الزواج المختلط بين مختلفي الدين والمذهب والجنسية

في المركز الكاثوليكي للإعلام 16 فبراير 2010
بيروت، الثلاثاء 16 فبراير 2010 (Zenit.org). – ندوة صحفية عقدت اليوم ظهراً في المركز الكاثوليكي للإعلام بدعوة من اللجنة الاسقفية لوسائل الإعلام، تحت عنوان: "الزواج المختلط بين مختلفي الدين والمذهب والجنسية"، شارك فيها: الاستاذة الجامعية في جامعة القديس يوسف - كلية الحقوق والعلوم السياسية، البروفسور ندى شاوول، والاستاذ المحاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة القديس يوسف – بيروت ومعهد الحكمة العالي للحق القانوني، البروفسور ابراهيم طرابلسي، رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الإعلام، المطران بشارة الراعي و النائب البطريركي العام على منطقة جونيه ورئيس اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة في لبنان، المطران انطوان نبيل العنداري، بحضور الخوري عبده أبو كسم، مدير المركز الكاثوليكي للإعلام ، الاب يوسف مونس، أمين سرّ اللجنة الاسققية لوسائل الإعلا، الأب سامي بو شلهوب، المسؤول عن فرع السمعي والبصري في المركز وعدد كبير من الإعلاميين والمهتمين.

بداية رحب الخوري عبده ابو كسم بالحضور وقال :
يرتكز موضوع ندوتنا اليوم حول الزواج المختلط بين مختلفي الدين والمذهب والجنسيّة، وهو موضوع دقيق وشائكٌ بعض الشيء، وهو بالإضافة إلى ذلك أمرّ طبيعي في بلدٍ متعدّد الطوائف كلبنان.
وإذا كان مؤتمر الزيجات المختلطة الذي نظمته اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة الأسبوع الفائت قد حدّد مفهوم الزواج المختلط بأنه الزواج الذي يجمع بين زوجين مختلفين في الجنسيّة أو الدين أو الطائفة، فمن الواجب أيضاً النظر والبحث عن الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى عقد مثل هذه الزيجات.
هل من هذه الأسباب الحب الذي يجمع بين حبيبين من دين مختلف؟ أم منها ما هو هروبٌ يقوم به أحد الشريكين من زواج أول لعقد زواج ثانٍ من شريك ينتمي إلى دين مختلف عن دينه وبذلك يضمن وبرأي صاحبه التفلّت من التزامات يفرضها الزواج الأول؟
ومن هي المراجع الدينيّة الصالحة للبت في قانونيّة عقد مثل هذه الزيجات في ظل قانون للأحوال الشخصية يتمايز به لبنان عن سواه من الدول بفضل تعدّد طوائفه.
سوف تكون هذه الندوة غنية في مضمونها بفضل مشاركة اصحاب السيادة، والزملاء الملافنة في علم القانون، وما يزينها اليوم حضور طلاب اعزاء من كلية القانون الكنسي في جامعة الحكمة نقدر لهم مشاركتهم معنا، وإني إذ اتمنى أن تفتح هذه الندوة الآفاق حول أفكار جديدة وحلول راعوية لمثل هذه الزيجات. لا يسعني إلاّ أن أرحب بكم جميعاً باسم صاحب السيادة المطران بشارة الراعي، رئيس اللجنة، متمنياً أن تضيء مداخلات اليوم على هذا الموضوع بكل جوانبه. وأهلا وسهلاً بكم.

ثم القت كلمة البروفسور ندى شاوول فقالت:
عندما شرّفني سيادة المطران بشارة الراعي بدعوتي لطرج إشكالية الزواج المختلط بين مختلفي الدين والمذهب والجنسية تذكّرت، طرفةً صغيرة كانت تحكيها لي والدتي عندما كانت تتابع دراستها في مدرسة راهبات العائلة المقدّسة الفرنسيات في آواخر ثلاثينات القرن الماضي والقصة تقول: أنّه في يوم من الايام طلبت ريّسية المدرسة، وقد بدا الاضطراب على ملامحها، من التلميذات الصلاة من أجل أحدى التلميذات وتدعى ماغي لأنها مأساوية ويجب الصلاة من أجلها. واعتقدت التلميذات في بادئ الأمر أن ماغي مريضة لكن الريسة نفت ذلك ولكنها بقيت تردّد يا مسكينة يا ماغي "وانتاب الخوف التلميذات واعتقدت أنّ ماغي قد توفيت غير أن الراهبة نفت ذلك مع أنها كانت تؤكّد أنّ ما حصل مع ماغي هو أسوأ من المرض والموت وهي تبكي ونتتحب على مصير ماغي. وعندما سُئلت بإلحاح عن حقيقة وضع ماغي، قالت : "صلوا يا احبائي من أجل المسيكينة ماغي فإنها قد تزّوجت ارثوذكسياً.
وإننا غذ نشكر الله على كون الزواج المختلط بين مُختلفي المذهب داخل الطوائف المسيحيّة لم يعد يُثير مثل هذه الردود الفعل وعلى التطوّر الذي حصل على صعيد الإنفتاح على الآخر والتركيز على الأسس المشتركة بين مختلف المذاهب المسيحيّة، لا يمكننا سوى ان نعترف بانّ الزواج المختلط خاصة بين مختلفي الدين والجنسية لا يزال مصدر إشكاليات وتباينات داخل الثنائي الزوجي والعائلة بالمعنى المصغر والموسع والمجتمع والوطن.
بالمبدأ إنّ مفهوم الزواج المختلط mariage mixte يتنافى مع شرعة حقوق الإنسان ومبدأ المساواة بين البشر الذي تكرسُه هذه الشرعة بحيث لا يجوز التفريق بين إنسان وآخر على اساس العرق او الدين أو الجنسية، في حيث أن مفهوم الزواج المختلط هو مبني على الإقرار بوجود فرق بين الزوجين من حيث الدين أو المذهب أو الجنسية
هذا من الناحية القانونية المحضة. أما من الناحية الإجتماعية والعملية، فالأمور مختلفة. أمام المشاكل التي تنتج غالباً عن الزيجات المختلطة أو على الأقل امام المشاكل التي يترّقب أو يتوقع الفرقاء حصولها، تختلف ردود الفعل ومنهم من يعتبر أن الصعوبات جمّة وأن التباين في العادات والتقاليد والثقافة كبير بحيث يجب رفض هذه الزيجات والابتعاد عنها قدر المستطاع وإرشاد الأزواج بتجنبها لأنها محكومة حتماً بالفشل وبالتالي ولهدف تفادي أن تكون حياة الزوجين وأولادهما تعيسة، من المستحسن الابتعاد عن الزيجات المختلطة. وتكثر في هذا الإيطار الأقاويل الشعبية والأمثلة التي تؤكد ذلك "ما هو حلالك إلاّ أولاد ملتك" كل شيء وإلا وله شئ" الخ وابعد عن الشر وغني له» الخ...
أمّا النمط الثاني فهو الذي يعتبر إننا جميعاً أولاد الله وأنّ لا فرق بين إنسان وآخر فكلنا أخوة ومتساون وعلى كل حال إن المشاكل التي قد تحصل هي مصطنعة تختلقها السلطات في الدولة والسلطات الدينية للسيطرة على رعاياها إلخ...
... هناك فريق ثالث يهرب من المشكلة أو بالآحرى إنه يعتقد أنّه يهرب من المشكلة وذلك بعقد الزواج المختلط خارج لبنان تحت حكم قانون آخر مدني يرعى حقوق وواجبات كل من الزوجين وغالباً ما يتبع الزواج المعقود في الخارج إقامة في الخارج وتربية الأولاد وفقاً لأنماط وقيم مدنية توّفر المساواة الرجل والمرأة وتؤمن حقوقهم بالكامل.
إن نفي إشكاليات الزواج المختلط أو الهروب منها إلى نظام قانوني آخر كما واعتبارها عائقاً محكماً أمام الإقدام على الزواج هي كلها ردود فعل غير مجدية وغير ناضجة. فمن الأفضل طرح الإشكالية بواقعية ومعرفة عوائقها وأبعادها لأنّ الإنسان هو عدو ما يجهل وإنّ معرفة الآخر والتباينات الموجودة بين مختلق الأديان والجنسيات هي الباب للقبول به والبناء على العناصر المشتركة بهدف تخطي الصعوبات وإنجاح المشروع الأسري.
إن طرح إشكالية الزيجات المختلطة لا يمكن مقاربته سوى من خلال عنصر تضارب القيم المرجعية valeurs références بين الإديان المختلفة والجنسيات المختلفة وبدرجة أقل بكثير بين المذاهب المختلفة.
متى يظهر هذا التباين ؟
إن الزواج، خاصة الزواج المختلط هو مبني مبدئياً على علاقة الحب التي تنشا بين الزوجين وعلاقة الحب هذه التي توحّد الثنائي تعزله في المرحلة الأولى عن مجتمعه بحيث لا يرى الواحد سوى الآخر فتتلاشى البيئة والمجتمع وتتضاءل أهميتها غير انّه سرعان ما يعود المحيط ويأخذ مكانته بالذات عندما تبدأ الحياة الزوجية الحقيقية ويواجه الحب والعلاقة الغرامية الواقع والعقبات ففي هذه المرحلة يظهر التضارب في القيم المرجعية.
يتبع