تتذكّر الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في هذه الأيام الأب دانييل سيسوييف الذي تم اغتياله منذ سنة (19/11/2009) في كنيسة توما الرسول بموسكو التي كان يخدم فيها وذلك إطلاقاً للرصاص في وجهه على يد شخص مجهول كان يلبس القناع تمكّن من الهروب من مكان الجريمة ولا يزال التحقيق قائماً حتى الآن.
كان الأب دانييل معروفاً كمبشّر متحمّس يدافع عن حقيقة الإيمان الأرثوذكسي بحرارة وقد اكتسب سمعة " أقلّ كاهن تسامحاً مع الأديان والطوائف الأخرى". ومن أهمّ اتجاهات نشاطه تنظيم دورة لتأهيل مبشّرين من العلمانيين لنشر الأرثوذكسية عن طريق التحدّث مع الناس في الشارع. وكان معروفاً بالتبشير الناجح في الأوساط الإسلامية بين التتار والشيشان وكان من منظّمي الجدالات المفتوحة مع المسلمين مما سبّب انتقاداً ليس من طرف الأوساط الإسلامية ووسائل الإعلام فقط بل من الكهنة الأرثوذكس أيضاً. وقد أصدرعدة كتب ومقالات تهدف إلى إقناع المسلمين بحقيقة الأرثوذكسية وحذر المسيحيين من اعتناق الإسلام مثل: "الزواج من مسلم" ، "لماذا لم تتعمّد بعد؟" ، "الرد الأرثوذكسي على الإسلام" إضافة إلى كتب في مواضيع لاهوتية وكنسية مثل "لماذا نذهب إلى الكنيسة كل يوم الأحد"، "الزواج من غير مؤمن"، "أحاديث حول كتاب نشيد الأنشاد"، النصائح للخالدين أو ماذا تفعل في حالة موتك"، "جولة بروتستانتي في كنيسة أرثوذكسية" الخ.
تم دفن الأب دانييل والصلاة على روحه في 23/11/2009، وقال البطريرك كيريل في كلمته بعد الصلاة ما يلي:
"انقطعت مسيرة حياة الأب دانييل بسبب إرادة بشرية شرّيرة، وقد مات موتاً عنيفاً، رغم أنّ خدمة كاهن تبدو أكثر الخدمات سلاماً لأن الربّ نفسه دعانا إلى السلام، وكل ما يقوله الكاهن مخاطباً الناس يستند إلى ذلك النداء الإلهي الذي يدعونا إلى بناء حياتنا على أساس الناموس الإلهي وإقرار السلام في علاقاتنا مع القريب والبعيد. وعلى مدى ألفي سنة من وجود الكنيسة كان الكثيرون يقبلون هذه الدعوة للسلام الإلهي وقلوبهم تخفق بفرح. كان الناس ولا يزالون يفتحون قلوبهم وعقولهم للإنجيل حيث تجذبهم الحقيقة الإلهية. ورغم تجارب وإغراءات كثيرة وبغض النظر عن الصور النمطية السائدة التي تشكّل صورة أخرى للعالم غير تلك التي نجدها في الإنجيل، لا يزال الناس يحاولون تنظيم حياتهم على أساس كلمة الله.
ولكن من ناحية أخرى يشهد تاريخ الكنيسة الذي يبلغ ألفي سنة على شيء آخر وهو أن هذه الكلمة تشكّل بالنسبة للكثيرين تحدّياً كبيراً يطالب بإعادة النظر في حياتهم كلها وفي القوانين الداخلية التي يعيش الإنسان بحسبها. وفي بعض الأحيان ما تلقاه كلمة الله هو ليس دقّات القلب بابتهاج بل حقد لا يوصف، حيث يبذل الناس كل جهودهم لمحاربة كلام الله. ولا يشكّل عصرنا استثناء. فكما في الماضي كذلك اليوم فإن الكراهية البشرية توجّه العنف ضد الذين يشهدون على الحقيقة الإلهية. فليس من جديد في تاريخ البشرية. كما قال تيرتوليان فإن دم الشهداء هو بذور المسيحية. يواجه الذين يعلنون الحقيقة الإلهية الكراهية والعنف من طرف الذين لا يملكون غيرهما من الوسائل والذين يمنعهم حقدهم من الرؤية، وهم غير قادرين على مواجهة كلمة كاهن بالقلب والعقل، فلذلك يتدفّق على الكاهن من طرفهم افتراء وشتم أو حتى يرفعون يدهم عليه.
قد عمل الأب دانييل كثيراً من أجل إقرار الحقيقة الإلهية. قد شارك في كثير من المناقشات والجدالات بمختلف أنواعها وكان يدافع عن الحقيقة الإلهية بقدر مواهبه وقدراته. ولكن قد تكون أقوى كلمة نطقها هي ما نشهده جميعاً اليوم، أي إذا كان الإنسان يُقتل من أجل الحقيقة الإلهية فمعنى ذلك أنها تضرب وتجرح الذين لا يقبلونها، وأنّ لها قوة عظيمة. ولذلك فإن كل تاريخ المسيحية قد أكّد على صحة قول تيرتوليان. فكل دم جديد كان يسفك من أجل المسيح كان يزرع بذور الإيمان بغزارة فبعد ذلك كان يأتي الحصاد. نعرف أن حياة وموت الأب دانييل هما بذور كبيرة قد تم زرعها في تربة خصبة ولا بد من أن تأتي بثمارها.
نحن الذين كرّسنا حياتنا لخدمة الرب يجب أن نفكّر بعمق ونحن واقفون أمام هذا التابوت في معنى الكرازة في العالم المعاصر وطبيعتها وأهمية توصيل كل كلمة نقولها إلى قلوب وعقول السامعين من خلال خدمتنا، حتى لا تمضي أيام حياتنا على الأرض عبثاً بين الكسل وهدر الوقت. إننا نؤمن بأن الرب سيقبل نفس عبده في منازله السماوية لأنه كان مخلصاً للرب حتى الموت. فلتبق في قلوبنا ذكرى مؤبدة للأب دانييل الخادم الشهيد للرب."



مواضيع متعلقة :

1- لمحة عنه :

الشهيد الجديد، الأب دانيال سيسوييف، في سطور


2- خبر استشهاده :

الكنيسة الروسية تزف شهيداً جديداً.. وتتزين بدمه

حول الشهيد القس الروسي القس دانييل سيسوييف



ليذكرنا أمام وجه الرب بصلواته

آمين