الآباء والبنونفي الكنيسة إخوة. ثمّة أب واحد هو الآب السّماويّ، وابن واحد هو الرّبّ يسوع المسيح، ابن الله المتجسّد، وأمّ واحدة هي مريم، والدة الإله، الّتي احتضنت الابن الوحيد، الإله والإنسان، فأمست صورة الكنيسة وحاضنة الأبناء في الكنيسة. وثمّة روح قدس واحد يملأ الكنيسة حضورًا إلهيًّا ويحفظها ويمدّها من جيل إلى جيل. لذا الكنيسة كيان إلهيّ بشريّ، الآب فيه هو المحبّة ومصدر المحبّة وغاية المحبّة، والابن آمين المحبّة وآدم الأُخوّة في المسيح، والكنيسة جسده لأنّه أعطاها، بسرّ الشّكر، جسده ودمه. على مثال بنوّته للآب يصير المؤمنون به أبناء للآب، ومن ثمّ إخوة له وأحدهم للآخر. ومريم، والدة الإله، حاضنة الإخوة في المسيح، كَمَن تمرّست، بامتياز، في الحضانة الإلهيّة، في البشرة، كإنسان، وفي الحضانة في الرّوح كوالدة الإله. والرّوح القدس هو الّذي يحقّق، في البشرة، البنوّة للآب، والأخوّة ليسوع، والحضانة لوالدة الإله. الكنيسة قائمة في الرّوح القدس والرّوح القدس مقيم فيها، ومن ثمّ في كلّ مَن فيها هيكلاً له!
في الكنيسة!
في الإلهيّات، بالمعنى الصّارم للكلمة، ليس لنا على الأرض آباء ولا عندنا أبناء. الآب الّذي في السّماء هو الآب على الأرض سواء بسواء، وكذا الابن الّذي في السّماء على الأرض. الآب هو المبتغى، هنا، على الأرض، وهناك في السّماء. الآباء، في المسيح، على الأرض، هم مُستَحَلُّ المحبّة الإلهيّة في البشرة. لا هُم المصدر، لأنّ الآب هو المصدر، والرّوح القدس هو روح محبّة الآب فيهم إن هم حفظوا وصيّة يسوع، ولا هم غاية المحبّة، لأنّ الآب هو الغاية. إذًا هُم من الآب كمثل يوحنّا المعمدان من الرّبّ يسوع، يشيرون إليه ويبلِّغون ثمّ يتوارون. ليس القطيع لهم بل لمَن انتدبهم. يرعون ويعلّمون ويقدّسون ثمّ بعد ذلك، كسمعان، ينطلقون. يرعون على مثال الرّاعي الصّالح الّذي يبذل نفسه عن الخراف. ويعلّمون إذ يقطعون باستقامة كلمة حقّ. ولأجل الرّعيّة الموكلة إليهم يقدّسون أنفسهم، أي يُفرغون ذواتهم من مشيئة اللّحم والدّم ويأخذون صورة عبيد الله. قدوةً للمؤمنين يكونون في الكلام، في التّصرّف، في المحبّة (في الرّوح) في الإيمان في الطّهارة (1 تيم 4: 12)، صبورين على المشقّات، مؤدِّبين بالوداعة المقاومين عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحقّ فيستفيقوا من فخّ إبليس إذ قد اقتنصهم لإرادته (2 تيم 2: 24 – 25).
يكرزون بالكلمة، يعكفون على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. يوبِّخون وينتهرون ويعظون بكلّ أناة وتعليم (2 تيم 4: 5). وإن شرد الخراف إلى "بلاد بعيدة" يكون التزامُ الرّعاة الصّمتَ، بالصّبر والصّلاة والبكاء، أجدى، والنّعمة الإلهيّة الّتي تكمل النّاقصين تستعيدهم وتكمّلهم إلاّ أبناء الهلاك على خطى السّيّد القائل: "الّذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاّ ابن الهلاك ليتمّ الكتاب" (لو 17: 12). في كلّ حال المعلّم الرّاعي ممجَّد، في نهاية المطاف، بالصّليب، ومعظَّم بقطع الهامة، على نحو السّابق. أخيرًا مَن لا يتعلّم بالكلمة ولا يتحرّك بالوداعة من الضّالين له الصّليب، صليب المعلّم، مغروزًا في كيانه، بالرّوح، ألمًا ووجعًا من جرّى خطيئته، فإن كانت فيه بقيّة حسّ استفاق وتاب وإلا ارتمى في الظّلمة البرّانيّة. لا يلجأ الرّعاة إلى القسوة والإعراض باسم التّأديب، لأنّ التّأديب لا يكون إلاّ بالرّحمة، فإن قسوا وألغوا بروح السّلطة وهذا الدّهر غيّبت القسوة، بما فيهم، روحَ الله، وأفنى الإلغاء ما فيهم من حسّ، فباتت قلوبهم إلى الحجارة أدنى، ولو جرت الإلهيّات على ألسنتهم أحاديث وتفوّهوا بكلام الإنجيل!
في هذا الإطار، يحرص الآباء على ألاّ يظلموا الأبناء وألاّ يغيظوهم لئلا يفشلوا (كو 3: 21)، ولا يقطعون ولا يعزلون إلاّ الخبيث متى ثبت عناده في الخبث، لأنّ الرّسول قال أن "اعزلوا الخبيث من بينكم" (1 كو 5: 13)، إلى أن يتوب، إن تاب، ثمّ يُستعاد لأنّ السّيّد أوصى بأنّه "إن أخطأ إليك أخوك فوبّخه. وإن تاب فاغفر له" (لو 17: 3). لا يفرض الآباء الطّاعة لشخصهم، أسيادًا، باسم الله، كذوي سلطان، طالما السّادة عندنا خدّام، لئلا يوجدَ الآباء مصادِرين سيادة الآب. الآباء يسلكون، بدءًا، فيما للآب، بامّحاء. هذا نصيبهم وهذه موهبتهم قدوةً. فإن استجاب الأبناء، فالطّاعة في الحقّ، إذ ذاك، تكون الثّمرة، ثمرة محبّة الآباء للآب في الأبناء. فَرْضُ الآباء الطّاعة لذواتهم، كما لو كانت للآب، اختلاس ما لم تستدعِ محبّةُ الآب في الآباء طاعةَ الأبناء للآب في الآباء استدعاءً حرًّا. إن نتعاط ما لله في البشرة نحرصْ على أن نتوارى فيما خصّ نظرتنا، كآباء، إلى ذواتنا، وكذا فيما خصّ نظرة الأبناء إلى الآباء.
"المسيح معنا وفيما بيننا". المهمّ أن يبقى كذلك وإلى المنتهى حتّى يبقى المجدُ لله ولا يُجيَّر للآباء. وما يبقى المجدُ لله إلاّ إذا قطع الرّعاة، كلٌّ، رأسَ عبادته لذاته، ليبقى الآب الكلّ في الكلّ، ويَثْبُتَ الرّوحُ، المتكلّمُ والفاعلُ في الآباء، سامعًا ومنفعلاً في الأبناء. من الرّوح المنطَلَق وبه التّقديس وله المآل. الآباء والأبناء يتعاطون الرّوح، كلٌّ من ناحيته، أو يسقطون في الأوهام والضّلال والكلام في الهواء. والآباء، في كلّ حال، مطالَبون بالمبادرة!
أمّا الأبناء فلهم السّيّد الرّبّ مسارٌ ومثال. الّذي جاء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة الآب الّذي أرسله، في إثره يسير الأبناء في صنع مشيئة الآب المتكلّم في الابن، القائل إنّ الكلام الّذي كلّم به التّلاميذَ ليس له بل للآب الّذي أرسله. طاعةُ الأبناء، وفق هذا المسار، هي تجعل كلاً منهم ابنًا حبيبًا من الابن الحبيب الّذي سُرَّ الآب به. وإذا كان الابنُ الوحيد من الآب فالأبناء، لا فقط يساهم الآباء في تصديرهم، بل هم، أيضًا، يصنعون آباءهم، بالمساهمة والرّوح. ما دام أنّ الجميع، على الأرض، في رتبة الإخوة، فإنّ الكلّ قابل لأن يكون لسواه أبًا، إن لم يكن بالوظيفة فبالوضع. في الكنيسة السّابقون يلاحظون اللاّحقين ويجعلونهم في موقع الأبوّة ليتمّ الإسهام بعمل روح الرّبّ بكلّ لياقة وترتيب. فإن أساء السّابقون وعبثوا، فالرّوح مُصْلِحٌ كلّ خلل بالأبناء، وضعًا. هؤلاء يعملون عمل الآباء بالرّوح دون أن يُحدثوا خللاً في ترتيب الكنيسة، من جهة الآباء، أو انقلابًا. فقط يسلكون بحسب الرّوح (غلا 5: 25) ويثمرون ثمر الرّوح، محبّةً، فرحًا، سلامًا، طول أناة، لطفًا، صلاحًا، إيمانًا، وداعة، تعفّفًا (غلا 5: 22 – 23). الفراغ الّذي يحدثه الآباء بشرودهم، إن شردوا، يملأه الأبناء، إذ ذاك، بالرّوح والحقّ. هذا قد يُصلِح العديد من الآباء ويعيدهم إلى جادة الصّواب. فإن لم يُستعاد بعضُهم بحركة الرّوح في الأبناء، فإنّ الأبناء، بروح الفداء، يُتمّون عمل الله؛ فلا تكون الكنيسة رهن ما للبشر، إذ يقلب الرّوح الأدوار لكي تنحفظ الكنيسة من كلّ اضطراب. وهكذا يستمرّ المسير ولا تختلّ كنيسة المسيح لأنّ روح القدس ساهر فيها وأبواب الجحيم لا تقوى عليها.
بالنّتيجة، على الآباء، بالرّوح، أن يساهموا في صنع الأبناء، والأبناء في صنع الآباء. كلّ يحفظ الوديعة في موقعه. لا كبار ولا صغار بيننا وفق مقاييس هذا الدّهر، بل الكبير مَن أكبر ربّه طاعة بتطويع ذاته لخدمته وامّحائه بإزائه، والصّغير مَن استصغر وصيّة ربّه واستكبر.
يوم يسلك الآباء كآباء والأبناء كأبناء، على قلب الله، يكون سلام وفرح، لأنّ الآب، إذ ذاك، يتجلّى في الآباء، والابن في الأبناء، والرّوح يسود الجميع. ويوم يُعثر الآباءُ الأبناء والأبناءُ الآباء يُغيَّب وجه الله ويُعرَض عن الرّوح وتكون آلامٌ وعثراتٌ تدوم، إلى أن يستعيد روح الرّبّ، بالألم والصّبر والمحن، الاستقامة والإشراقة في الكنيسة، وهو مستعيدها، أبدًا، حتّى القيامة العامّة، لأنّه هو السّيّد فيها، بثبات، من السّيّد الآب بالسّيّد الابن إلى الدّهر.
المهمّ ألاّ يُعثِر أحدٌ أحدَ هؤلاء الصّغار، آباء أو أبناء، لأنّه كان خيرًا له لو لم يولد. مَن سقط على هذا الصّخر ترضّض ومَن سقط هو عليه يسحقه. "لا نستطيع شيئًا ضدّ الحقّ بل لأجل الحقّ" (2 كو 13: 8). الله في نهاية المطاف، لا يُشمَخ عليه! لا بدّ لمقاصده من أن تتحقّق ولا يمكن أن تعود إليه كلمته فارغة! الرّوح ضامن الكنيسة فلا خوف عليها! الخوف على خلاصنا، آباء وأبناء أفرادًا، لا على الكنيسة! صعبٌ على الإنسان أن يرفس مناخس (أع 9: 5)!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات