حاجتنا الدائمة للفضيلة
دعوة الإنجيل للامتلاء من الفضيلة هى دعوة حب قائمة على حقيقة أن السلام الحقيقي الذى يسكن نفس الإنسان لا يتاتى بعيدا عن الفضيلة وان الحياة المثمرة هى الحياة الحافلة بالفضائل وأن المسيرة نحو المجد لا تتم فى حياة الذين لا يعرفون الفضيلة والذين ينكرون دورها فى النجاح والرقى والتحضر . .
ولا شك فى أن سبب إعاقة الشعوب عن الوصول للسمو والارتقاء والنمو مرجعه هو تخلف وفساد هذه الشعوب نتيجة عدم وعيها بأهمية الفضيلة فى بناء المجتمع ودورها الفعال فى خلق كل ما هو كفيل بالمساهمة فى إرتقائه وتحضره وتمييزه عن ذى قبل ، و ياللحسرة فلقد غابت الفضيلة من النفوس وغاب معها كل آمل ورجاء فى إيجاد الصلاح والبركة والاخلاقية ..
ولعل غياب الفضيلة من النفوس لم يتوقف آثره فقط عند وجود فئة فى العالم بلا كمال وبلا أخلاقية وملوئئين من كل رغبة دنيئة وفساد ، وانما تعدى الآثر لوجود شعوب وقوانين ومبادىء ترغم وتجبر الأخرين على السلوك بلا وعى وبلا عقلانية وبلا أخلاقية بل و تدعو لبغضة الفضيلة والسير فى الحياة حسب أهواء الجسد وشهواته وبما يضمن الاستقرار والسلامة والشبع الدنياوي وراحة البال دونما أهتمام لما يجب أن تتحلى به النفس من ضوابط و قيم و دماثة .. ولا أدل على ذلك من الحد الذى وصل إليه الفساد الاخلاقى والسلوكيات المشينة والقوانين الغريبة التى كانت لدى الشعوب الرومانية والإغريقية والتى كانت تدعو للزنا والعهارة والفجور حتى أصبح كلا من المجتمع الرومانى والاغريقى باللوعة للفساد والإباحية و مضرب المثل فى الفجور و الإنحراف ..
بل أن من أبشع صور اللأخلاقية التى تدنىء بها المجتمع ما يسمى بالأدب الإباحي ، سواء جاء ضمن آبيات من الشعر أو فى رواية أو قصة قصيرة ، والذى يرمى أتباعه والمهتمين به لإثارة الإنسان جنسياً كنوع من الاهتمام بالمواهب الشخصية وإستثمارها ..
حتى فى مجتمعنا المعاصر ليس غريبا أن نسمع عن ارتفاع مستوى الدناءة والإباحية والفساد رغم تغير الظروف والقوانين والإعراف إلى الأفضل والعقلانية ، فقديما كان يوجد من الفلاسفة والمفكرين ممن يشجع ويقر بأحقية الشعوب فى ممارسة الرذيلة والفساد ، اما الآن وعلى الرغم من كل التغيرات التى شهدها المجتمع بفضل إتباع سياسة إعادة النظر فيما هو أصلح ونافع للرقى والنمو إلا أنه أصبح من قبيل الأمور الطبيعية والتى لا تدعو إطلاقا للحيرة والدهشة أن نسمع عن وجود شذوذ جنسي و أن نصادف من تدعو بناتها على الرذيلة والتحرش الجنسي بالآخرين ، ومن تجبر ابنها المراهق على ممارسة الجنس معها و عن مجتمعات يستبدلن فيه الزوجات ازواجهن وعن قائد ينكر علانية حق الشعب فى طلب ما هو متاح وضرورى وممكن ..الخ ، هذا مع التسليم بان الفساد الأخلاقي حتما يقود إلى فساد إقتصادى وهذا بدوره يؤدى إلى تفشى الفساد السياسي والنتيجة ظهور مجتمع جديد يحكمه الفساد ويملأه الانحراف بشتى أنواعه . ففى مجتمعات منحلة مثل هذه وفى أوقات إنعدم فيها كل ذكر وحاجة للفضيلة و أصبح فيها الفساد سمة من سمات المجتمع والمجالات والميادين ، كيف تُسمع الدعوة للفضيلة وكيف يكون الاشتياق للفضيلة وكيف ستسمع الدعوة بلا إنسان فاضل ، وإن وجد فأين ستوجد الرغبة فى تبعية الحق وسط مجتمعات لا تعرف الا الرذيلة وفعل الرذيلة؟ هنا تثور الحاجة لوجود الفضيلة ليس فقط لأنها لازمة لبناء كيان إنساني نافع للعيش فى سلام وحسب قصد الله ، وإنما لإصلاح مجتمع عانى سنوات بل قرون من الخسارة والركوض والتخلف نتيجة العيش فى ظلام الفساد واللامبالاة بما هو أفضل و لا غنى عنه .
و حتما لكى تسير عجلة الحياة قدما نحو الرقى والأفضل والازدهار لابد وأن تمتلىء النفس من الفضيلة و إلا دبت الكراهية وساد التخلف والفساد وما لا يطمئن للمضى قدما فى طرق السلام والنمو والبركة .
وأرغب هنا فى ذكر بعض الملاحظات والتى أرجو أخذها بعين الاعتبار ، وهى كالتالى :
+ الفضيلة هى سلوك دائم فى طريق البر والكمال وإرتفاع فوق مستوى رغبات النفس الشريرة وميول الجسد الباطلة .. وانتصار على ظلام الحياة القديمة التى انقضت فى الرذيلة والشر والعيش بعيدا عن نور معرفة المسيح .
+ الذى يقتنى الفضيلة يقتنى القوة والسلام والقدرة على النجاح والتمييز ومن يرفض الفضيلة فقد ارتضى لنفسه الهوان والمذلة والفشل ، ونفس إنعدمت فيها الفضيلة هى نفس فقيرة وحزينة وغير مثمرة ، كما أنها غير مستحقةأن تؤتمن على شىء صالح ونافع ، لان الفضيلة كفيلة بان تزكى الإنسان لكا ما هو مجيد وصالح ومبارك ، وحيث لا توجد فضيلة فى الانسان لا يوجد له فرصة فى عمل بر مقبول لدى الله .
+ إن اشتياق الرب أن تمتلئ حياتنا من الفضيلة أعظم من اشتياقنا نحن فى أن يكون لنا العديد والمزيد منها ، لأن اشتياق الرب فى ان يعطينا من خيراته حسب غناه فى المجد واستطاعة الروح فى ان يهب الطائعين له من فيض بركاته وعطاياه ، وذلك لأن الله يسهل ويبارك كل ما يخدم خلاص الإنسان وما يضمن له الوصول إلى مستوى أفضل فى التقوى والإيمان .
+ التدرب على الفضيلة محاولة للامتلاء من بر الله ، و الامتلاء من بر الله سلوك مقدس ومبارك يريده الله لحياتنا أكثر جدا مما نأمل نحن أن يكون فينا ، ولكنه يحتاج امتلأنا منه إلى الاستعداد لقبول ناموس سكنى هذا البر فى النفس ، يحتاج إلى المزيد من الطهارة والخضوع لإرادة الله ، إلى الرضا بقبول خطة الله فى الحياة و تدبير الروح القدس لمختلف ظروف الحياة وأمورها ، إلى معرفة غنى المسيح فى المجد والكمال ، إلى السهر والإصرار على التشبه به ، إلى الإيمان بما فى المسيح من مجد و بر و حق وكمال ، إلى السلوك بروح المكتوب " أية شركة للنور مع الظلمة.وأى اتفاق للمسيح مع بليعال.وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن.. " !!
+ التغير فى الحياة شىء لا غنى عنه للعيش فى فرح وسلام بعيدا عن الملل والتعاسة ، فإن تغيرنا الى الأفضل ، وهذه هى الفضيلة ، سنحصد سعادة و تجديد وثمر يبقى ويدوم ، وإن تغيرنا إلى الأسوء فسنحصد تعاسة وفشل وندامة أبدية ، لان الاستقرار موت وفناء أما الفضيلة ارتقاء وسمو وتجديد ، لذا علينا ان نختار و نقرر ما نريده لحياتنا لكى نأخذ ما يوافق اختيارنا.
+ كثيرون تعبوا فى الحياة لأنهم ظلوا زمانا طويلا يعرجوا بين الفرقتين والنتيجة هى أنهم لم يحصدوا إلا ملل ومعاناة ، وربما فقرا وفشلا مبرحا ، وكثيرون تعبوا فى الحياة لانهم فضلوا البقاء ( الاستقرار ) فى الرذيلة والشر والفساد ولم يجنوا إلا ندما وحزنا وخسارة ، أما الذين وضعوا فى قلوبهم أفضلية السير فى دروب الفضيلة وتعبوا فى اقتناء العديد والمزيد منها فهؤلاء هم الذين نرى فى حياتهم العفة والبركة والمجد وصدق القول بان الفضيلة هي الطريق الأقصر الى المجد .
+ أعلم صديقي أن الفضيلة تجديد و تغير وانتقال .. تجديد للذهن والإرادة والسلوك حسب إرادة الإنجيل ، وتغير فى الداخل والخارج كل حين رغم كل الظروف والتحديات وانتقال من لا مبالاة وعدم اكتراث باحتياجات الروح إلى سلوك دائم حسب إرادة الروح وتدبيره، ومن ارتضاء بالجهل والفساد إلى حياة تمجد نعمة المسيح وارداته المباركة ، ومن حياة لا يملاها إلا الظلمة والخوف و الضعف والآنانية إلى حياة مليئة بالقوة و إنكار الذات ونور معرفة المسيح ..
+ أطلب من الرب أن يهبك مزيدا من الفضائل لان النفس التى لا تتزين بالفضائل لا تتزين بالآكاليل والتى تتهاون بالفضيلة وتتكاسل فى طلبها لا تستحق ان ترى البركة والثمر والنور ، ومتى اشرقت شمس الفضيلة فى حياتنا سوف لا نرى إلا النور والحق وفضل تبعية ومعرفة المسيح .
+ الفضيلة تجلب على النفس كل معنى للسلام الحقيقى والغنى المبارك والفرح الدائم ، لذا فليس هناك سلام يسكن النفس التى تخلو من الفضيلة ولا غنى من الرب يلحق بمن رفض السير فى دروب الفضيلة ، كما أن الفرح الحقيقي يلازم من إمتلئت نفوسهم من الفضيلة ومن ثم فمن يخفق فى السعي لاقتناؤها يفارقه روح الفرح الدائم الذى من الله .
+ ستظل الفضيلة رغم تعبنا فى إقتناؤها موهبة سمائية معطاه للانسان لكى يمجد بها كمال الله وقداسته ، وهذا يستتبع القول بان الفضيلة موهبة سمائية يرتبط إمتلأنا بها بقدر جهادنا وإصرارنا على نوالها والعيش بها ، وكلما زاد جهادنا من أجل اقتناء المزيد منها كلما تضاعفت فينا مؤازرة الروح القدس من أجل نجاحنا فى بلوغ ما نشتهيه لحياتنا من بر وقداسه وإيمان.
+ الفضيلة تعطى للإنسان النعمة فى أعين الاخرين وتذكية لنوال ما يعجز الاخرون عن الوصول اليه والتبرك به ، لذا فالذى عنده الفضيلة اغنى بكثير من الذى عنده المال والذى يملك الفضيلة يملك القدرة على النجاح ومن لا يملك الفضيلة لا يملك شىء نافع على الإطلاق .
+ الفضيلة مفتاح البركة ، مرشد صالح للضمير ، ، علامة قوية على الحياة بكمال ، تحقيق للإنجيل ، طريق مبارك لنوال البركات الزمنية والأبدية ، سر قوة الشخصية ، و نفس ترفض الفضيلة نفس بلا ذكر ولا قيمة أمام الله وفى اعين الملائكة والقديسين والكنيسة .
+ إن سبب حرمان الإنسان من الوصول إلى الفضيلة ليس لأنه أضعف من الوصول إليها ولكن ، وفى الحقيقة ، ابتعاده عن الصلاة هو السبب الرئيسى فى ذلك .. وكلما أدرك الإنسان ما فى الصلاة من سبيل مبارك فى إقتناء الفضيلة كلما عشق الصلاة والوجود فى حضرة الله كل حين وامتلأت نفسه رجاء فى الامتلاء من نور الفضيلة ، وكلما رأى فى الفضيلة سمو وقوة ومسرة كلما جاهد أكثر فأكثر فى اقتناء العديد منها ، وكلما أهلته الفضيلة لرضا الرب وسكنى النعمة فيه كلما زاد تضرعه من أجل الذين لم يجاهدوا بعد فى اقتناء الفضائل ، الآمر الذى يدفعه فيما بعد للتسبيح للرب من أجل النفوس التى تحررت من عبودية الفساد والفقر واللامبالاة باحتياجات الروح إلى العيش فى غنى الفضيلة ومجد المسيح والحياة حسب إرادة الروح وفكر الإنجيل .
+ إن الذى يظن ان هناك طريق أخر لاقتناء الفضيلة غير الصلاة فهو مخدوع من الشياطين ، والذى يخال له أنه بمقدوره العيش فى سلام بعيدا عن الفضيلة إنسان أعمى لا يفكر فيما فيما هو مرضى عند الرب ، والذى لا يؤمن بما فى الفضيلة من جمال وقوة وسلام إنسان قد تمكن الشيطان من سلب عقلة وإرادته .. لذا الحكمة تقضى وتنصح وترشد لاقتناء الفضيلة ومن يتباطىء فى اقتناؤها فقد حكم على نفسه بالموت والهلاك والعيش فى تعاسة .
صديقى ، يعوزنى الوقت إن كلمتك عن أهمية الفضيلة فى حياة كل إنسان ودورها الذى لا غنى عنه فى امتلاء كل نفس من المجد والبركة والسلام ، ولكن سوف أقول نصيحة المسيح لكل الناس : اطلبوا الفضيلة لأنها قريبة من الذين يلتمسون حضورها فى أنفسهم كل حين ، اقتنوها لانها كفيلة بان تمجدكم وتعطيكم فرحا وعزاء و سلاما ، هيئوا دواخلكم لحلولها الدائم لأن قادرة ان تمنحكم شجاعة و قوة وصمودا ، لا تدعوها تبرح من أعماقكم لانها سر غنى كل المنتصرين ، ادعوا الكل لكى يقبلها ويمتلأ منها لان فى ذلك لزومية و حق وحكمة بل مجدا دائما وعظيما لاسم المسيح وملكوته المبارك ، اشكروا الرب عليها لأنه وهبها لكم وانتم غير مستحقون ، لا تفتر أفواهكم عن تمجيدها لانها مستحقة الطوبى والقبول .. وبعد ان تمتلئوا منها لا تكفوا عن إعطاء المجد لله الذى لم يدعكم أسرى الرذيلة والموت والكآبة ، لك القرار والمصير ..

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات