عينان من الزّمن الجديد!
اسمها ميراندا. التقيتها في قبرص. أُصيبت، بدءاً، من السنة ألفين وأربع، بمرض عطّل فيها العضل والعصب، يُعرف بالإنكليزيّة بـ "Tracheotomy". متزوّجة ولها ولدان وهي، في السنّ، في أواخر الأربعينات الآن. تخلّت عن زوجها لأنّه أصرَّ، في مقابل ملازمتها، أن تكون له صاحبة. لم تشأ أن تشرِّع الزّنى في أعين ولديها. لا تستطيع الكلام. تئنّ وتحرّك شفتيها. لكنّها تخاطب بعينيها. تغمضهما أو تشدّ جفنيها برفق إلى فوق. حتّى التنفّس لا طاقة لها عليه. عندها آلة ترافقها وتعينها. وهي جليسة الكرسي المتحرِّك بالإطارات. خادمتان تعينانها بتواتر. وثالثة تترجم لها ومنها ما يجعلها في تواصل مع العالم الخارجيّ وما يتيح لها أن تعبِّر عن نفسها. وزارة الصّحّة القبرصيّة تتكفّل بنفقاتها.
وضعت كتاباً بعنوان: "كَشْفُ حياة". استعانت في كتابته بحاسوب خاص يترجم حركة الرّأس إلى أحرف. شقَّ الكتاب طريقه إلى الطبع في العام 2007. في المقدّمة عبّرت عن شكرها القلبيّ لأبيها الروحيّ، أثناسيوس، متروبوليت ليماسول. قالت: "إليه يعود الفضل في ما آلت إليه حالي الروحيّة والفكريّة والصحّيّة. فبفضله تعلّمتُ أن أُفكِّر صالحاً وأتكلّم صالحاً وأصنع صلاحاً. علّمني المحبّة المطلقة. علّمني الله الذي هو محبّة!".
ممّا جاء في الكتاب هذا القول الخارق: "تعلّمتُ، من خلال مرضي، أن أجعل كلّ رجائي في الرّبّ الإله، بعدما استنفدت كلّ سعي بشريّ. بالنسبة إليّ – وأقولها بكلّ القوّة في نفسي – هذا المرض برَكَة عظيمة... لست فقط أحيا، ولكنّي، أيضاً، حرّة أكثر من أيّ وقت مضى في حياتي...".
لم تكن ميراندا إلى المسيح بقوّة إيمان غير عاديّة قبل إصابتها. لا بل قيل لنا إنّها كانت عن الإيمان بمقدار.
جالسناها فكانت لنا كشفاً سماويّاً! خاطبتنا بالصّمت البليغ والابتسامة الرقيقة المعبِّرة فصرنا إليها عيوناً مشدودة بالدّمع السّاكن المشوب بالوداد المنبعث من قلوب واجفة! سبحان الذي زرع في ما يشبه النبات البشريّ رجاءً وفرحاً وتصميماً وثباتاً هذا مقداره!
خرس الكلامُ صوتاً وبات داخليّاً. تخاطبنا بالنظرة واللمسة والصلاة. صوت إيليا تردّد: "حيٌّ هو الله الذي أنا واقف أمامه!" بتُّ في خجل من قصوري وقصور البشريّة بإزاء محبّة مَن انبثّ في ثنايا نفس هذه الكتلة البشريّة رجاءً عظيماً!
خرجنا، في السّاعة تلك التي التقيناها، من الإنسان العاديّ إلى الجبابرة، ومن زمن هذا الدّهر إلى زمن الدّهر الآتي.
الغالب على ما خبرناه في الإنسان، إلى الآن، أنّه هو المتكلّم والله السّامع. أمّا هنا فليس لأحد ما يقوله إلاّ السيّد الرّبّ. "ها نحن جميعاً حاضرون أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الله" (أع 10: 33)!
لا يوافق الإنسان أن يكون في الرّاحة كلّ حين، هذا يقتل فيه الحسّ بالحاجة إلى الله. شيء من التّعب يناسبه أكثر. لذا، في كلّ حال، لفّقت العناية الإلهيّة التّعب بالرّاحة والرّاحة بالتّعب ليتسنّى للمرء أن يأتي إلى القائل له: "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم". وإذا تكلّم السيّد على الثقيلي الأحمال فهذا معناه أنّه كلّما ثَقُل الحِمْل على الإنسان كلّما أعطته حاله الفرصة أن يأتي إلى المعلّم. صعبٌ، ظاهريّاً، الحكم في ما إذا كان الحِمْل الخفيف أو الثقيل يناسب هذا أو ذاك من النّاس. وحده علاّم القلوب يعرف يقيناً. لذا بعض النّاس إذا زاد حملهم عن طاقتهم ييأسون. ولا يحمّلهم الله فوق ما يستطيعون إلاّ لأنّهم، في قرارة نفوسهم، مستكبرون. المتّضعون دائماً ما تكون أثقالهم ضمن حدود الطّاقة أو يدعمهم ربّهم بأنعامه. فإذا رأيت إنساناً حِمْله أكبر منه فاعرف أنّ الرّبّ الإله يشاء كسرَه. وهذه، عند ربّك، فرصة اتّضاع. إمّا يتّضع ويخلص أو يبقى مستكبراً إلى المنتهى ويكفر ويموت بكفره. ليس أنّ الله يشاء له أن يكفر بل أن يتّضع، لكنّه يكفر لأنّه يستكبر. وراء كلّ حال قصد.
على أنّ قوماً فيهم بذور الكِبَر ولو لم يظهروا كذلك. هؤلاء، من حيث لا يدرون ولا يدري أحد من حولهم، يسمح الرّبّ الإله بضربة تصيبهم لا يحتملها إنسان، كمثل أيّوب. قصد الرّبّ الإله في مَن هم على هذه الصورة أن يفعمهم من بركاته. هؤلاء يُعَدُّون للشهادة. هؤلاء هم المختارون من فوق بامتياز ليتمجّد الله بهم. هؤلاء هم الأقرب إلى مثال عبد يهوه. البارّ المتألّم صورة لا طاقة لإنسان، بشريّاً، على فهمها ولا، من ثمّ، على قبولها. يسوع المصلوب صليبٌ لفكر الإنسان ولكلّ قيمه الدّهريّة. البارّ المتألّم إنسان سماويّ يحلّ بيننا بنعمة العليّ، إنسان سماويّ أو ملاك أرضيّ. بأمثال هؤلاء تمتدّ سلالة الذّبيح الإلهيّ الرّافع خطيئة العالم. هؤلاء يتخطّى سعيهم وتتخطّى شهادتهم ما لشخصهم ليُمسوا ذوي بُعْد كونيّ في رسالتهم. إنّهم الأنبياء الذين يقولون الكلمة بدمهم ويبثّون النّعمة بأجسادهم. هؤلاء يطلّون علينا أبناء زمن جديد في أيّام عتيقة تتتالى في عيون أبناء هذا الدّهر وكأنّه لا جديد تحت الشّمس. الرّوح القدس وحده، إذ ذاك، يتكلّم ويتردّد، في إثر كلامه، القول: "مَن له أذنان للسمع فليسمع!"
لعمري، ميراندا محطة يتقاطع فيها الزّمن الجديد والعتيق. هذه شهادة وشهيدة لمَن عرف نفسه وقولَ مرنّم المزامير: "غبيّ أنا ولا معرفة عندي". فراغ بشريّ شبه كامل يحتضن ملءً إلهيّاً كبيراً. شدّد الرّبّ الإله عزيمتها وثبّتها إلى المنتهى. هذه صورة الملكوت في ضعف ولا أضعف، إذاً في ملء ولا أملأ. تمجّد الله. بوركت السواعد التي تسند صورة ساعدَي موسى، كليم الله، لتبقيا إلى فوق صلاة في زمن زاد فيه الكلام الخاوي فوق كلّ حدّ وظنّ فيه الإنسان أنّه يحقّق ذاته في عبادة للذّات وهو تراب ورماد!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات