تبدأ كنيستنا المقدّسة بتهيئتنا لاستقبال الصّوم الأربعيني المقدّس من خلال أناجيل تُتلى على مسامعنا كي نتّعظ منها، ليس فقط خلال الصّوم المقدّس بل خلال حياتنا بأكملها. من هذه المقاطع يُتلى علينا الإنجيل المتكلّم على المرأة الكنعانيّة.
تستوقف قارئ هذا الإنجيل عدّة مواقف، لن نتطرّق إليها كلّها، إنّما سنستعرض موقف التّلاميذ من المرأة التي اتّجهت إلى المسيح طالبةً الرّحمة، "فدنا تلاميذه وسألوه قائلين: إصرفها فإنّها تصيح في إثرنا" (متى 15: 23)، لكنّ المسيح أجابهم قائلاً: "لم أُرسَل إلاَّ إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل" (متى 15: 24).
يظهر جليًّا في هذا النصّ الإنجيلي التباين بين موقف كلٍّ من التّلاميذ والمسيح، في حين أنّه كان حريًّا بالتّلاميذ أن يفكّروا مثل معلّمهم، لكنّهم برهنوا عن بشريّةٍ محضةٍ.
لقد خُلقنا كلُّنا على صورة الله ومثاله، إذًا نحن نحمل في داخلنا بذورًا إلهيّةً علينا تنميتها، ومن أهمّ هذه البذور المحبة. فكون "الله محبّة" يعني أنّنا نحن أيضًا مدعوّون لنفيض بهذه المحبّة ونظهرها للآخرين. لقد كان تلاميذ المسيح يحيون مع كمال المحبّة، إلاّ أنّ الضعف البشريّ كان الغالب في بعض مواقفهم كما هي الحال مع الكنعانيّة.
هذا الأمر لا يزال يحصل مع من يُفتَرَض أن يكونوا تلاميذ المسيح في عصرنا الحالي، أي مع كلّ مسيحيٍّ. إنّ المحبّة تفتر في أيّامنا، الأمر الذي يظهر في أعمالنا اليوميّة. مثلاً، يستيقظ التلميذ كلّ يوم ليذهب رغمًا عنه إلى المدرسة حيث يقوم، بدلاً من الدّراسة، بأعمالٍ تسيء إلى أساتذته ورفاقه وتاليًا إلى نفسه؛ كما يستيقظ الأستاذ يرافقه الشعور نفسه، فيذهب إلى عمله ويسيء معاملة تلامذته بدلاً من إفادتهم. إذا تحلّى كلٌّ من التلميذ والأستاذ بالمحبّة لَسادت الأجواء الملائمة للدراسة واستفاد الجميع وسط جوٍّ من الفرح والعطاء والمشاركة. هذا مثال صغير على عدم ممارستنا أساليب المحبّة.
تصادفنا في كلّ لحظةٍ فرصةٌ جديدة للبرهان عن بنوَّتِنا لله وعن كوننا مخلوقين ومجبولين على صورة الله – المحبّة. كم من مرّةٍ نتنازع مع الآخرين على الطرقات ونحن نقود سيّاراتنا و"نَطحَشُ" عليهم بطريقة أنانيّة لكي نمرّ أوّلاً، بدلاً من أن نفتح لهم الطّريق ليمرّوا بسلام، من دون أن نشتم أو نجعلهم يشتمون، وتاليًا يقعون في الخطيئة عوض مساعدتهم على الوصول إلى تمجيد الله من خلال أفعالنا؟ كم من مرّة يحصل نزاع على موقف سيّارة، ويصل الأمر إلى الضرب وحتّى إلى رفع السّلاح في وجه الآخر، عوض التخلّي عن الأنا للبرهان عن المحبّة؟ كم من مرّةٍ نُحَقِّرُ الآخر غير آبهين بشعوره وناسين أنّه أيضًا مخلوق مثلنا على صورة الله ومثاله؟ كم ربّ عملٍ تسبّب بالأذى لموظّفيه بسبب تسلُّطه، ناسيًا أنّه لم يكن ليصل إلى ما هو عليه لو لم يمنحه الله إيّاه؟ كم موظّف ينمُّ على ربّ عمله الذي يؤمّن له فرصةً ليبقى عائشًا بطريقة لائقة؟
إذًا، الأمثلة كثيرة عن كيفيّة فقدان المحبّة. وحتّى لو ظهرت بعض الأمثلة بسيطة وربّما سخيفة، إلاّ أنّ بعض الناس لا يحتاجون طرقًا معقَّدةً لكي نجعلهم يشعرون بمحبَّتِنا تجاههم، وتاليًا محبّة الله لهم. لقد سألَنا الكتاب المقدّس سؤالاً مهمًّا جدًّا هو أنّه كيف يمكننا أن نحبّ الله الذي لا نراه في حين أنّنا نكره أخانا الذي نراه؟ المسيح جاء، كما قال لنا، لا لينقض بل ليتمّم، وقد تمّم الشريعة والناموس وزاد على الوصايا واحدة جديدة وعظيمة وتلخّص كلّ ما سبقها بكلمة فقط: المحبّة. مَن فيه المحبّة لا يقتل ولا يزني ولا يشهد بالزّور... مَن فيه المحبّة يتأنّى ويرفق ولا يحسد ولا يتفاخر ولا يأتي قباحةً...
الضعف البشري يجعلنا نسقط أحيانًا في عدم المحبّة، ولكن علينا ألاّ نجعل هذا الضعف ذريعةً يشرِّع لنا الخطيئة. بدلاً من التّفكير بضعفنا، دعونا نفكّر بأنّ خالِقَنا هو إلهٌ عظيمٌ، وتاليًا نحن عظماء ونحمل في داخلنا صفاتٍ إلهيّةً. إلهنا هو المحبّة الفائقة، ونحن نحمل بذور هذه المحبّة التي علينا تفعيلها ومَنْحها للجميع مجانًا مثلما نلناها. كُلُّ إنسانٍ أمامنا مخلوق مثلنا على صورة الله ومثاله، إذًا كلّما نظرنا إلى أحد نشعر بالوجود الإلهي في حياتنا، ومتى أحببنا الآخر كنّا كمن يقدّم محبّتَه لله. الله أحبّ العالم لدرجة أنّه بذل ابنه الوحيد فداءً عن العالم، فهل نحن مستعدّون للتشبّه بهذه المحبّة حتّى نكون أبناء لله؟

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


المفضلات