كان يصرف حياته في محبّة لله وشعبه. لم يقصد ألاّ يتزوّج. ولكنّ عمره غفله!
كان، ككثيرين، يحلم بأن تكون له زوجة وأولاد. وهذا كان يشعر به أقرباؤه وأصدقاؤه عندما كان يقصدهم، ويداعب أطفالهم كأب.
لا يعني هذا أنّه ندم على بقائه عازباً. فحياته المبذولة لم تسمح له بأن يفكر في نفسه. كان نهضويًّا. والذين شاركوه، في نهضويته، كانوا يحاولون أن يذكّروه بنفسه. ولكنّهم كانوا يشعرون بأنّه ليس لنفسه. كان لله ولهم.
حبّه لله كان أهمّ ما في حياته. ومحبّته لهم لا تقلّ فهماً وعمقاً عن حبّه لربه. وهذا كان يسكتهم، ويوقف إلحاحهم. لا لأنهم أنانيّون، أو يئسوا من إقناعه. ولكن لأنّه كان واضحاً، ولأنّهم اقتنعوا بأنّ له قناعته.
ثمّ فهموا، بعد أن منّ الله عليهم بأن يزدادوا في معرفته، أنّ من كان لهم أخاً هو، في الواقع، أبٌ لهم. وفهموا أيضاً أنّ ثمّة بشراً يخطب الربّ ودّهم، ويعطيهم هو أن يشاركوه في أبوّة شعبه.
من الطبيعيّ، في مفهوم الله والناس، أن يعتني الأبوان بأن يرشدا أولادهما إلى الله أبيهم الحقيقيّ، ويعلّموهم حبّه، ويساعدوهم على أن ينخرطوا في شركة كنيسته. ولكنّ ولداً قلب المقاييس. هو من فعل.
كان قد لبّى، بإذن أهله، دعوة أحد أصدقائه إلى أن يشارك في اجتماع كنسيّ لأولاد من عمره. وأحبّ هذه الجلسات وما تقدّمه من تعاليم وأنشطة. وساعده المسؤولون عنه على أن يفهم أنّ الالتزام الكنسيّ ليس هو درساً أو مادّة تعتني مدرسته بتقديمها إلى جانب موادّ أخرى، ولكنه حياة عصبها التعليم القويم وشركة المؤمنين. وفهم.
صار يعنيه كثيراً فهمه الجديد. ولكنّه كان يحيّره أنّ أهله لا يصطحبونه، كما يفعل أهل بعض أترابه، إلى كنيسته يوم الأحد ليشارك في الخدمة الإلهية. كان تبريرهم أنّه يصلّي في المدرسة! وهذا عاد لا يقنعه. وللولد إلحاحاته. فقدر على أن يقنعهما بأن يفعلا له ما يريد. وذلك بعد أن ردّ كلّ المغريات التي كانت قبلاً تفرحه. وكان يقول لهما: لنذهب إلى الكنيسة، وبعدها نفعل ما تريدان: نذهب إلى البحر، أو إلى الجبل، أو إلى أيّ مكان آخر. وبقي على إخلاصه، حتى عوّد أهله أن ينتهجوا نهجه!
اقتحمتْ بيته، ودخلت غرفة داخليّة، وركعت بين سريرين لتختبئ من ظلم أصابها، وطلبت منه أن يحميها، لأنّ أسيادها أبرحوا في ضربها. وفيما كان يهدّئ من روعها، وصل الضاربون، وكانت شرارات الغضب تتطاير من عيونهم، وطالبوه بها.
حاول أن يكلّمهم بالحسنى. ولكنّهم لم يصغوا إليه، وأرادوا أن يفتّشوا البيت. فمنعهم. هدّدوه بالقانون، وحجّتهم أنّه يتدخّل في أمر لا يعنيه. وحاول واحد منهم أن يتهجّم عليه. فخرجت الفتاة التابعة خوفاً من شدّة صراخهم وشتائمهم. وقبل أن تذهب معهم صاغرة، حاول، مجدّداً، أن يكلّمهم على محبّة فعل الخير، وعلى المعاملة التي ترضي الله. أمّا هم فضحكوا منه علناً، وخرجوا!
فكّر، طويلاً، في ما جرى. وقال في نفسه: إنّه خلاف بين أناس وخادمتهم. وأردف مخاطباً نفسه: ما لك وللأمر! ولكنّ هذا لم ينفعه، وبقي قلبه يعصر ألماً على الفتاة المضروبة.
ثمّ فكّر في أن يذهب إلى بيتهم. ولكنّه تراجع عن فكرته، وقرّر أن يستشير صديقاً له. وفعل. فطلب منه صديقه ألاّ يتدخّل هو في الأمر، لأنّ هؤلاء الناس سيّئو الأخلاق. وطلب منه أن يترك له أن يحلّ الموضوع.
هدأ قليلاً، ولكنّ تفكيره لم ينقطع. وبقي على حاله، إلى أن جاء صديقه بعد نحو ساعة، وطمأنه قائلاً: لقد سوّيت المسألة. أراد أن يعرف كيف. فأجابه: لقد جعلتهم يتعهّدون بأن يحسنوا معاملتها، وألاّ يضربوها مجدّداً. قال له: هكذا ببساطة. أجابه، لا، فقد كلّمتهم باللغة التي يفهمونها. أسفه كثيراً أنّ بعض الناس فقدوا إنسانيّتهم، وعادوا لا يفهمون لغة الله والناس!
عرفوه قبل أن ران الموت به. كان فقيراً، ولكنّه ما كان يطلب من أحد شيئاً. كان يأتيه بعض مساعدات من ابن وحيد له يعمل في خارج البلاد. وكانوا هم منغمسين في عمل الخير. همّهم الأوّل نشر كلمة الحياة وعضد فقراء الرعيّة. وهذان كانا يتطلّبان مالاً كثيراً لا يقدرون هم وحدهم عليه.
كان كاهنهم يساعدهم، ويطلب، بين الحين والآخر، من أبناء رعيّته أن يعضدوا عملهم بتقدمات كريمة. وكان هو يسمع كلّ نداء، ويعرف أنّهم يتحرّكون باتّجاه هذا وذاك من دون أن يقتربوا منه. وكان هذا المر يزعجه في سرّه.
دعا، مرّةً، شابًّا منهم، ولامه على أنّهم لا يأتون إليه، ولا يطلبون منه شيئاً. ردّ هذا الشابّ اللوم بقوله له: تكفينا صلاتك. ثمّ أضاف: العمل، في الكنيسة، يفترض الوجهين معاً، أي أن يدعمه بعض المؤمنين بمالهم، ويدعمه آخرون بدعائهم. أنت صلِّ لنا. فأجابه: ألا يمكن أن يدعم الواحد بالطريقتين!
أخجل هذا الكلام الشابّ. فدسّ الرجل يده في جيبه، وأخرج ظرفاً كان قد وضع فيه مبلغاً من المال. وقا له: وزّعوا هذا كما أنتم تعرفون. حاول الشابّ رفض المال وتكرار ما قاله آنفاَ لمعطيه. فردّ الرجل على المحاولة: لا يمكنك أن ترفض مالاً يحتاج إليه أحبّاء الله. أنت خذه، وصلّوا لي!
مرض، وما فاز من المكروه. وكان موته صدمة لزوجته وأولاده القاصرين. وشاركهم في مصيرهم شابّ فقير كان يقطن في حيّهم.
كان الشابّ منخرطاً في جماعة غزاها روح الله. فنقل وضع هذه العائلة المنكوبة إلى معارفه. فتأثّر هؤلاء في ما سمعوه. ووضعوا أمامهم هدفاً إضافيًّا إلى أهدافهم المقدّسة: أن يحاولوا أن يبقوا، على قدر استطاعتهم، حياة هذه العائلة، التي لا يجمعهم وإيّأها دين واحد، طبيعيّة. وإن كان هذا مستحيلاً على فرد مثله، فإنّه ممكن على مجموعة، ولا سيّما إذا اتّكلت على الله، وأحسنت التفكير، واستطاعت أن تجمع حولها أشخاصًا يحبّون الله، ولهم قدرة ليست عندها. وشاركهم، في مسعاهم، بعض أقرباء هذه العائلة الذين تبنّوا تعليم الأولاد الثلاثة. وكان عليهم هم أن يساهموا في تأمين الطعام والكساء وبعض أدوية للوالدة المريضة.
كانوا يعملون واضعين نصب أعينهم قول الربّ: "لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبًا فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ومريضًا فعدتموني، وسجينًا فجئتم إليّ". وساعدهم صاحب القول. وهم بقوا أوفياء لهدفهم، حتى شبّ ولد هذه العائلة البكر، وغدا منتجًا.
أمّا خير ما تعلّموه، في هذه المسيرة التي لم تخل من صعوبة، فهو أنّ الفقراء، إلى أي دين أو مذهب انتموا، يخصّون الله، وأنّ حبّهم ومعونتهم يتقبّلهما هو، ويعملهما هو.
المفضلات