يا أخوة أفيدونى - كيف لنا أن تعتبر الملك قسطنطين قديسا وهو من تعمد على يد أيوسابيوس النيقوميدى الأسقف الأريوسى و أول مناصر لأريوس ؟
Array
يا أخوة أفيدونى - كيف لنا أن تعتبر الملك قسطنطين قديسا وهو من تعمد على يد أيوسابيوس النيقوميدى الأسقف الأريوسى و أول مناصر لأريوس ؟
Array
أهلاً وسهلاً أخ أبو دافيد،
الإجابة لسؤالك نستخلصها من جلسات مجمع نقيقة، لنقرأ:
أجتمع جميع الأساقفة والإمبراطور والكهنة والشمامسة الشعب المدعوون في قاعة متسعة بساحة القصر الملكي حيث أعدت لهم كراسي، وأعد كرسي من ذهب للإمبراطور ووضع في المكان الرئيسي في القاعة، وعندما دخل الإمبراطور لم يشأ أن يجلس على الكرسي المذهب وسط هؤلاء الأساقفة والرهبان المتقشفين بل جلس على كرسي آخر في طرف القاعة حتى طلبوا منه أن يترك مكانه. ففعل وقادوه إلى صدر القاعة حيث جلس على الكرسي الذي أعد له من قبل، ثم جلس الآباء الأساقفة عن يمينه ويساره، أما الجمهور فقد جلسوا أو وقفوا علي جانبي القاعة، وذكر بعض المؤرخين أن الرئيس كان أوسيوس أسقف قرطبة في بلاد أسبانيا، وقال مؤرخون آخرون إنما أسقف غيره، ولما جلس الإمبراطور وسمح للباقيين بالجلوس في أماكنهم، وقف يوسابيوس القيصري أسقف قيصرية المؤرخ المشهور مؤلف كتاب تاريخ الكنيسة، وأرتجل خطاباً رحب به بقدوم الإمبراطور وتشريفه للمجمع وشكر محبته وسعيه نحو صالح الكنيسة.
فتحت الجلسات وتوالت وتميزت الجلسة الأولى بقيام الإمبراطور بإعطاء الحرية التامة للمناقشات في أمر الإيمان المسيحي، ولكن بشرط أن يتفق الأساقفة المجتمعين على رأي واحد، وكان الإمبراطور على ثقة أن الأساقفة أقيموا من الرب الإله لقضاء أمور العقيدة المسيحية، وإن أتفاقهم وإجماعهم على رأي واحد هو صوت الرب الإله في البيعة (الكنيسة).
بدأت المناقشات وأستمر الجدال في الجلسة الأولى وأنفضت الجلسة على غير طائل وبلا نتيجة.
في اليوم التالي قدم آريوس صورة إيمان مكتوبة على ورقة كلها تجديف، فكلف المجمع أحدهم بقرائتها عليهم وكانت كلها هرطقة وتجديف، وبعد أن قرأت أمر المجمع بتمزيقها قطعاً، فهاج حزب آريوس، وأحدث أضطراباً شديداً، مما أضطر القيصر بأن يستخدم شيئاً من قوته لتسكينه هو وأتباعه.
ثم أستمرت المناقشات بعد ذلك لمدة طويلة في جلسات متتالية، وفي النهاية قرر مجمع نيقية المكون من 318 أسقفاً وفقاً لتعليم الكتاب المقدس أن :
"المسيح هو ابن الآب حقاً، وأنه مساو للآب، وإله حق مع أبيه دائماً".
وافق حزب الأريوسيين على هذا القرار، ولكن علم الحاذقون والحكماء من الأساقفة أن هذه الموافقة لا تخلوا من خداع ونفاق فهم يتلونون كالحية، وأن هذا القرار لا يناقض ضلالهم إذا وافقوا به في المجمع: عن وحدة الطبيعة الإلهية وعدم أنقسامها ومساواة المولود لوالده في الألوهية والأزلية بلفظة "المساوي بالجوهر" فصارت العبارة الأخيرة فيما بعد تميز القويمي الرأي والمستقيمي الإيمان عمن سواهم ثم كتب المجمع دستور أو قانون الإيمان.
وقد أدان هذا المجمع تعاليم أريوس ووقعوا على هذا القرار الإلهي جميع أعضاء المجمع بدون إجبار وعن رضي تام وقبول وإرتياح، ما عدا قلة قليلة من حزب آريوس الهرطوقي قطعوا من خدمتهم ودرجاتهم الكهنوتية وحرموا، وكتب قرار بإبعادهم ونفيهم فنفذ الإمبراطور هذا القرار، وحرم أسقف نيقوميدية أوسابيوس مع ثلاثة أساقفة أخرين لتأييدهم لتعاليم أريوس، ولكن أوسابيوس وأسقف آخر أسمه ثاوغنس المنفيين فبعد أن كرس (أقام) المجمع بدلاً منهما في كراسيهما وسارا مسافة في طريق النفي ندما ورفعا صورة توبتهما إلى المجمع برجوعهما عن أفكار آريوس فقبلا توبتهما وردهما المجمع إلى كراسيهما، وأرسل الأسقفين اللذين رسمهما بدلهما إلي أيبروشيتين أخريين.
أما أريوس فإنه في البدء أُرسل إلى نيقوميديا مكبلاً بالقيود، ثم نفي بعد ذلك إلى الليريا… إلا أنه علىي الرغم من هذه التدابير فإن هذه المحاولة للتهدئة لم تنجح، لأن أصدقاء أريوس أستمروا في نشر مبادئه وتعاليمه… ولذا أقتنع قسطنطين – بواسطة العناصر المهادنة للأريوسية والمحبة لها، وتأثر بهم. مما جعله يستدعي أريوس من منفاه عام 327. وبعد تحريض من أسقف نيقوميديا عرضوا صيغة إعتراف إيمان على الأمبراطور أخفوا عنه فيها حقيقة عقيدة أريوس، وكانت كنيسة نيقوميديا قد وافقت على هذه الصيغة في المجمع الذي عقد بها.
إلا أن الأرثوذكسيين في مصر لم يجبروا على منح أريوس العفو. حتى أن الكسندروس أسقف الأسكندرية وأثناسيوس الذي خلفه لم يقبلاه في الاسكندرية. ولم يرغب قسطنطين حينئذ أن يؤزم المسائل أكثر بأن يفرض على أسقف الاسكندرية بأن يقل أريوس. بل أنه في الواقع عندما طلب أنصار أريوس من الأمبراطور برسالة محررة بلهجة شديدة أن يتدخل لأجل تأمين عودة أريوس إلى الاسكندرية، غضب قسطنطين وأعاد أدانتهم بمرسوم آخر أسماهم فيه "بالبورفوريين" أي أنهم مشايعون لتعليم "بورفيريوس".
وبعد وساطات متعددة غيروا مرة أخرى من مشاعر قسطنطين ورحل أريوس إلى القسطنطينية حيث أعترف بالإيمان الأرثوذكسي أمام الإمبراطور وتمسك بأن يصير مقبولاً بطريقة رسمية على نطاق أوسع بالكنيسة. إلا أن الأمر بتحديد موعد بقبوله في كنيسة القسطنطينية قد تلاشي نهائياً، إذ أن أريوس سقط ومات في مرحاض عام فجأة ليلة الموعد المحدد لقبوله.
وعند عرض قانون الإيمان والاناثيما (الحـــرم علي آريوس وأتباعه) على المجمع، وافق عليهما 315 من أصل 318 أسقفاً. والأساقفة الذين رفضوا التوقيع هم: يوسابيوس أسقف نيقوميديه، ثيوجنيوس أسقف نيقيه وماريس أسقف خلقيدونيه. ولكن عندما أعلن الإمبراطور قسطنطين أن من يخالف قرارات المجمع سوف يتعرض للعزل من منصبه، وافق ماريس على اعتماد قانون الإيمان والحرمان، في حين قبل يوسابيوس وثيوجنيوس التوقيع على قانون الإيمان فقط في حين رفضا التوقيع على الاناثيما. ثم أصدر قسطنطين مرسوماً بحرمان معتقدات أريوس وبحرق كتبه.
وعند نهاية مجمع نيقية المسكوني، كتب الأساقفة المجتمعون رسالة لكنيسة الاسكندرية وأرسلوها مع البابا الكسندروس لقراءتها عند عودته لمصر، ونص الرسالة كالآتي:
"إلى كنيسة الإسكندرية المقدسة والعظيمة بنعمة الله، وإلى أخوتنا الأحباء في مصر وليبيا والخمسة المدن الغربية، الأساقفة المجتمعون في نيقية والأعضاء في مجمعها المقدس العظيم يسلمون عليكم في الرب.
بنعمة الله وبدعوة من قسطنطين الأمير المحبوب من الله اجتمعنا من أقاليم ومدن مختلفة في نيقية لتكوين مجمع مقدس وعظيم. وقد قررنا ضرورة إرسال هذه الرسالة إليكم من قبل المجمع حتى تعرفوا الأمور التي عُرضت على المجمع والمباحثات والقرارات والاعتمادات التي توصلنا إليها.
في البداية وتحت أعين امبراطورنا قسطنطين المحبوب من الله ناقشنا عقيدة أريوس المنحرفة والغير مستقيمة، وقد قررنا بإجماع الآراء حرمان هذه المعتقدات واعتبارها أناثيما.
كما نعلن لكم بكثير من السرور أننا قد توصلنا لاتفاق على موعد احتفالات عيد القيامة، وأنه بفضل صلواتكم تم التوصل لوحدة بين كل المسيحيين في هذا الشأن.
افرحوا إذن لما تم التوصل إليه ولحكم السلام والمودة ولاندحار الهرطقات. واقبلوا بكل الإكرام والمحبة اللائقيّن أخينا وأسقفكم الكسندروس، الذي عمل بكل مثابرة رغم تقدم سنه على انتصار السلام.
وأخيراً، صلوا من أجلنا جميعاً، حتى يقبل ربنا يسوع المسيح ويدعم الأمور التي ارتأيناها جيدة، والتي قضينا بأنها أعتُمدت بإرادة الله الآب ومن خلال الروح القدس، الذي له المجد إلى أبد الآبدين. آمين"
المرجع: كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، الأسقف أيسذورس، الجزء الأول، صفحة: 289 - 293.
صلواتك.
:sm-ool-322:
Array
أخي أبو دافيد، أنا سألت نفسي هذا السؤال أيضاً فيما مضى..
وكان الجواب، هو في معرفة أحوال الناس في ذلك الوقت.
قبل الجواب، يجب أن نعرف أن أوسابيوس لم يكن آريوسيا، بل كان من الجماعة النصف آريوسية، والتي تقول بأن للكلمة طبيعة مشابهة لطبيعة الآب. وثانياً، كان أوسابيوس في ذلك الحين أسقفاً قانونياً بغض النظر عن أنه كان يتبع بدعة أنصاف الآريوسيين.
فقد كانت هناك فكرة خاطئة عند عامة الشعب، وهي أن يؤجل المرء معموديته حتى نهاية حياته. لأنه كان يخشى من السقوط في الخطيئة بعد المعمودية.
وهذا كان حال الملك قسطنطين، ولذلك هو عندما أحس بدنو أجله، طلب إلى أوسابيوس الذي كان صديقاً مقرباً منه أن يقوم بتعميده.
فلذلك يُنظر للموضوع من هذه الزاوية، أي من خلال وضع قسطنطين الملك والممارسة التي كانت موجودة في ذلك العصر، ومن خلال قانونية أسقفية أوسابيوس القيصري.
أما القول بأنه عقد نيقية ودافع عن الإيمان وما إلى ذلك كما جاء في كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، فهذا لا يغني ولا ينفع. لأن الرب قال، في الرسالة إلى العبرانيين: انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم.
فلا يهم ما فعله في حياته، بقدر ما يهمنا ما هو الوضع الذي مات عليه.
فلذلك من خلال معرفتنا للتاريخ، نستطيع أن نفهم لماذا أعلنته الكنيسة قديساً، وليس من خلال أعماله في المجمع المسكوني الأول، التي كثيراً ما نقضها بنفيه المتكرر للقديس أثناسيوس الكبير.
صلواتك
المفضلات