* الاجتهاد فيما يعود للصلاحية:
نشير إلى بعض القرارات الصادرة عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز المؤيدة عدم صلاحية القضاء المدني للنظر في خلاف ناتج عن زواج مختلط بين لبناني وأجنبية عقد في لبنان.
- أكّدت الهيئة العامة لمحكمة التمييز القرار رقم 19/74 على أنه في حال عقد زواج ديني في لبنان بين لبناني وأجنبية، ثم اكتسبت هذه الأخيرة الجنسية اللبنانية بعد زواجها وقبل إقامة الدعوى، فلا مجال للقول بصلاحية المحاكم المدنية ويكون المرجع الذي عقد الزواج لديه هو الصالح للنظر بصحة الزواج أو بطلانه أو انحلال روابطه.
"بتاريخ الدعوى لم يعد إذن من حالة توجب الاستثناء من اختصاص المحكمة الروحية الصالحة وفقا للمبدأ العام طالما أن الزواج عقد لديها وطالما أن طلب بطلانه عالق بين زوجين لبنانيين.
وبما أن الفقرة 2 من المادة 19 لقانون 2/4/1951 إذا كانت تنص على أن تغيير الجنسية بعد عقد الزواج لا يؤثر على تطبيق أحكام القانون المذكور وإنما ذلك لمنع المتداعيين من التهرب من أحكامه. أما تغيير الجنسية المؤدي إلى تأييد أحكامه كما هي الحال في اكتساب الزوجة للجنسية اللبنانية "فهو لا يدخل أدنى تعديل على تطبيق الأصول والقواعد المبنية في هذا القانون أي في قانون 2/4/1951 ، إنما هو خروج عن الحالة المستثناة من أحكامه هذه للعودة إلى سيادة المبدأ العام، الذي ينص عنه قانون 2 نيسان 1951" .
- جاء أيضا في القرار رقم 6 الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز تاريخ 18/3/1971: حالة زواج لبناني أرثوذكسي، تزوج من بلجيكية زواجا أرثوذكسيا في بيروت.
اكتسبت الزوجة الجنسية اللبنانية بعد الزواج، فإذا أجيز للزوجة أن تحتفظ بجنسيتها الأصلية، بالإضافة إلى جنسيتها اللبنانية، يبقى التفضيل بين الجنسيتين هو للجنسية اللبنانية، حفاظا على سيادة القانون اللبناني، وللمحكمة الأرثوذكسية صلاحية الحكم بفسخ الزواج.
- جاء أيضا في قرار صادر بتاريخ 18/3/1971 في حالة الزواج الحاصل بين لبناني ويونانية في اليونان بعقد أول أرثوذكسي وثاني كاثوليكي، اعتبر أن القانون اليوناني هو قانون مدني، ولا بد من عقد زواج مدني بعد الزواج الديني، وحيث إن عقد الزواج لم يحصل في لبنان، وإن كان دينيا، والمحاكم المدنية اليونانية تنظر في الخلافات الناشئة عن القانون المذكور. وحيث إن شروط المادة الأولى من القرار 109/1935 متوافرة، لأن أحد الزوجين أجنبي، لذلك تكون المحاكم المدنية اللبنانية صالحة لدعوى الطلاق.
أما إذا اكتسبت الزوجة الأجنبية الجنسية اللبنانية، بالإضافة إلى جنسيتها الأصلية، فيبقى التفضيل بين الجنسيتين للجنسية اللبنانية، حفاظا على سيادة القانون اللبناني، وتصبح المحكمة الدينية اللبنانية هي الصالحة للحكم بالطلاق.
* اجتهاد غير مستقر فيما يعود للصلاحية:
ورد في القرار رقم 3 الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز بتاريخ 7/3/1985 أن المحاكم المدنية تبقى صالحة للنظر بالخلاف الناشئ بين زوجين إذا كان أحدهما أجنبيا ، وإن كان عقد الزواج قد حصل أمام سلطة دينية ، وذلك وفقا للمادة الأولى من القرار رقم 109 ل.ر .
وقد اتخذ هذا القرار بالأكثرية وأيّد القاضي المخالف النظرية القائلة بأن القرار 109 ل.ر لم يعد يطبق في لبنان على المسيحيين منذ قانون 2/4/1951 وعلى المحمديين منذ صدور قانون تنظيم المحاكم الشرعية في 16 تموز 1962، فضلا عن أن تطبيق القانون الأجنبي يتنافى مع مبدأ السيادة الوطنية، لأن لكل لبناني الحق بأن يحاكم في لبنان وفقا للقانون اللبناني.
ثم كلمة للمطران الراعي تحت عنوان: الاتفاق الراعوي بين الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والانجيلية في لبنان:
ا. الموجبات
أدرك رؤساء الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والانجيلية في لبنان خطورة ممارسة تغيير المذهب من اجل الحصول على الاطلاق، باستغلال حرية المعتقد التي يقرّها الدستور اللبناني.
المشكلة هي ان ازواجاً كاثوليك يبدّلون مذهبهم الكاثوليكي الى مذهب غير كاثوليكي فقط من اجل الحصول على الطلاق، إما لانهم لم يتمكنوا من الحصول على بطلان الزواج في كنيستهم الكاثوليكية، وإما، وهذا غالباً ما يحصل، لان الحصول على الطلاق أضمن وأسهل وبالشكل الاسرع، من دون محكمة تحقق وتستجوب وتطلب شهوداً وتبادل لوائح، ولو كانت الكلفة باهظة.
ان مثل هذه الممارسة تشوّه حرية المعتقد وتستغلّها. فحرية المعتقد تعني الحق والواجب لكل شخص بشري، بحكم ما ينعم به من عقل سليم وارادة حرّة ومسؤولية شخصية، ان يبحث عن الحقيقة، وفي طليعتها تلك المتعلقة بالشأن الديني، مستعملاً الوسائل الملائمة، ليكوّن لنفسه حكماً ضميرياً مستقيماً وحقاً، وفقاً لفطنته، ويُلزمه بالخضوع لهذه الحقيقة عندما يعرفها، وبتنظيم حياته كلها وفقاً لمقتضياتها. ان تغيير المذهب او الدين عن قناعة وايمان بحقائق ومعتقدات هذا المذهب او الدين، مع الالتزام بعيش مقتضياته، يحترم حرية المعتقد. اما ان يكون التغيير من اجل الاستفادة من تسهيلات هذا المذهب او الدين، مثل الحصول على الطلاق، فذلك انتهاك لكرامة كلً من المذهب الكاثوليكي الاصيل والمذهب غير الكاثوليكي او الدين المعتنق، فضلاً عن انه يحطّ من قدسية الزواج، ويستهتر بالايمان والمعتقدات، ويفكك عائلات كاثوليكية قائمة في الاساس على رباط دائم لا ينفصم بموجب الشرع الالهي، ويخلّف آثاراً سلبيةً على الاولاد على المستوى الروحي والنفسي والاجتماعي.
وهناك ايضاً اشكالية قانونية تستفيد منها الكنائس غير الكاثوليكية التي تستقبل ازواجاً كاثوليك وتغيّر مذهبهم وتعطيهم حكم الطلاق. الاشكالية هي ان القرار 60 ل.ر. الصادر عن المفوّض السامي الفرنسي في 13/3/1936 في مادته 23 البند2 ينص: " اذا ترك الزوجان طائفتهما، يكون زواجهما والصكوك والموجبات المتعلقة بالاحوال الشخصية تابعة لقانون نظامهما الجديد".
لكن قانون 2 نيسان 1951 الصادر عن رئيس الجمهورية اللبنانية يعتبر في المادة 14 ان "السلطة المذهبية الصالحة للحكم في عقد الزواج ونتائجه انما هي السلطة التي عُقد لديها الزواج". ونص في المادة 35 على ان " يُلغى كل نص مخالف لاحكامه او غير متفق مع مضمونه".
من المؤسف ان الممارسة القضائية ما زالت تطبق القرار 60 ل.ر. تاريخ 13/3/1936 لا قانون 2 نيسان 1951. وهذا ما نشكو منه نحن الكاثوليك.
اما في الواقع فان ثلاث طوائف غير كاثوليكية لا تسمح بقبول ازواج كاثوليك يغيّرون مذهبهم الكاثوليكي لديها من اجل الحصول على الطلاق وهي: كنيسة الروم الارثوذكس، وكنيسة الارمن الارثوذكس، والكنيسة الانجيلية. فبقيت المشكلة عالقة مع كنيسة السريان الارثوذكس والكنيسة الاشورية.
في ضوء الادراك لهذه الخطورة، تدارس هذه المشكلة مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك في مؤتمره السادس عشر المنعقد ما بين 16 و20 تشرين الاول/ اكتوبر 2006 في مقر البطريركية الارمنية الكاثوليكية في دير بزمار. وانشأ " لجنة مشتركة لمتابعة قضايا ابدال المذهب او الطائفة للحصول على الطلاق" تمثلت فيها كل من الكنائس التالية: المارونية والملكية الكاثوليكية واللاتينية من جانب الكنيسة الكاثوليكية؛ والروم الارثوذكسية والارمنية الارثوذكسية والسريانية الارثوذكسية والاشورية والانجيلية.
بعد عدة اجتماعات ودراسات ومناقشات، توصلّت اللجنة الى اقرار " اتفاق راعوي بين الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والانجيلية في لبنان"، اقرّه بطاركة الشرق الكاثوليك وممثّلو الكنائس البطريركية للروم الارثوذكس والارمن الارثوذكس والسريان الارثوذكس والاشوريين والكنيسة الانجيلية في الاجتماع المسكوني الذي عقدوه في بكركي بتاريخ 26 تشرين الثاني 2008 .
يتبع