31– اكتشاف جديد
كانت أمًّا. وكانت تصرف حياتها في خدمة أهل بيتها. وما كان لها اهتمام آخر. البيت والأولاد وإطعامهم وإلباسهم وتعليمهم وصحّتهم، هي اهتماماتها الوحيدة. وكبر الأولاد، وخرج كلّ واحد منهم إلى حياته. وأحسّت بفراغ كبير، ملأه اكتشاف جديد: حبّ الله.

هي كانت مؤمنة، ولكنّها، ككثيرين من أترابها، غرقت في القول الذي سرّبه الانحراف: "أنا مؤمنة، ولكنّي غير ممارسة"، وكانت تردّده بفخر! لم تخطر ببالها جسامة هذا الخطأ، قبل أن تجد نفسها في معيّة الله وشعبه. فصارت لها كنيستها اهتمامها الجديد.

لم تنسَ أنّها أمّ. ولكن دخلت حياتها مفاهيم جديدة، واحتلّتها. وصار همّها ألاّ يقع أولادها في خطئها القديم.

تألّمت كثيراً. إذ إنّها فهمت، متأخّرة، أنّ ما كان عليها أن تعتني به يتطلب عمرها، أي أنّ الأمومة لا تكمل ما لم تقد أولادها إلى الله أبيهم الحقيقيّ، ليحبّوه، ويخلصوا له. فقرّرت ألاّ تترك هذه الدنيا قبل أن تنقل إليهم اكتشافها الجديد.


32– شهادة في الغربة
حداها أهلها، في زمن الحرب، على ترك الوطن. وكان هدفهم سلامتها، وقالوا: تكمل دراستها الجامعيّة. وهكذا كان.
سافرت إلى بلد بعيد، وانخرطت في مجتمعه، ولكنها لم تنخرط في آفاته. بقيت حرّة.
كانت صبايا الجامعة، التي انتسبت إليها، يلفتهنّ جمالها وذكاؤها. ولكنّهنّ كنّ يسخرن من براءتها وعفّتها، ولا سيما أنّهم عرفوا أنّها ما زالت عذراء. وعندما سألوها عن السبب، ردّت عليهنّ: إنّنا، في بلدي، لا نفهم الحرية بعثرة، بل نفهمها التزاماً، والكثيرون بيننا ما زالوا يعتبرون أنّ الجنس إطاره الزواج، والزواج فحسب.


33– الله أوّلاً
كانت عائدة من سفرتها بعد غياب طويل. وكان موعد هبوط الطائرة، التي استقلّتها، صباح يوم الأحد. فأرسل لها أبوها إلى المطار سيّارة أجرة، لتنقلها إلى البيت. وذهب هو، كعادته، إلى الكنيسة ليشارك في الخدمة الإلهيّة.


34– المحسن
أتاه طالبًا عونًا لفقراء الرعيّة. فقدّم له مبلغًأ كبيرًا، وقال له: وزّعه كما أنت تعرف.

شكر له الرجل عطاءه السخيّ، وهمّ بكتابة وصل، باسمه، بالمبلغ الذي استلمه. فقال له المعطي: أرجو منك ألاّ تكتب اسمي. فخضع. ووضع على الوصل، مكان الاسم، عبارة: "مِنْ محسن". وسلّمه إيّاه.

استلم المتبرّع الوصل. ولمّا قرأ لفظة "محسن"، انزعج، وسأل زائره: هل تعرف معنى ما كتبتَ؟ وأضاف من دون أن ينتظر جوابه: إن الله، وحده، هو المحسن، ونحن بشر نحيا من خيره. إن كان هذا قصدك، فلا بأس بكتابة اللفظة. أمّا إذا كان الإحسان، برأيك، صفة تخصّني، فأطلب منك، الآن، أن تشطب اللفظة عن الوصل، حتّى لا يساء إلى الله وصفاته المقدّسة!


35– توبيخ نافع
نزح إلى المدينة بغية إيجاد عمل له. واستطاع أن يحصل على وظيفة في مؤسّسة كبيرة، كان يديرها إنسان تعبق به رائحة المسيح. فاهتّم مديره شخصيًّا له وبأموره. وكان يقلّه، يوميًّا، معه في سيّارته إلى مقرّ عملهما. وتقدّم الشابّ في العمل، وتحسّن وضعه، وامتلك سيّارة خاصّة. ولكنّه لم يستفد من أخلاق مديره. بل على العكس، صار يغترّ بنفسه، ويكابر، ويرفض أن يساعد غيره.

في صباح أحد الأيّام، بينما كان المدير ذاهبًا إلى عمله، رأى موظّفًا آخر يعمل في شركته عينها ينتظر سيّارة أجرة. وكان هذا الموظّف يقيم في بيت قريب من بيت ذاك. فأوقف سيّارته، وعرض عليه أن يقلّه معه.

في الطريق، سأله المدير: أليس منزل زميلك قريباً من منزلك؟ أجابه: بلى. فسأله مجدّدًا: فلماذا، إذاً، لا تتّفقان على موعد واحد، وتأتي معه في سيّارته؟ أجابه: سألته، ورفض.

انزعج المدير ممّا سمعه، ولكنّه لم يعلّق على الأمر. ولمّا وصلا، أرسل المدير بطلب الموظّف المقصود، ووبّخه على تصرّفه بقوله: لقد اهتممت بك شخصيًّا، وأعنتك بأمور كثيرة. وكنت أرجو أن تقتدي بما فعلته معك. وأضاف: أنا يعنيني جدًّا أن يكون كلّ موظّف، في هذه المؤسسة، إنسانًا قبل أيّ أمر آخر. الجهد يعنيني، والإنتاج والإخلاص في العمل أيضًا. ولكن هذه كلّها يبطل حسنها إن فقد أحدنا إنسانيته، فإن كان يصعب عليك أن تكون إنسانًا سويًّا، فأطلب منك أن تقدّم استقالتك من العمل فورًا!

صعق هذا الكلام الموظّف، ووبخ نفسه علنًا، ووعد مديره بأن يعمل ما يرضيه. فأجابه مديره: أنا لا يهمّني أن ترضيني، ولكن أن توافق خير الله الذي فيك!


36– ردّ على مديح
قال له بعد الخدمة الإلهيّة: إنّ عظتك اليوم كانت رائعة. فردّ عنه المديح، بقوله: قبل قليل كان الشيطان يقول لي الكلام عينه!