القول الخامس والعشرون
قال أبّا أنطونيوس: "سوف يأتي يوم يجُنّ فيه الناس، وإذا صادفوا إنساناً عاقلاً قاموا عليه قائلين: "أنت مجنون". ذلك لأنه ليس على شاكلتهم.
قول "رؤيوي" أيضاً، إعلان نهائي أخير: "سيأتي زمن يجن فيه الناس وإذا صادفوا إنساناً غير مجنون قالوا عنه أنه قد جّن، لأنه لا يشبههم". من الواضح أن أنطونيوس ينظر إلى وقت "أخير"، إلى مصيبة أو "كارثة" روحية تنقلب فيها القيم رأساً على عقب. ويصير فيها جميع الناس إلى حالة "الضجر" التي اختبرها أنطونيوس بمفرده في القول الأول، إلى ضجر عام في الجهاد الروحي تفقد معه الحياة الروحية قيمتها ومعناها. فلماذا يكون هذا؟
إن كلمة جنون تشير هنا إلى جنون أناس ذوي عقل. يقال اليوم إن مقياس الجنون الأخير مقياس اجتماعي (أي أن الجنون في حد ذاته يصعب معرفته وتحديده تماماً). يمكن تعريف المجنون المقصود هنا بأنه "من يفقد كل ملكاته العقلية ما عدا العقل"، أي أنه مجنون ولكن لا يناقض ذاته. إن الذي يعيش في الإسراف و الأهواء لا يناقض ذاته، بل متى شعر بأنه يناقض ذاته أصبح قابلاً للشفاء. الجنون هنا جنون غريب كما ترون. إلا أنه لا يؤلف غرابة اجتماعية بل بالعكس أمر عادي في رأي المجتمع، بل هو قاعدة العيش في المجتمع. إنه انقلاب هائل للأمور. ومن جهة ثانية فإن هناك أناساً يواجهون ذلك ويختبرونه منذ الآن، ولا يعودون قادرين على معرفة مبدأ سيرتهم الروحية أمام من يقول لهم أنهم قد جنّوا. فتحصل لهم مشادة مع المجتمع. إن جهادهم هذا جهاد غريب، ربما كان أقسى وأكثر تعقيداً من جهاد البرية. ففي البرية كان الجهاد مستقيماً، واضحاً، معترفاً به، أما في وضعنا الحاضر فنهاجم من كل صوب ونوضع موضع التعثير والشك، ولا نعود نعرف أو لا نجد بسهولة طريقنا المباشر إلى الله، بسبب الضغط الاجتماعي المحيط بنا. وقد قال أحد الآباء "إن الرهبان الذين يقاومون اليوم منهج هذا الدهر ويصمدون مقابله سوف يضاهون يوحنا المعمدان وذلك بمجرد صمودهم ودون أن يعملوا أي شيء ذا شأن". أنه "الضجر" يسود من جديد، ولكن لا في البرية. إنه ثبوط الهمم، ولكن لا بسبب قساوة الجهاد، كما كان في البرية، بل بسبب دقته وتعقيده. فينبغي أن نتبيّن سبب هذا الجنون العام أن نعرف أنهم غيرّوا مكان العقل، لا حيث يسود الروح، بل حيث تسود الجماهير والمجتمع والعالم.. أمّا أنطونيوس فيظهر مقابل ذلك فطناً متضعاً: "إذا صادفوا إنساناً غير مجنون، أميناً لسيرته، قالوا أنه قد جنّ". أنطونيوس وحده هنا أيضاً. إنه في عزلة جديدة تتطلب حكمة خاصة. الإنسان يعود ويلقي الجهاد، ولكن في ظروف أقسى جداً وأكثر تعقيداً كما قلنا.
ويبرز هنا موضوع "ما هو الشيطان بالنسبة لراهب اليوم؟" ماذا نحارب؟ إن قوات الخير معروفة وهي كل ما ينتمي للمسيح. أما قوات الشر فما هي؟ ما هي طبيعتها أولاً؟ هناك جواب أول لهذا السؤال على صعيد الواقع الظاهر (الفينومينولوجي): الشر هو ميولنا الطبيعية الشريرة. ونحن على هذا الصعيد نضع الخير مقابل الشر بمثابة قوة مقابل قوة أخرى: ميل خيّر مقابل خير شرير. فإذا كنت مثلاً لا تريد أن تحترق من العفة فاذهب وتزوّج وليكن لك وضع اجتماعي فتستقر. ولكن ليس الأمر هكذا فقط، لا ينبغي أن نقف عند هذا. فالحقيقة أنه كان جهاد آخر موضوعاً أمامي فأحجمت عن خوضه ولذا توصّلت إلى تلك النتيجة. فالوجه الآخر هو إذاً أني بوصفي راهباً أخوض جهاداً آخر أختاره أنا طوعاً، وعلى مستوى هذا الاختيار تأتي الصعوبات. ما هو الجهاد الآخر؟ إنهم يصوّرونه تقليدياً كحرب بين الخير والشر، بين الله والشيطان. ذلك من باب التصوير القريب السهل، والتعبير النفساني، لا كتحديد نهائي ومطلق وعقائدي. فيجب أن تكون رؤيتنا للأمر رؤية فطنة مرنة، رؤية تستوحي خبرتنا الروحية وعيشنا لسرّ الله. نحن، كملتزمي الجهاد الروحي، مقيمون في قلب المشكلة حيث يبدأ كل شيء. ولذا فليسمح لنا بالتكلم عن الشيطان لا كعقيدة شعبية (والتصوّرات الشعبية كثيرة)، بل من قبيل الكشف والإعلان عن عالم الله. في هذا الإعلان واقع معيّن أو "كائن" اسمه الشيطان، إبليس، "الخصم". المسيح نفسه أعلن لنا واقع الشيطان في حياته على الأرض، وقد ورد ذكره في الكتاب المقدس كمجرّب للناس ("الحيّة" في سفر التكوين) أو كمشتكٍ عليهم، ولكنه يبقى غير محدد وغير واضح المعالم تماماً. المسيح وحده يلاقيه وجهاً لوجه بعد مضيه أربعين يوماً من البرية، وذلك لا كمساو ٍله بل كأمر واقع يجب أن يكشفه. إنه "إبليس"، "القتاّل للناس" المبغض لجنس البشر. وهذا لا على الصعيد العاطفي، بل كنكران مطلق جذري لله ولكل ما هو من الله وما ينقل الله. فبما أن صورة الله موجودة في الناس فإبليس هو قتاّل للناس. ولكن الأمر يبقى أيضاً سرّياً (على صعيد ميستيكي). وقد جابهه المسيح وحده على هذا المستوى إذ يبدو أن إبليس هو أيضاً "ملاك ساقط"، ولكنه ملاك. وكملاك يشتكي على الأخوة (رؤ 12 : 10) مبرزاً ذنوبهم. ذلك لأن الخطيئة ليست سوى انحراف لحريتي. إلا أن الشر كان حاضراً قبل انحراف حرية الإنسان في الفردوس. وقد ظهر في دور المجرب، الذي يبتغي إسقاط الإنسان. ولكن المسيح قد جاء ليعيد للطبيعة الإنسانية الساقطة ملئها، قوتها ونورها، واستيعابها لله، أي ليصيّرها حرة من الشر، وقادرة على قهر التجربة صنع إبليس. إذاً عمل المسيح يناقض عمل إبليس. وهو يغلب إبليس أولاً في طبيعته البشرية. لقد تحررت طبيعتنا بالمسيح وهي الآن قادرة على الجهاد الروحي (أنظر عبر 6). إن حرية الإنسان أصبحت قادرة على الغلبة وأصبح الإنسان قادراً على تبني طبيعته وتغييرها. الإنسان أكثر من الإنسان: لأن المسيح قد جاء وإلا لكان قد بقي أقلّ من الإنسان بكثير. ولكننا لا نزال في الطريق، في حالة من القباحة (لا كلياً)، غير أن مبادئ القيامة قائمة فينا. نحن في المسيح، ولكن يجب أن نتبنى كوننا في المسيح بحريتنا. أن "ندخل" خلاص المسيح ونحن سائرون "إلى الوراء" كما يقول كبازيلاس، أي بدءاً من النهاية، أن ندخل مباشرة في القيامة فنطرد منّا آثار الموت، وذلك لا بصورة آلية بل بالتبني والكفاح.
وهنا في مجال هذا النضال يطرأ في نظرتنا إلى الشيطان، فنفهم أن لكل منّا خصماً، على قياسه، وطبق طاقته. وقد رأينا الآباء يقولون أن ليس كل حرب من الشيطان،إلا أنه في البدء كان الشيطان سائداً في كل مكان تقريباً. ثم جاء أنطونيوس وغيره من الرهبان فقاوموه واحتلوا شيئاً فشيئاً مملكته. ولذا لم يعد الشيطان مباشرة علة تجاربنا وضعفنا، بل طبيعتنا، بل حريتنا. الشيطان بعد المسيح عاجز أصلاً. وعجز الشيطان هذا كان القاعدة عند جميع من حاربوه وقهروه. هو من ذاته عاجز. هو الخصم المغلوب. ولكن لكي نستطيع أن نقول هذا حقاً ينبغي أن نكون قد جابهناه ونازلناه، واختبرنا قوة المسيح بإزائه. هذا ومن جهة ثانية فإن الشيطان اليوم لا يحتاج إلى الظهور بأشكال منظورة، كما كان يظهر لأبطال البرية. ولكنه مع ذلك لا يزال يعمل. لم ينته من العمل ولن ينتهي. بل، وهو "الكثير الحيّل"، جعل الجهاد أدقّ بكثير. هو لا يعود يهاجم الجسد (بالضرب وغيره) أو حتى النفس (بالتجارب النفسانية) بل يهاجم الروح مباشرة، الأعماق (لأننا نعرّض أنفسنا لذلك). ولذا كان الجهاد اليوم قاسياً كالقساوة الأولى بل أقسى. إن ظفر الشيطان الكبير علينا هو أن يجعلنا نعتقد بعدم وجوده. لسان حاله: "أنا لا أحد". فيهاجم خلسة ضوء الضمير عينه فينا ليخمده، وينقض حتى الإيمان والله ومعنى الكون كخليقة الله. كل ذلك تثبيتاً لمملكته لأنه "رئيس هذا العالم". يهاجم قداسة الله وسموه. يفصل بينه وبين الإنسان من جديد، هو الذي يفصل ويفرّق ويقسم. يفتعل ازدواج ضمير الناس ووجدانهم. في كتاب "المجانين" لدوستويفسكي يقول أحدهم: "إني أؤمن بالملائكة وبكذا وكذا. أما بالله فأومن نصف إيمان". إنه جهاد هائل أمامنا، لأنه بلبال هائل. كل ذلك لأننا نزدوج. ليس لنا "كلية" الإيمان واستقامته وقوته. نرى الشيطان حيث لا يعود يظهر ( كما في التجارب التقليدية مثل الطعام والنوم والنساء ...) ولا نراه حيث هو فعلاً. هو هنا يستمر في إبعادنا عن الله ولكنه وكأنه ليس هنا. هذا ولن نستطيع إن نتبيّنه ونغلبه إلا بمعرفة ذواتنا في العمق معرفة دقيقة. هذا ما عمله الآباء وهذا ما يستعيده اليوم علم النفس. وقد قال اسحق السرياني: أن تعاين ذاتك أفضل من أن تعاين الملائكة.
من كتاب "أنطونيوس الكبير"
أثناسيوس الكبير/ رهبنة دير مارجرجس الحرف
منشورات النور 1995

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات