"إنّ حياتنا مليئة بالاضطراب والقلق، الجميع يقلقون ويتضايقون ويشتكون، الأغنياء والفقراء، الحكّام والمواطنون العاديّون، لكنّ الاضطراب والقلق لا يأتيان من الأمور الخارجيّة ومن ظروف الحياة بقدر ما ينتجان عن اضطرابنا ومرضنا الروحيَّين. فكما أنّ العين المريضة ترى ظلمةً حتّى في وضح النّهار، هكذا أيضًا النّفس المريضة تشعر بالاضطراب حتّى في السّلام. إن عَهِدنا بكلّ مشاكلنا إلى الله، وإن آمنّا بأنّنا لا نملك شيئًا، وإن لم نبالِ بمجد الناس وسعينا إلى إرضاء الربّ فقط، حينئذٍ سنكون بسلام حتّى في عاصفة الحياة الرّهيبة". هذا الكلام قاله القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم منذ قرونٍ مضت، لكنّ مرض التذمّر والتشكّي لا يزال مستشريًا وسيستمرّ هكذا ما لم يقترب النّاس حقًّا من الربّ وما لم يعرفوا أنّه لن يتركهم لا في ضيق ولا في فرح.
" لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطّعام والجسد أفضل من اللباس؟ أنظروا إلى طيور السّماء إنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السّماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحريّ أفضل منها..." (متى 6: 24-34). هذا كلام الربّ، والتّلميذ الحقّ يثق بكلام معلّمه، فكم بالحريّ إذا كان المعلّم هو اللّه نفسه؟! لقد اهتمّ الربّ بالجميع عندما كان معهم، وحتّى حينما انفصل عنهم بالجسد لم يتركهم يتامى إنّما أرسل لهم معزّيًا آخر، أي الرّوح القدس (يوحنا 14: 15-18)، وذلك ليظهر لنا مزيدًا من المحبّة وليجعلنا نثق أكثر بأنّه لم ولن يتركنا، إلاّ أنّنا كبشر ننسى دائمًا ونبحث عن طمأنينة حسيّة حتّى لو لم تكن ضمن الطّريق إلى الله، وهذا ما حصل مع الشّعب الإسرائيلي الّذي لم ينتظر رجوع موسى ومعه الوصايا الإلهيّة فسئموا من الانتظار وجعلوا لهم عجلاً ذهبيًّا ليعبدوه (خروج 32: 1-6). كم من مرّةٍ نقوم نحن بمثل عمل بني إسرائيل، إذ ننسى الله ونتبع أمورًا أُخرى متذمّرين من أنّ الربّ لا يستمع إلينا فنذهب لنجرّب طرقًا ثانية؟!
إنّ التذمّر يدلّ على ضعف في الإيمان والثّقة بالله، لأنّ المؤمن الحقّ يسبّح الله دائمًا ويشكره على عطاياه الغزيرة. الإنسان ينسى ما لديه وما أعطي له من النِّعَم ويتذكّر ما ليس عنده حتّى وإن كان هذا الشّيء من أسخف الأمور. نحن نريد الله أن يكون ساعيًا للبريد، يوصل إلينا كلّ ما نطلبه، لكنّ الله ليس كذلك، إنّه أبٌ، والأب تهمّه مصلحة أبنائه، فإذا كان ما يُطلب منه غير مفيد لأبنائه فإنّه لا يعطيه لهم. الله يهب دائمًا العطايا الصّالحة، "أيّ إنسان يطلب منه ابنُه خبزًا فيعطيه حجرًا؟ أو سمكة فيعطيه حيّة؟ فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة، فكم بالأحرى جدًّا يعطي أبوكم السّماوي عطايا جيّدة للّذين يطلبون منه؟" (متّى 7: 9-11)، لذلك علينا أن نثق به وألاّ ننتظر ونحصي الدّقائق والسّاعات الّتي تسبق حصولنا على طلبنا لأنّنا لن نناله إذا لم يكن يوافقنا. في عرس قانا الجليل طلبت العذراء من ابنها الربّ أن يفعل شيئًا من ناحية الخمر الّذي فرغ، لكنّه انتظر الوقت المناسب لكي يقوم بتلبية الطّلب، وقد جاء الاستجابة أفضل بكثير من الطّلب نفسه إذ كان الماء المتحوّل خمرًا أفضل من الّتي فرغت.
هكذا يعمل الربّ، فهو يجعلنا ننتظر ربّما لنتأكّد نحن من شدّة احتياجنا للأمر الّذي نطلبه، لأنّنا في الكثير من الأحيان نطلب أمورًا ننسى حتّى أننا طلبناها بعد فترة وجيزة من الوقت، لكن يجب دومًا أن نثق بأنّ الله لا يخذلنا وهو القائل: "إسألوا تُعطَوا، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتح لكم" (متّى 7:7).
إذًا، في النّهاية، بدلاً من أن نُتعب أنفسنا وألسنتنا والآخرين ممّن حولنا بتذمّرنا، لماذا لا نُريحهم بالصّلاة والشّكر على ما لدينا، وهكذا نُصبِح أدوات للتّقديس، فنقدّس أنفسنا أوّلاً ومن ثمّ يرى الآخرون انعكاس الفرح الإلهيّ فينا فننقل إليهم عدوى هذا الفرح فيصبحون قدّيسين بدورهم.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات