشف الأفكار هذا يتعدى مجرّد الاعتراف بالخطايا، فالمبتدئ كان يتكلم في الواقع على الأفكار والتحركات الداخلية التي قد تبدو له بريئة ولكن الأب الروحي يستطيع أن يميز أخطاراً خفية أو إشارات هامة. فالاعتراف عملية غوص في داخل الذات البشرية من أجل التعرف إلى الخطايا التي اقترفت.أمّا كشف الأفكار فهو أمر وقائي يُخرج أفكارنا إلى العلن وينزع منها ضررها قبل أن تقودنا إلى اقتراف الخطيئة، لأن الأفكار حتى لو مرت عابرة وقطعناها فوراً لا يعني أنها زالت إنما اختبأت، وتغذت عن طريق الحواس والصدف والظروف لتظهر من جديد بشكل أعنف وأقوى. وهذا الكشف لا يهدف إلى حل الخطايا بشكل قانوني، لكنه يسمح للإنسان بأن يعرف ذاته وأن يراها على حقيقتها.
إذا كان عدد لا بأس به من الناس يعتقدون أن ليس يإمكانهم إيجاد أب روحي، فهذا لأنهم يريدون نوعاً معيناً من الآباء الروحيين أي أنهم في سعيهم إلى البحث عن أشباه القديسين الذين يصنعون المعجزات، يغلقون أعينهم عن المرشدين الذين يضعهم الله في طريقهم ويشكون من قلة الآباء الجيدين لأنهم وبدافع من كبريائهم يعتقدون بأن مشاكلهم معقدة كثيراً فيما في قرارة أنفسهم يعرفون الجواب. لكن هذا الجواب لا يعجبهم لأنه يتطلب منهم مجهوداً مستمراً وصبراً لذلك يتذرعون بهذه الحجة ناسين أن التلميذ يحاسب على طاعته لا على قداسة أبيه.
عن الملكوت الداخلي للمطران كاليستوس وير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات