لطالما كان منطق الكنيسة في التّحضير للأعياد المهمّة والكبيرة غير منطق البشر في الموضوع نفسه. فإنّ الكنيسة تهيّئنا بالأصوام والصّلوات لاستقبال الأعياد على مثال عيد ميلاد ربّنا أو عيد الفصح المجيد وغيرهما، إلاّ أنّنا نحن نتهيّأ من خلال التبضّع للمأكولات والهدايا والزّينة وغير ذلك من الأمور الّتي نظنّ أنّها المهمّة في العيد والّتي ستجعلنا نشعر بـ"جوّ العيد".
في الخامس عشر من تشرين الثاني سنويًّا يبدأ صوم مهمّ من أصوام الكنيسة وهو صوم الميلاد الّذي يسبق عيد ميلاد ربّنا وسيّدنا يسوع المسيح بالجسد وذلك ليهيّئنا لاستقبال هذا العيد الكبير بشوق وابتهاج. يندهش معظم المسيحيّين الأرثوذكسيّين عند سماعهم بأنّ هناك صومًا يسبق عيد الميلاد، حيث أنّه "غير معروف" منهم، إلاّ أنّ عدم المعرفة لا تنفي صفة الأهميّة عن هذا الصّوم أو سواه. فعيد الميلاد معروفٌ بشريًّا بأنّه عيد تبادل الهدايا وعيد تزيين الأشجار والبيوت والافتخار بنوع الزّينة وثمنها كما أنّه عيد الطّعام بأشكاله وألوانه وموائده الممدودة إضافةً إلى كونه عيد حضور الحفلات الفنيّة والتي يحيي بعضها فنّانون "بمناسبة عيد الميلاد" والّتي متى حضرناها نصبح ممتلئين فرحًا لا يوصف بمشاهدة هذا الفنّان أو ذاك أو بالرّقص في هذه الحانة أو تلك من الحانات الّتي تتبارى في زيادة تعرفة الدّخول إليها "بمناسبة عيد الميلاد" الأمر الّذي يجعل بعض الناس يتهافتون إلى الأماكن الأغلى لكي يرضوا أنفسهم قائلين إنّ "العيد لا يأتي إلاّ مرّةً في السّنة فلماذا نبخل على نفوسنا؟".
كلّ الأمور الّتي ذكرناها وغيرها من التي لا يمكننا ذكرها والتي تحصل أيضًا بمناسبة العيد يفعلها بعض المسيحيّين لأنّها تضفي على العيد جوًّا مميّزًا برأيهم. لكن من هو صاحب العيد، المسيح أو نحن؟ هل يقوم أصدقاؤنا بحضور الحفلات ليحتفلوا بعيد ميلادنا من دون أن نكون نحن أصحاب العيد موجودين؟ هل يزيّنون بيوتهم ويولِمون بمناسبة ذكرى ميلادِنا من دون أن يدعوننا؟ بالحقيقة هذا ما يحدث تمامًا مع المسيح. فنلاحظ كيف تزدحم الطّرق والمحال التّجاريّة بمن يهرعون لشراء الزينة والأطعمة التي تتنوّع شكلاً ومضمونًا وسِعرًا، حيث يُقنع الناس أنفسهم بأنّهم يريدون استقبال المسيح بأبهى الحلل، إلاّ أنّ الحقيقة هي غير ذلك؛ فإذا زيّن جاري منزله أُسرِع إلى السوق لأشتري زينة أفضل من زينته لأكون أنا المميّز وليس المسيح.
لقد شدّد آباؤنا القدّيسون على موضوع الصّوم وأهميّته، إضافةً إلى موضوع طَرح الاهتمامات الدّنيويّة (على حسب ما نسمع في التّسبيح الشاروبيمي خلال القدّاس الإلهي). "جوّ العيد" بالنّسبة إلى الكنيسة نشعر به من خلال الصّلاة والصّوم اللّذَين نستعدّ بوساطتهما لاستقبال الحدث المهمّ. لكنّ فرحة العيد تكتمل بفرح مَن حولنا، أي إنّه علينا أن نقرن بين الصّلاة والصّوم وبين أعمال الرّحمة. فكم من مرّة نسمع يوميًّا عن مرضىً ومُتعبين وفقراء وأرامل وأيتام يحتاجون المساعدة ونحن لا نقوم بشيء لنساعدهم بل ننهمك في الأمور الماديّة؟ لقد أخبرنا الرّب عن لعازر الّذي ترأّفت عليه الكلاب لاحسةً قروحه، في حين أنّ الغنيّ كان يتنعّم بالملبس والمأكل والمشرب، ورأينا كيف كانت نهاية لعازر وعاقبة أفعال الغنيّ (لو 16: 19 – 31). للأسف، نجد الكنائس خالية من الناس (وبخاصّة فئة الشّباب) في عيدَي الميلاد وختانة الرّب (رأس السّنة) وذلك نظرًا إلى ساعات السّهر التي يقضونها بالمأكل والمشرب والرّقص. فالمسيح في أيّامنا هذه يأتي في مرتبة متأخّرة، هذا إذا تذكّرناه خارج الأوقات العصيبة، كما أنّ الله في هذه الأيّام "موضة قديمة" لا تناسب الشّباب بل هي لِمَن تقدّم بهم العمر وينتظرون مجيء ساعتهم الأخيرة.
في النّهاية، يمكننا الشّعور بجوّ العيد بالطّرق التي نريدها، إلاّ أنّ هناك طرقًا تجعلنا نشعر بالعيد طوال أيّام حياتنا، ألا وهي الطّرق التي تؤدّي بنا نحو الله، وكلّ ما عدا ذلك يمنحنا سعادة وقتيّة تنتهي مع انتهاء مفعول الطّعام أو الشّراب أو أيّ متعة أخرى.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات