المصدر الأول والأخير للمسيحية، هو الرب نفسه... فالله بعد أن كلمنا بطرق عديدة، كلمنا في الايام الأخيرة بابنه.
والابن مستمر وجوده بيننا من خلال الكنيسة التي هي جسده الحقيقي وليست الرمزي، وهذا يتضح جلياً في تعليم القديس كيرلس الكبير الذي استفاض في هذا السر العظيم، سر الكنيسة.
فلذلك الكنيسة هي مصدر وحافظة إيماننا بقدر ما هي جسد المسيح السرّي.
أما الكتاب المقدس، فكتب لكي نؤمن وليس لكي يكون موضع إيمان.. فهدفه أن يشرح ويعلم، لا ان يكون مكان الكنيسة. التي هي موضع إيمان، بحسب نص دستور الإيمان.
ومهما علت مكانة الكتاب المقدس، فهي لا تعلو على مكانة الرسل في الكنيسة. وهذا يتضح جلياً في رسائل القديس أثناسيوس الفصحية، عندما قال -بما معناه-: عندما كان تيطس وتيموثاوس ملازمين للقديس بولس الرسول، لم يكن هناك داع لكتابة الرسائل لهما. وهذا يعني أن القديس بولس أعلى وأهم من الكتاب المقدس (الرسائل التي كتبها).
إن فرادة الكتاب المقدس في الكنيسة، ليس لأنه وحياً إلهياً. بل لأنه الكتاب الذي دوّنه الرسل، وهو الكتاب الوحيد الذي تستطيع أن تقرأه دون أن يعتريك شك في صحة ما جاء به.
أما بالنسبة للوحي، فكل تعليم ينطق به قديس أو مجمع مسكوني كان أو محلي، توافق عليه الكنيسة وتتبناه، فهو لا يقل وحياً عن الوحي في الكتاب المقدس. لأن الروح الذي أوحى لبولس ويوحنا وبطرس، هو هو نفسه الذي أوحى بحسب احتياج الكنيسة لأثناسيوس وكيرلس وكل آباء الكنيسة وقديسيها.
وهنا يختلف تعليم الكنائس الثلاثة التقليدية، بحسب ما أعتقد، عن الجماعات المستحدثة أو الأديان الأُخرى. التي لا ترى إلا ما تسميه كتابها المقدس وحياً إلهياً.
وكل هؤلاء الموحى لهم من الرب، وبولس الرسول نفسه، يخضع للكنيسة. فإذاً حتى رسائله، التي هي جزء من الكتاب المقدس، تخضع للكنيسة.
ليس كلام الكتاب المقدس ما يصون العقائد، لأنه كما قال الأخ مايكل، حتى الهراطقة إلى يومنا هذا يستشهدون بالكتاب المقدس. فما يصون العقائد هو الروح القدس الذي يحيا في الكنيسة التي هي جسد المسيح.
يكون الكتاب المقدس حافظ للعقائد، بحسب استعماله، وليس من تلقاء ذاته. أي أن يكون القارئ له قويم الإيمان، مصلي.. فحينها ينير الروح القدس له دربه ويرشده إلى الفهم الصحيح لنصوص الكتاب المقدس.
الكتاب المقدس هو قدس أقداس تعليم الكنيسة، ولكنه ليس قدس أقداس المسيحية. وبطبيعة الحال ليس مصدر الإيمان، ولكنه شاهداً حياً متنقلاً عبر الأجيال للإيمان. فمعه نشعر وكأننا في حضرة الرسل الأطهار نجلس تحت أقدامهم ونستمع لما يبشروننا به.
نحن عرفنا الله أولاً، بعد أن كشف لنا عن نفسه، ومن ثم كتبنا عنه بحسب ما أوحى لنا هو به. ولم يأتِ كتابا ً من السماء، فعرفنا الله من خلاله.
فإذاً مصدرنا هو الله نفسه، وليس أي شيء آخر، مهما علت أو قلّت مرتبته.
في التاريخ لدينا الكثير من الشهداء الذين آمنوا وماتوا وهم لم يسمعوا عن الكتاب المقدس حتى. وهذا الموقف الغريب بظاهره، لا يُفهم لو كان الكتاب المقدس مصدر للإيمان.
وإن عدنا للتاريخ القديم، حتى عصر ابينا ابراهيم، فسنجد مدة طويلة من الزمن تقارب الـ 400 عام بحسب الآراء التقليدية و1000 عام بحسب آراء حديثة نسبياً، لم يكن فيها من كتاب مقدس.
فهل هذه الشعوب التي آمنت كانت بدون مصدر للإيمان؟ وهل الكنائس كلها كان لديها نسخة كاملة من العهد الجديد في العصور القديمة؟ أم كان عندها نسخ لبعض كتابات العهد الجديد؟ وبالتالي هل كان مصدر إيمانها ناقص؟
ملاحظة أخيرة: ليست كل جماعة تؤمن بالثالوث القدوس وبتجسد الابن، هي كنيسة. فالكنيسة هي جسد المسيح قبل أن تكون جماعة المؤمنين. فشرط تكوين الكنيسة هي أن تعيش هذه الجماعة بحسب مشيئة الرب وتعليم الرسل والقديسين، وليس على هواها. ولا يشكل الكنيسة -أي لا يجعل هذه الجماعة المؤمنة كنيسة- إلا سرّ الافخارستيا. ففي هذا السر العظيم، نتحد نحن والرب ونصبح جسده وبالتالي نكون كنيسته.
صلواتك

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات