سلسلة الفضائل في الإنجيل والعهد الجديد واسعة جداً وما على المرء إلاّ ان يطالع والمسيحي مطالب بمطالعة الإنجيل. الإنجيل يغرسنا في المسيح والروح القدس ينقش الإنجيل في قلوبنا، علينا ان نقتدي في المسيح، اين نجد المسيح؟ نجده في الأناجيل. والأناجيل خير مرجع عن حياة المسيح وفضائل المسيح وشمائل المسيح. لا أستطيع في فصل واحد ان أُورد كل ما جاء في الأناجيل عن يسوع المسيح. إحصائية أميركية ذهبت منذ سنوات الى انّ عدد كتب حياة المسيح بلغ نيّفاً ومئة كتاب.
لاغرانسالفرنسي الشهير مؤسس المدرسة الكتابية في القدس قال في 1927 في كتاب حياة الرب يسوع مادِحاً كتاب Fillion إنّ المرء لا يستطيع ان يحلم بشيء أكمل من هذا الكتاب، يتألف من ثلاثة مجلدات في 1839 صفحة، والطبعة الثانية 1921 صفحة. طبعاً هناك مستجدات عديدة في الأبحاث العديدة، لذلك يحتاج الى طبعة جديدة مزيّدة ومنقّحة ومصحّحة. فكتاب عن حياة المسيح بهذا الحجم، لا أستطيع ان ألخّص مثل هذا الكتاب وسواه في كلمات وفي فصول، ولكن الإنجيل موجود بين أيدينا نستطيع ان نطالعه لنتعرف الى ما فيه من كنوز روحية، نتعرف الى شخصية يسوع المسيح الفذّة، الإله الانسان، نسمع أحاديثه من فمه بالذات، أخلاق إلهية لا بشرية. والمطلوب منّا ان نكون ملائكة في الجسد، هذا عسير على الناس وأنا أعرف ان هذا عسير كثيراً على الناس ولكن الله يعيننا، نحن نؤمن بالنعمة الإلهية وما دمنا نؤمن بالنعمة الإهلية فهي تساعدنا في عمل الخير وبالتوبة نستطيع دائماً ان نغيّر أحوالنا وننتقل من حالٍ الى حال ونضع الفضائل مكان الرذائل.
قد يقول قائل إنّ الانجيل عسّر الأمور، هذا صحيح بالنسبة للضعفاء الذين لا يريدون أن يجاهدوا الجهاد الحسن، يسوع عدَلَ بملكوت النور فقال في الفصل 13 الآية 43 من إنجيل متّى: ويكون الأبرار شموساً مضيئة في ملكوت السموات. فإذا كنّا نسعى لأن نكون شموساً مضيئة في ملكوت السماوات فلا يمكن ان يقبل يسوع منا ان نكون 50-50 أي 50 في الفضائل و50 في الرزائل، لا يقبل ان تكون رِجْلٌ في الفردوس ورَجلٌ في الجحيم. الملكوت الذي سنصل إليه ملكوت روحاني عادل جديد واضح. الجسد لا يرث ملكوت السموات، الذي يرث ملكوت السموات هو الروح الطاهرة امّا الجسد بشهواته وإندفاعاته وأهوائه... كيف يرث ملكوت السموات؟ هل من الممكن أن يرث السكّير والخاطئ والمنفسد أخلاقياً والملتوي أخلاقياً والمنحرف جنسياً؟ هل يمكن أن يرث هؤلاء ملكوت السموات؟ هل يمكن أن يرث ملكوت السموات اللصوص والسارقون والخطّافون والمعتدون على أعراض الناس وأموال الناس؟ هل يمكن للظالمين أن يرثوا؟ هل يمكن للقتلة والسفّاحين أن يرثوا؟ هذا مستحيل. لذلك مع المسيح لا يوجد شيء من الإحتمال للشرور، يجب ان يتطهّر الإنسان من كل الشرور ويصبح ملاكاً في الجسد.
السؤال صريح في الإنجيل سنكون في الآخرة مثل الملائكة، لا زواج ولا أكل ولا شرب بل سنكون في النور الإلهي. ما هو ملكوت النور؟ فكيف يمكن أن يجتمع الظلام والنور؟ هو طالبنا أن نكون أولاد النور أن نعيش في النور ان نكون مع النور. كيف يمكن ان نكون أولاد النور ونحن غارقون في السكر والعربدة والقتل والسفه والضرب والإيذاء والسرقة والخطف والطمع والشراهة والقسوف ومختلف الشهوات والرغبات والأهواء؟ المطلوب منّا أن نقمع كلّ هذه وأن نحوّل طاقاتنا برمّتها الى محبة الله، يسوع طلب منّا أن نحبّه أكثر مما نحبّ الأب والأم والاخوة والأخوات والزوجة والأبناء، وإذا لم نحبّه أكثر منهم لا نستحقة وإن أحببناهم فنحبّهم إكراماً له ومن أجله. يسوع يطالبنا في الإنجيل بأن تتجه أشواقنا برمتها اليه، أشواقنا ترتفع من الأرض الى السماء، أُحب أهلي إكراماً له ولأجله، أُحب الكون برمته من أجله. هو محور الحياة كلّها، الإنجيل واضح، هو محور الحياة كلّها، كل الحياة تدور حوله وفيه ومعه وله وبه، الإنفصال بيننا وبين يسوع مستحيل. في الإنجيل يسوع يقيم فينا يحلّ فينا ويسكن فينا، كيف يسكن فينا ونحن فاسدون؟ ونحن منهارون؟ هذا مستحيل ولذلك كلّ ما في الإنجيل مختوم بختم سماوي.
على الإنسان أن يرتفع أن يكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم وينبعث، قد يقول البعض هذا مستحيل، لا، هذا مستحيل على الضعفاء والفارين والهاربين والإنهزاميين، ولكن الذين كرّسوا حياتهم ليسوع يجدون هذا أسهل مما يمكن حمله لأنهم سعداء في يسوع ويحملون يسوع الخفيف اللطيف. يسوع علّمنا أنّ نقمع الجسد وأهواه الجسد برمّتها، أن نتخلّص منها ونصنع الفضائل بصبرٍ جميل، مَنْ يصبر الى النهاية يخلص، فبصبركم تقتنون أنفسكم، طلب منّا الصبر والتحمّل، طلب منّا أن نكون رجالاً معديين لحمل المشقات والمتاعب بفرحٍ وصبرٍ جميل. الضجر مرضٌ عُضال نتخلص منه بالصلاة بالتأمّل بالفرح الإلهي. كلّ أحلامنا في الدنيا تصير أحلاماً روحية، نعمل لنمجّد الله في العمل، نتعامل مع الآخرين ليتمجّد الله في تعاوننا. النفور من الآخرين ممنوع، الوجه الذي نستقبل به الآخرين هو وجه يسوع المسيح، إن إستقبلنا الناس إستقبلناهم كأننا نستقبل المسيح، إن سلّمنا عليهم نسلّم عليهم كأننا نسلّم على المسيح، نصافحهم كأننا نصافح المسيح. المسيح يدخل في كل ظروف حياة المسيحي. المسيحي برمته روحاً وجسداً يلتصق بيسوع المسيح وتظهر فيه أعمال يسوع المسيح.
يسوع المسيح يشعّ في الإنسان المسيحي الحقيقي ولذلك يكون صورة عن يسوع المسيح، لا نرى المسيحيين صوراً عن يسوع المسيح، لا نَدِنْ الآخرين، نحن نلتفت الى أنفسنا، قبل ان أدين الآخرين عليّ ان أُصلح نفسي، منْ انت يا من تدين عبداًآخر؟ علينا ان لا ندين الآخرين، علينا أن نحبّ الآخرين وأن نسعى الى إصلاح الآخرين ولكن العدوانية موجودة في الإنسان، فإذاً يجب أن نتخلّص من العدوانية وأن يصير كلّ شيء في حياتنا محبّة، أن نصبح محبةً متجسّدةً. لا يجوز أن نسيء إستعمال الغير ولا بصورة من الصور، نستعمل الغير إستعمالاً حسناً نُعامله كأنّه المسيح نُعامله بروح المسيح، هو المسيح ونحن المسيح ونتعامل كأننا مسيحان. قد يقول قائل: هذا مستحيل، المستحيل عند الناس هو ممكن عند الله، قدرتنا الذاتية نحن أشباح ولسنا بشراً ولكن بقدرة المسيح نحن رجال صناديد، نحن شهداء أحياء. كل حياة المسيحي إستشهاد، كيف؟ إن لم يستشهد بالسيف إستشهد بسيطرته على أهوائه ورغباته وشهواته وميوله، بتحويلها جميعاً الى حمد الى فضائل إلهية. يسوع أبطل شريعة الطلاق فكان الطلاق عند اليهود مدرستين، مدرسة شمّاي المحافظ نسباً ومدرسة هليّل الإباحية، هليّل يبيح الطلاق لأي سبب من الأسباب، فالمرأة صفر على الشمال، متعة لا وزن لها، تأتي وتذهب بدون وزن، السلطة الكاملة للرجل يطلّق بتعسف بغير تعسف له الحق ان يطلّق إمرأته أيّاً كان السبب وهذا ظلم ما بعده من ظلم. أين تذهب المطلّقات؟ وما مصيرهنّ إن كان الطلاق سهلاً بهذه الصورة. في التلمود اليهودي جاء أن المرأة بلا روح ولدى اليهود صلاة يصلّيها الرجال يشكرون فيها الله لأنّه خلقهم رجالاً ما خلقهم نساءً بلا أرواح، وسوى ذلك من التعابير المؤذية في المسيحية هذا مرفوض. حاملات الطيب في الإنجيل هنّ الوفيات اللواتي أتين القبر صباحاً ليدهنّ يسوع بالطيوب، ظهر الملائكة فآمنوا بكلام الملائكة، التلاميذ إتهمهنّ بالخَرف بالجنون ولم يؤمنوا وذهب بطرس ويوحنا الى القبر وشاهد القبر فارغاً، ومع ذلك بقي التلاميذ مرتابين وظهر لهم مساءً فبقوا مرتابين حتى طمأنهم وأعطاهم الأدلة بالأكل أمامهم ليصدّقوا أنه هو نفسه وليس روحاً صرفاً، ولما ظهر لهم في الجليل بعضهم إرتاب أيضاً، بينما النساء لم يرتبْنَ بل صدّقن الملائكة، ورأته مريم المجدلية وذهبت تشهد بأنّها رأته فلمّ يصدقوها. ففي الأناجيل العجب العجاب من عدم تصديق الرسل، وتوما بقي مشكّكاً حتى ظهر له بعد 8 أيام وطلب منه أن يلمس الجراح.
المرأة تظهر هنا وفيّة تماماً، لم يهربنَ، حضر يوحنا الصلب ولم يزر القبر إلا بعد أن أبلغته مريم المجدلية أن القبر فارغٌ، ففي الإنجيل تظهر النساء وفيّات، والكنيسة تعتبر حاملات الطيب مبشّرات الرسل ورسولات الرسل. المرأة إرتفع قدرها بعد أن كان التاريخ قد ظلمها وكانت سلعةً، ففي المسيحية تجد المراة مكانتها الحقيقية وهي عند الأرثوذكس صدر البيت كما ذكرت قبلاً، وصدر البيت يعني أنها مهمّة جداً، طبعاً أنا لا أقول بالإسترجال وبالسيطرة على الرجل، لا، لا في الإنجيل ولا في العلوم النفسية هذا ممكن، العلوم النفسية نفسها تعطي الرجل الأولية والسلطة المنزلية وخير للنساء أن يكون الرجال رجالاً لا أن يكونوا مخنّثين وأدوات. وفي علم النفس الشيء الكثير عن ذلك، وهو يؤيّد كلامي[1].
أمّا بالنسبة للعبيد فيسوع شفع عبد قائد االمئة. وفي تعاليم بولس الرسول يتحوّل العبيد المؤمنون الى أخوة لأسيادهم، وعلى كلٍّ منهم أن يُعامل الآخر كما يُعامل المسيح وهم أخوة في المسيح. ورسالة بولس الرسول الى فيلمون طافحة بالحنان والحب لعبدهِ الآبق اونيسيموس وردّه إليه بوصاية حارة جداً جداً. وهكذا يصبح العبد موظّف عند سيّده ويتعاملان كأخوين، لا إستبداد لا ظلم لا عدوان، وإن تعدّد العبيد عاملهم السيد بالتساوي بدون أن ينحاز الى أحدهم دون الآخر، فمن المعروف أنّ هناك بعضٌ من الناس يتزلّفون للمديرين ورؤسائهم وأسيادهم فيقتنسون عطفهم ومودّتهم ولطفهم، وهذا يجري في كلّ بيت فنرى البكر يقتنس عطف الوالدين ومودّتهم وينتهي الأمر في كثير من الأحيان الى الإحتيال والنصب وإستيلاء على قسم من الثروة وأحيانا على حرمان الآخرين من الثروة.
إساءات الإستعمال في الحياة العملية لا تعدّ ولا تُحصى. فأنا محام عتيق إختبر الحياة وعرف شؤون الحياة، إساءات الإستعمال لا تعدّ ولا تحصى، والآباء علّمونا ان الخطيئة هي إساءات الاستعمال، فألوان إساءات الإستعمال لا تعدّ ولا تحصى. منْ يعامل الانسان الآخر معاملة كما يعامل المسيح، هذا أمر متروك لله، لا أريد ان أدين الناس، ولكن وأعرف أني رأيت في الحياة ما رأيت من ظلم وعدوان وإساءات إستعمال وخطف وكذب ورياء ومكر وغدر وأخبار لا تُعدّ ولا تحصى. فإساءات الإستعمال هو التنكّر للجميل، هذا أمر خطير جداً التنكّر للجميل وقسيت منه ما قسيت.
ولذلك الإنسان المسيحي شهيدٌ حيٌّ بما يتحمله من الآخرين بصبرٍ وفرح كبير معتبراً كلّ هذا مناسبات للصلاة من أجل الآخرين ولتمجيد الله. وَضعُ المسيحي في العالم وضعٌ قاس جداً هو مصلوب ولكن يَعلم أنّ هذا الصليب سيوصله يوماً ما الى الآخرة الصالحة فيكون شمساً مضيئةً في ملكوت الله، والغاية من هذا الوجود هو الوصول الى هذا المجد العظيم. والبشر مسافرون على الأرض يقيمون قليلاً يجنون الفضائل فيذهبون الى النور الأبدي وإلاّ فالجحيم ينتظرهم. نجّا الله البشر جميعاً من حوله. لا شكّ أن المسيحية قائمة في الصليب والصليب هو سرّ المسيحية والمسيحيين، هو يفسّر كل شيء في حياة المسيحي، إنّ نقّى نفسه من الشوائب فبقوّة الصليب نقّى نفسه، وإن دخل الملكوت فبصبره الجميل وأناته الطويلة قد دخل الملكوت.
بولس الرسول علّمنا ان نرحّب في الفصل 6 من رسالته الثانية الى كورنثوس أن نرحّب صدورنا أن نوسّع قلوبنا، علّمنا في غلاطية أن نحمل بعضنا أثقال بعض وهكذا نتمّم شريعة المسيح، شريعة المسيح هي إذاً أن نحمل أثقال بعضنا. ان نحمل أثقال بعضنا مهمّة شاقة ولكن بنعمة الله نستطيع ذلك، إن كنا لا نستطيع ذلك بقوتنا فبقوة يسوع نستطيع كل ذلك. ليس من السهل على إنسان ساقط مثلي قابع في قعر الجحيم أن يخرج من قعر جحيم خطاياه وميوله وشهواته وأهوائه الفاسدة وحياته الفاسدة ليكون ملاكاً في الجسد. المسألة تتطلب جهاداً روحياً هائلاً ضد الأهواء الشريرة المتعددة ضد ذاته ضد العالم ضد الكون ضد هذا العالم الفاسد. الجهاد الروحي مسألة مهمّة في الكنيسة.
بولس الرسول في الفصل 15 الأية 30 من رومية والفصل 4 الأية 12 من كورنثوس يعتبر الصلاة جهاداً أيّ حرباً، الصلاة نفسها حرب فكل شيء في حياة المسيحي حرب، يقمع شهواته.
يسوع علّمنا إن عَسَرتْكَ عينك فإقلعها، إن عسرتك يدك ورجلك فإقطعها، طبعاً المقصود القطع المعنوي والقلع المعنوي، ولكن هذا يتطلّب رجولة، ولذلك وإن كنّا نتحنّن على الآخرين ونلطف بهم فالأمر يبقى هو هو أيّ أنّ المسيحي مُطالب بالسيطرة التامة على جسده وعلى أفكاره وعلى أهوائه وعلى أشواقه وعلى تعلّقاته، بإختصار يجب أن أسحب تعلّقاتي وعشقي وحبّي وإيثاراتي من جسدي من هذه الدنيا كلّها، وأن أوجّه كلّ قواي وطاقاتي نحو يسوع المسيح. فأنا بين أمرين إمّا أن أعشق هذه الدنيا وما فيها من مفاسد وغرائب، وإمّا أن أعشق يسوع، بعشق يسوع كما قال يوحنا السلّمي أطرد عشق هذه الدنيا. أنا مرتبط بالعالم بسبب جسدي وأهوائه ولكن كلّ هذا يجب ان يتبدّل ويتغيّر.
ولذلك المسيحية طرحت موضوعاً هاماً، ألا وهو العفّة الدائمة ايّ البتولية، فيسوع والرسل كانوا متبتلين، بطرس تزوّج ولكن يبدو من كلامه مرّةً أنّه ترك كل شيء وتبع يسوع أيّ ترك إمراته. هذا التخلّي الكامل عن الدنيا وما فيها ليعيش الإنسان عفيفاً متبتلاً يُجاهد ضدّ الأهواء الجسدية ليصير ملاكاً في الجسد مدى العمر، هذا الأمر في المسيحية مهمّ جداً. يسوع المسيح قال هناك من خسروا أنفسهم لأجل ملكوت الله، بولس الرسول في الفصل 7 من كورنثوس فضّل البتولية على الزواج وإعتبر الزواج دواءً علاجياً للزنى.
فإذاً البتولية في المسيحية هي الأساس والبتولية في النتيجة هي عيش ملائكي، المتبتّل الحقيقي والمجاهد طبعاً هو ملاكٌ في الجسد، النسّاك الكبار ملائكة في الجسد. أنطونيوس، باخوميوس، سمعان العامودي، دانييل العامودي، سرافيم ساروفيسكي وسواهم من النسّاك الكبار ملائكة في الجسد. ولكن بارك الله الزواج وقال بولس: "فليكن الزواج مكرّماً في كل شيء والمضجع غير دنس". إنّما في الزواج المطلوب العفّة أيضاً، أن لا يكون الجسد هو همّ الرجل والمراة بلّ أن يكون التعاطي الجسدي بطهارة وعفّة وإعتدال وسيطرة على الذات وحسن المعاملة، حسن المعاملة بين الزوجين، ذكرنا الكثير عن ذلك ولكن يا للأسف الخطيئة موجودة والضعف موجود.
تقويم الإنسان تقويماً كاملاً مسيحياً مسألة جهاد روحي وعسير وطويل الأمد، لا يسيطر الإنسان على ذاته في يومٍ أو يومين، يحتاج الى الأصوام والصلوات والتنهدات والقراءات الروحية والتأملات الروحية والجهاد الروحي والصبر الجميل.
طبعاً المسيحي الحقيقي مصلوب بولس قال صراحة: "مع المسيحي صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ". المسيحي يحصر نفسه من أجل ملكوت الله سواءً كان راهباً او متزوجاً والمسيحية لا تفرّق بين الراهب والمتزوج، فالراهب يدخل ملكوت السموات والمتزوج يدخل ملكوت السموات ولكن إن عاشا ليسوع المسيح له المجد.
هذا غيضٌ من فيض، في فصل واحد لا يمكن جمع كلّ الأناجيل فخلال ألفيّ سنة تقريباً كتب المسيحيون عشرات الآلاف من الصفحات في تفسير العهد الجديد في الكلام عن ربنا يسوع المسيح ولم ينتهوا ولن ينتهوا لأن الإنجيل كلمة الله وكلمة الله واسعة جداً ولا يمكن ان نحيط بها بسهولة. شرّاح عديدون خلال الألفي سنة ومع ذلك يظهر دائماً شرّاح جديدون يجدّدون المادة.
في الإنجيل عمق ما بعده من العمق كلّما قرأناه كلّما إزددنا إيماناً وقوةً. المسيحية مع بولس الرسول تركّز على الفضائل جميعاً وتختار منها الإيمان والمحبة والرجاء، والإيمان والمحبة يلصقاننا بيسوع المسيح بالإيمان. يسكن يسوع في قلوبنا بالمحبة، يسكن يسوع في قلوبنا بالرجاء، نمتدّ نحو يسوع بكل قلوبنا وأشواقنا. نرجو الملكوت السماوي بفرحٍ كبير وشوقٍ كبير. الشوق في المسيحية مهمّة جداً، كلّ أشواقنا يجب أن تتجه الى يسوع. الإنسان منذ طفولته يتعلّق بأشياء عديدة، يتعلّق بالرضاعة ثمّ يتعلق بسواها، يخترع الإنسان لنفسه ملايين الأسباب ليتعلّق ولو بثقاب كبريت. لا يخلو الانسان من تعلّقات، هذا يتعلّق بالطعام وهذا يتعلق بالشراب هذا يتعلق بالثياب هذا يتعلّق بالمناصب هذا يتعلّق بالثروات هذا يتعلّق بالذهب هذا يتعلّق بالفضة هذا يتعلّق بالزهور هذا يتعلّق بالعصافير هذا يتعلق بالقمار هذا يتعلّق بالمسكرات هذا يتعلق بالمخدرات ألوان الهوايات كثيرة جداً، ألوان الهوس عديدة جداً، لا يخلو إنسان من لونٍ من ألوان الهوس، ولدى الطفل الهوس قوي جداً، ويكمل الإنسان ويبقى يفتّش عن شيء يُصبح مهووساً به ويهرب من الضجر الى مواضيع هوسه.
ظروف الحياة المعاصرة تصنع الأولاد (الصبيان والبنات) حسّاسين مدللين. في فرنسا نصف السكان مصاب بوجع الظهر والشقيقة والربو لأسباب نفسية. في التحليل النفسي ترتبط هذه الأمراض بالحسّاسية. في المعالجة النفسية تسقط الحسّاسية فيزول المرض. المطلوب هو متانة الطفل لا الافراط في الحسّاسية. الحسّاسون مصابون بكبت عميق لما يسميه المحللون "الغريزة العدوانية". إن لم يحل هذا الكبت بقي المرء يتألم. كل المعالجات السطحية فاشلة إلا إذا أزلنا هذا الكبت.
كما ذكرت سابقاً، الإنسان جبّار، جبّار إن كان عالمياً في شؤون هذه الأرض، وجبار إن سار وراء المسيح نحو القداسة وصار قديساً وشهيداً عظيماً. إمكانات الإنسان نراها في العالم، مليارات البشر لكلّ منهم هوايته لكلّ منهم هَوَسه لكلّ منهم همومه وأعماله ومساعيه، هذا كلّه إن جمعناه ماذا يعني؟ يعني أن طاقات الإنسان هائلة جداً جداً، ولذلك جاء المسيح ليجمع هذه الطاقات حوله فيصبح هو وحده الأمل والحياة، يصبح وحده غاية الوجود ومحطّ الآمال، هو الشغل الشاغل للذين يعبدونه.
ماذا كان يشغل بال النسّاك والعاموديين؟ يسوع المسيح. ماذا كان يفعل أنطونيوس وسمعان العامودي؟ كل الوقت كان مكرّساً للإتصال بيسوع وللصلاة. ماذا كان يعمل سمعان العامودي؟ هل كان لديه مهنة يشتغل فيها؟ كان يأكل العدس المنقوبة ومضى وقته يسهر الليالي يصوم الصوم الكبير كلّه بلا طعامٍ ولا شراب، أين وقته؟ أين عقله؟ وقته وعقله ووجدانه وضميره وحياته كلها عند يسوع المسيح، هذا إنسان كان جسده في الأرض وروحه في السماء، طبعاً لا يستطيع كل الناس ان يكونوا سمعان العامودي، لكلّ إنسان دعوته كما قال بولس الرسول، ويسوع نفسه قال: "ما كلّ الناس مدعوون ليكونوا خصيان روحياً ليخصوا أنفسهم لمجد الله"، هؤلا ء الذين خصوا أنفسهم لمجد الله معدودون على الأصابع وهم اليوم كثرة في العالم المسيحي فالرهبان في العالم المسيحي اليوم آلاف وأكثر من مليون ولكن هؤلاء إستثنائيون بالنسبة لطبيعتنا البشرية الضعيفة. إنما بصلواتهم يحمي الله الارض من الطوفان. يجب ان لا نكون متشائمين مئة بالمئة.
الذين يصلّون في الخفاء ويلتصقون بيسوع لا يُطبّلون ويزمّرون أمامهم مثل الفرّيسيين، هؤلا ء يصلّون في السرّ في العمق، لا يشعر الناس بهم إلاّ إذا أراد الله أن يكشفهم لنا، إنما هم ملح الأرض الذي يحمي الارض من الطوفان ومن الفساد. بجميع الأحوال يبقى يسوع هو أمل الإنسانية الأوحد. بدون يسوع الغرائز تلعب دورها، بدون يسوع العالم يسير نحو الدمار، بيسوع المسيح يضع الناس أيديهم على قلوبهم ليراجعوا أنفسهم. العالم في خطر لأن يسوع غائبٌ عن وجدان كثيرين ممنّ يقودون العالم ولذلك علينا أن نصلّي بحرارة من أجل الذين يقودون الشعوب والممالك لكي يهديهم الله الى السبيل القويم لنعيش بسلام وأمان ممجّدين الله في كل حين، في القلب والفكر والحماس، مكرّسين أنفسنا للعمل الصالح الدؤوب بدلاً من الغرق في عيوب هذه الدنيا الفانية.
[1] هيلانة دويتش أنشأت بالإنكليزية كتاباً هاماً في جزئين عنوانه "بسيكولوجية النساء" مترجماً الى الفرنسية أيضاً: فيه فصل هام جداً في الموضوع تبين منه صحة رأي في أولوية الرجل.
الفصل الحادي والعشرون من كتاب :"وستعرفون الحق والحق يحرركم "
لقدس الشماس اسبيرو جبور

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات