على باب الهيكل
قد طهرت شفتي بالنار المقدسة لأتكلم عن الحب،ولما فتحت شفتي للكلام وجدتني اخرس.
كنت أترنم بأغاني الحب قبل أن اعرفه،ولما عرفته تحولت الألفاظ في فمي إلى لهاث ضئيل والأنغام في صدري إلى سكينة عميقة.
وكنتم أيها الناس فيما مضى تسألونني عن غرائب الحب وعجائبه،فكنت أحدثكم وأقنعكم. أما الآن _ وقد غمرني الحب بوشاحه - فجئت بدوري أسألكم عن مسالكه ومزاياه،فهل بينكم من يجيبني؟ جئت أسألكم عما بي واستخبركم عن نفسي،فهل بينكم من يستطيع أن يبين قلبي لقلبي ويوضح ذاتي لذاتي؟
ألا فاخبروني ما هذه الشعلة التي تتقد في صدري وتلتهم قواي وتذيب عواطفي وميولي؟
وما هذه الأيدي الخفية الناعمة الخشنة التي تقبض على روحي في ساعات الوحدة والانفراد،وتسكب في كبدي خمرة ممزوجة بمرارة اللذة وحلاوة الأوجاع؟
وما هذه الأجنحة التي ترفرف حول مضجعي في سكينة الليل فاسهر مترقبا ما لا اعرفه،مصغيا إلى ما لا اسمعه،محدقا فيما لا أراه،مفكرا بما لا افهمه،شاعرا بما لا أدركه، متأوها لان في التاوه غصات احب لدي من رنة الضحك والابتهاج،مستسلما إلى قوة غير منظورة تميتني وتحييني ثم تميتني وتحييني حتى يطلع الفجر ويملا النور زوايا غرفتي فأنام إذ ذاك وبين أجفاني الذابلة ترتعش أشباح اليقظة وعلى فراشي الحجري تتمايل الأحلام.
وما هذا الذي ندعوه حباً؟
هل بينكم من لا يترك اباه وامه ومسقط رأسه عندما تناديه الصبية التي أحبها قلبه؟
وقفت بالامس على باب الهيكل اسأل العابرين عن خفايا الحب ومزاياه
فمر امامي كهل مهزول القامة كاسف الوجه وقال متاوها:الحب ضعف فطري ورثناه عن الانسان الاول
ومن فتى قوي الجسم مفتول الساعدين وقال مترنما :الحب عزم يلازم كياننا ويصل حاضرنا بماضي الاجيال ومستقبلها
ومرت امرأة كئيبة العينين وقالت متنهدة: الحب سم قتال تتنفسه الافاعي السوداء المتقلبة في كهوف الجحيم فيسيل منتشرا في الفضاء ثم يهبط مغلفا بقطرات الندى فترشفه الارواح الظامئة فتسكر دقيقة ثم تصحو عاما ثم تموت دهرا.
ومرت صبية موردة الوجنتين وقالت مبتسمة :الحب كوثر تسكبه عرائس الفجر في الارواح القوية فيجعلها تتعالى متمجدة امام كواكب الليل وتسبح مترنمة امام شمس النهار

ولما جاء المساء وسكنت حركة العابرين سمعت صوتا آتياً من داخل الهيكل يقول: الحياة نصفان:نصف متجلد ونصف ملتهب.فالحب هو النصف الملتهب.
فدخلت الهيكل إذا ذاك وسجدت راكعا مبتهلا مصليا هاتفا:اجعلني يا رب طعاما للهيب- اجعلني ايها الاله ماكلاً للنار المقدسة.آمين

جبران خليل جبران