لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة ليضيء لجميع من في البيت
بقلم: رامون زامبيلي (ترجمة: المطران ملاتيوس صويتي)
إذا كنت في مركز عال، فعليك أن تشيع النور، ليس بإمكانك أن تعمل لراحتك ورضاك فقط، أي أن تحيا الحياة التي ترضيك فحسب، بل الحياة التي يفرضها عليك مقامك السامي. ولا يمكنك –والحالة هذه- أن تخفي ذاتك. "لا يمكن أن تخفي مدينة قائمة على جبل"(متى5: 15). الناس ينظرون اليك، يراقبونك، يفحصونك ويشرحونك، وكلما ارتفعت الى فوق تعرضت لنظرات الآخرين. وبقدْر تصاعد شخصيتك يزداد صيتك وتمتد شهرتك وتصبح حياتك عامة أكثر منها خاصة... فلا تشكُ أو تتذمر إذا رأيت الناس يسجلون عليك خطواتك ويعملون على تبيان أخطائك ومواطن الضعف فيك.
واذا كان الناس يتطلبون الكثير من صاحب المقام العالي ولا يتساهلون في مناقشة الحساب، فهم على حق. ذلك، لأن الذي يعرف كثيرا ويملك كثيرًا وبيده الكثير من السلطة والقوة، هو الأكثر مسؤولية، فإذا وصلت الى مقام رفيع فإن آفاقك أوسع من سواك ولهذا فالناس ينتظرون منك المعونة، وإذا علا قَدْرك بينهم فانهم ينتظرون منك المثل الصالح.
إنه يصعب عليك التعلل والاعتذار، ولا يمكن أن تجد لك مهربًا ولا استثناء... وما دمت في المقام العالي فيجب عليك أن تقدم خدماتك للجميع كقائد وهاد ودليل. وإذا كنت ترغب في أن تقود أو تهدي أو تدل فانزل من مقامك ودع المكان لآخر. لأنه ليس بإمكانك أن تشغل مركزًا وتقصّر في القيام بواجباته ومتطلباته. لا شك أنك آعتليت هذا المقام بمساعدة سواك، ولذلك يجب عليك أن تردّ هنا الجميل بمساعدتك الآخرين على تحسين حالهم. لا شك أن بعضهم كانوا معك كرماء وأسخياء، فيجب عليك ألاَّ تكون بخيلاً، ومقترًا مع الآخرين.
يشعل السراج ليشع نوره على من حوله. وأنت لم تُعطَ لك الحياة لتهدرها بلا فائدة، بل لإمداد الآخرين بها. ولم يُعطَ لكي تجول في الكلام وتستطرد في الخطابات، ولا الثقافة لكي تخدع بها نفسك، ولا السلطة لتجلب لذاتك الرفاهية والرخاء. وإنما وهبت لك هذه الأشياء كلها، لكي تضيء بنورك للآخرين، وتدافع بسلطتك عن الضعفاء، وتساعد بثروتك الفقراء رادًا عنهم غائلة الجوع، وتعمل على بناء الآخرين بحياتك. ليست الحاجة الى الكلام، بل الى البناء. ليس في خطاب من البلاغة والروعة والفائدة في الاقناع والبناء ما في المثل الحي. قد يدعو الكلام الى التفكير أما المثل الحي والقدوة العملية فيلزمان بالعمل. الكلام يوحي بالاعمال، أما الأعمال فهي التي تعمل التاريخ. ولهذا كله، فعليك أن تكون ما تريد أن يكون المجتمع.
ليس من عمل إنساني بلا تأثير على المجتمع، سواء أكان هذا التأثير صالحًا أم طالحًا، وكل خطوة تخطوها تقربك مما يأتب بعدها، فاما ارتفاع الى فوق واما سقوط الى أسفل. وبقدر ما تكوت قويًا سيكون دفعك أجدى لعجلة السير...
من المسلَّم به ان هناك عدوى جسدية، وهناك أيضًا معنوية أو خلقية. ولكل شخص قريب منك، أو يجاورك، نصيب من عدواك. انك تنفث فيه –شئت أم أبيت- برعمًا من الخير أو الشر، وكل خطيئة فردية هي خطيئة اجتماعية، وهي خطوة الى الوراء وتأخير للبشرية كلها... والتاريخ نفسه يعلّمنا أن الشعوب تسير على الطريق التي يخطّها لهم بعض القادة والزعماء، ولو بعد عشرات السنين... (الناس على دين ملوكهم)...
من عادة الصغار أن يقلدوا الكبار، منذ الطفولة حتى الشيخوخة، ذلك أن الاحترام يحمل على الإعجاب والإعجاب يفرض التقليد، وعلى هذا فعليك أن تعلم أنك إذا برّزت على سواك من الناس العاديين، فلا تنسَ أن الناس سينظرون اليك ويسعون الى تقليدك، في حال انحرافك عن جادة الصواب.
وكيف تريد ألاّ يتذمر الناس منك ويهجروك، إذا كنت عوض الإشعاع لهم ترمي في الطريق الدخان، وبدل أن يفوح منك عبير الخير وعطر البناء، تفوح منك وحولك الروائح النتنة؟ وإذا كان السراج لا يعطي نورًا فما الفائدة منه؟ وإذا كان لا نفع منه يرتجى، فجوده يضايق وربما يخنق، ولهذا فالناس يهربون منه.
وإذا كان السراج يدخن، ولا يضيء بوشوح، تقلّ قيمته، وإذا فقد زيت السراج يُلقى به خارجًا أو جانبًا، وإذا ذبلت الزهرة تُلقى في صندوق الأوساخ والقاذورات، وإذا ما انقلب القلم ذاته الى خرقة بالية، أستُعملت للتنظيف ثم أُلقي به بعيدًا...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات