الجزء الرابع
الكنيسة الأرثوذكسية و " عقيدة الحبل بلا دنس "
ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن هذه العقيدة ظهرت نتيجة فهم خاطيء للخطيئة الأصلية، ومفاد هذا المفهوم الخاطيء في اللاهوت الأوغسطيني - الغربي، كما عرضنا أعلاه، ان الإنسان يولد مغضوباً عليه من الله، وهو معاقب بحرمانه من معرفة الله في هذه الحياة، والرب يسوع قد أتى ليزيل هذا العقاب. وهكذا تُمحى الخطيئة الأصلية بالمعمودية التي بحسب المفهوم الغربي يولد كل إنسان وهو حامل ذنب خطأ الأبوين الأولين.
لقد رأى الكاثوليك أن في سلام الملاك لمريم " أيتها المُنعَم عليها " معنىً واضحاً عن تجرّد مريم من الخطيئة الأصلية، وانها وحدها لم يكن عندها دنس الخطيئة الأصلية، لأنه برأيهم قد حُبِل بها من والديها دون دنس الخطيئة الأصلية. والكنيسة الأرثوذكسية ترى في المفهوم الكاثوليكي انتقاصاً وإهمالاً لدور مريم الذاتي في قداستها، إذ بعقيدتهم هذه يقدسونها رغماً عنها، ودون دور لها في تلك القداسة ، لمجرّد أن الله " شاء ".
في اللاهوت الأرثوذكسي لا يرث الإنسان الخطيئة الأصلية، بل نتائجها وهي الفساد ، كما يُخرج الجذر الفاسد ثماراً فاسدة. فالإنسان ليس معاقباً لكونه مسؤولاً عن خطيئة الأبولين الأولين آدم وحواء، بل هو مسؤول تجاه خطاياه وحده. الله في الأرثوذكسية لا يعاقب الناس، بل يحزن على خطاياهم، ولذلك رتب لهم خلاصهم.
العقيدة الكاثوليكية تطرح أسئلة محقة لا يجيب عنها اللاهوت الكاثوليكي، ومن أهمها:- كيف يمكن أن تكون مريم محررة بإرادة إلهية من الخطيئة الأصلية ، بينما هي مستمرة في حمل نتائج الخطيئة الأصلية " الموت " ، فهل تنقية الله وخلاصه ناقص ؟
- كيف يكون المسيح مخلص العذراء وهي مخلصة مسبقاً " تعظم نفس الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي " ( لو1: 46 ) ؟ هذا يعني أن تجسد المسيح الكلمة وفداؤه لم يشمل بخلاصه شخص مريم التي كانت مخلصة مسبقاً قبل التجسد ؟
وتتساءل الكنيسة الأرثوذكسية ما هو دور الروح القدس في تجسد ابن الله، ولماذا تحل نعمة الروح القدس على من سبق وتم تطهيره ؟ كيف ينقّي احشاءاً سبق له أن نقاها وحفظها مختومة حتى يوم التجسد العظيم وإلى ما بعده ؟ فهل كانت النعمة الإلهية الخاصة التي يتحدث عنها اللاهوت الكاثوليكي بحاجة لمتمم يوم تجسد الرب لكي تحل نعمة الروح القدس على القديسة مريم كما قال لها الملاك وتظللها قوة العلي ( لوقا1 )؟
فعقيدة "الحبل بلا دنس" لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ضرورتها. حيث ترى الكنيسة الأرثوذكسية جوابًا على التساؤلات بخصوص لاهوت الخطيئة الأصلية دون اللجوء إلى عقيدة "الحبل بلا دنس":
- فالعاقبة الأولى: "أن يولد كل إنسان خاطئًا بالفعل"، لا وجود لها، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، عند أيّ من البشر.
- والعاقبة الثالثة: "أنّ الإنسان صار مائتًا"، لم تُعطِ عقيدةُ الحبل بلا دنس جوابًا عنها. فمريم العذراء خضعت للموت كما يخضع له سائر البشر، وتحمّلت مع سائر البشر عاقبة خطيئة آدم وحوّاء.
- تبقى العاقبة الثانية: "أن يرث الإنسان طبيعة مجروحة تضعف بهاء صورة الله فيه، دون إزالة حرّيته". فالله قد أنعم على مريم العذراء بملء النعمة والقداسة، وقد تجاوبت مريم مع هذه النعمة، فلم تقترف أيّة خطيئة وبقيت "منزّهة عن كل عيب"، و"كاملة القداسة". ولكنّ هذه النعمة لا تعني، في نظر الكنيسة الأرثوذكسية، عصمة من الخطيئة الأصليّة. لأنّ مثل هذه العصمة، حسب قول أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيّين، "تحرم مريم العذراء من صلتها الصميمة العميقة بالإنسانية"، وتسلب الحرّية الإنسانية كلّ قيمتها، وتقطع "الاستمرارية مع قداسة العهد القديم، تلك القداسة التي تجمّعت من جيل إلى جيل لتكتمل أخيرًا بشخص مريم العذراء الكلّية الطهارة التي بطاعتها المتواضعة خطت الخطوة الأخيرة التي كان على الإنسان أن يخطوها لكي يصبح عمل خلاصنا ممكنًا. فعقيدة الحبل بلا دنس، كما عبّرت عنها كنيسة رومية، تقطع هذه الاستمراريّة المقدّسة "لأجداد الإله الأبرار" التي تجد نهايتها في "هوذا أنا أمة الربّ".
ثم "إنّ التحديد العقائدي الكاثوليكي: "امتياز معطى للعذراء توقّعًا للاستحقاقات التي سيكتسبها ابنها"، يأباه فكر الارثوذكسية التي لا تستطيع قبول هذا الميل الحقوقي في التفكير، المبالغ به، والذي يطمس الطابع الحقيقي لعملية فدائنا ولا يرى فيها سوى عملية "استحقاق" مبهم للمسيح، منسوب إلى كائن بشري، قبل آلام وقيامة المسيح وقبل تجسّده أيضاً، وذلك بقرار خاص من الله".
في هذا الموضوع يوجز أحد أساتذة اللاّهوت الأرثوذكسيّين موقفه فيقول:
لقد خلق الإنسان على صورة الله. والخطيئة لم تدمّر تلك الصورة فيه. أمّا المثال فهو الدرجة التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى تحقيق الصورة الإلهيّة فيه. المسيح وحده فيه ملء الروح القدس (يو 3: 34). أمّا الإنسان، فهناك حالات يستطيع فيها، باختيار من الله، وبمؤازرة النعمة وتجاوبه معها، الوصول إلى أعلى درجات القداسة وتحقيق صورة الله فيه على وجه شبه كامل... في اللاّهوت كما في سائر الميادين، يجب الانطلاق ممّا نعرف وليس ممّا نجهل. فالمعطيات المعروفة هي موضوع الوحي الإلهي، وتستند إلى كلمة الله، ويثبّتها التقليد، أي خبرة الكنيسة. والحال أنّ هناك أسرارًا، ليس فقط إلهيّة، بل أيضاً إنسانيّة وطبيعيّة، نجهل طريقة تحقيقها، ومنها الحبل وما يجري في نفس الكائن البشري الذي يُحبَل به.
ويخلص هذا اللاهوتي إلى موضوع الحبل بمريم العذراء والدة الإله، فيقول:
"إذا كانت عذراء الناصرة قد تمّ اختيارها لتكون الممتلئة نعمة، أمةَ الربّ، أمّ ربي، المرأة، حوّاء الجديدة، أمّ الأحياء، فلا بدّ من أن يكون الحبل بها وولادتها من عمل العناية الإلهيّة وتصميم الخلاص. ولقد كانا دون شكّ موضوع نعمة غزيرة انسكبت فيهما. هل جعلت النعمة من مريم كائنًا منفردًا؟ لقد جعلت منها تلك التي كانت ولا تزال ممتلئة نعمة، تلك التي نالت حظوة عند الله، المباركة في النساء (لوقا 1)، لا تتميّز عن سائر النساء إلاّ من خلال أعياد 9 كانون الأوّل ( عيد حبل حنة بوالدة الإله ) و8 أيلول ( عيد ميلاد العذراء ). والتقوى الشعبيّة نسجت كتبًا منحولة. وما سوى ذلك صمت".
لقد كانت هذه العقيدة الحديثة موضوعاً خلافياً بين الفرنسيسكان والدومنيكان انفسهم، وهم كاثوليك، حتى جاء يوحنا سكوت وفض النزاع بطريقة غريبة غير مفهومة اسمها الفداء بالوقاية، كما بيّنا أعلاه. وهذا لا يتوافق مع كلام القديس بولس الذي لم يستثنِ أحداً من نتائج الخطيئة الأصلية والمتمثلة بالموت بقوله " من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع " ( رومية5: 12 ). فلو كانت العذراء خلصت بهذه الطريقة ، لماذا لم تُعمم لتشمل البشرية بأسرها؟
لا تستطيع الكنيسة الأرثوذكسية أن تبني العقائد اعتماداً على رؤىً ( رؤيا عذراء لورد )، فلو صحت رواية رؤيا عذراء لورد على الفتاة برناديت " ذات الإثني عشر عاماً " ، فكيف نبني عقيدة على رواية طفلة؟ ولماذا نجزم بأن جملة السيدة العذراء لم تعنِ " انا التي حبلتُ بلا دنس " أي أنها تقصد حبلها بالمسيح المخلص بأنه بلا دنس؟
ليس لهذه العقيدة الكاثوليكية أي ذكر او إشارة لا في أقوال الآباء وكتاباتهم وتعليمهم ولا في المجامع المسكونية والمكانية، ناهيك عن عدم وجودها أصلاً في نصوص الكتاب المقدس. ناهيك عن أن نعمة الله الخاصة كانت مع الرسل أيضاً ، وها هو بولس يؤكد ذلك " ولكن بنعمة الله أنا ما أنا ، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة ، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم . ولكن لا أنا ، بل نعمة الله التي معي " ( 1 كور15: 10 )، وهو بجهاده يرى أنه فاقهم في الأتعاب، وهنا نرى أن نعمة الله لا تلغي دور الإنسان في الجهاد للخلاص أو للعمل البشاري..
أياً كانت النعمة المعطاة للعذراء فإن الكنيسة الأرثوذكسية لا ترى أن مريم " معصومة " من الخطيئة، لأن الخطيئة بمفهومها هي خطيئة بالفعل أو بالفكر، بمعرفة وبغير معرفة ، ولهذا عندما يتقدم التائب من سر الإعتراف المقدس فإنه ينال غفراناً حتى عن الخطايا التي لا يعلمها كما عن الخطايا التي أغفل ذكرها سهواً. لا توجد عصمة لبشر من الخطيئة ، وحده الرب يسوع، الإله المتجسد كان منزهاً ومعصوماً عن الخطيئة بشهادة الكتاب المقدس بلسان القديس بطرس " الذي لم يفعل خطية ، ولا وجد في فمه مكر " ( 1 بط2: 22)
لهذا كله ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة الغامضة جملة وتفصيلاً، ولا ترى أي مبرر في كونها " عقيدة ملزمة " كما لا ترى ما يشير إلى كونها " موحاةً ". كما ألزمت هذه العقيدة الكنيسة الكاثوليكية بأعباء نتائجها والتزاماتها، والتي هي مآزق لاهوتية لا سند لها كان لهم ان يكونوا في غنىً عنها.
المراجع
- الأب الدكتور اغسطينوس موريس ، عقيدة الحبل بلا دنس، كنيسة الأقباط الكاثوليك
- قداسة المطران كيرلس بسترس ، كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك
- الأب الدكتور جورج عطية، أستاذ العقائد في جامعة البلمند سابقاً، الكنيسةالأرثوذكسية

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات