لكي لا ننـــسـى الجزء السادس
المثلث الرحمات البطريرك
الياس الرابع معوض
1914 ـ 21 / 6 / 1979
حول برنامج وتفاصيل زيارة المثلث الرحمات البطريرك الشهيد القديس الياس الرابع معوض إلى أميركا الشمالية عام 1977 ، وبمناسبة مرور خمس سنوات على انتقال غبطته ، أصدر المثلث الرحمات المطران الياس قربان مطران طرابلس عام 1984 كتاباً تحت عنوان / " رجـــل المـحـــبـة " / ، وكان من إخراج دائرة الطباعة في مكتبة السائح ـ طرابلس .
ويقول سيادته في كلمة الناشر أنه " نظراً إلى أهمية الزيارة التاريخية ... ابتداءً من 15 أيار إلى الخامس من شهر آب سنة 1977 رأيت وكنت رفيق الرحلة أن أجمع في كتاب ما صدر عن مكتب مطرانية أميركا الشمالية من سرد للحوادث ووقائع الزيارة ... لقد تركت الزيارة بصمات لا تمحى كما شدت الروابط بين الكنيسة الأم والمهجر الأرثوذكـــسي ".
وشارك قدس الأرشمندريت رومانوس جوهر في الكتاب بمقال أنقله للتوثيق والتأريخ لما فيه من معلومات جديدة من سيرة راحلنا الكبير ، ليطلع عليه من يهمهم من تاريخ وسيرة ومسيرة رجل من كبار رجال أنطاكية العظمى ، وكان بعنوان :
/ " البطريرك الياس الرابع معوض في ذكراه الخامسة " / .
/ "خمس سنوات مضت على انتقال البطريرك الياس الرابع معوض إلى الرفيق الأعلى وكأنها أمس الذي عبر كما يقول النبي ، فما زال ملء السمع والبصر وما زال في أذهان الكثيرين تلك القوة النابضة بالحياة ، والشخصية المتفجرة بالمروءات والنبل والعبقرية .
إن الرجل العظيم كالخمرة ، كلما تقادم عهدها كلما ازدادت طيبة ونكهة ومذاقاً ، وهو كالحياة يسمو ويترسخ في النفوس بأفكاره ومواقفه وتحدياته ، يتجرد من ماهيات المادة ويبقى ذكرى مجيدة يسكن إليها المرء ، ويأنس إلى ظلالها في حر الهجيرة ، وهل من هجيرة أشدّ مضاضة على النفس من تلك الأيام التي مرت بلبنان ، وكان هو موئل ظلها ومنتجع روّادها ، فيلاقون عنده خير ما يلاقي الإنسان .
أنا رافقت بطريركنا الخالد الذكر منذ كان يافعاً ، فكنت تربه ، وعرفته كما يعرف المرء نده وصديقه ، ولقد ازددت معرفة به يوم دعته الجالية البرازيلية لزيارتها ، إذ بقينا هناك معاً مئة يوم ، كنت فيها كظلّه ، ولكن كنت يومها تواقاً إلى اقتناص حقيقة مواقفه الروحية والوطنية والثقافية ، وإلى ما كان يحتويه من مشاعر كريمة ، وليس مثل السفر وسيلة لمعرفة حقيقة الإنسان ، إذ تبدو أمامك مجردة من تكاليف الدنيا ، ومن نواتيء الحياة الإجتماعية .
عرفته إنسانا ، وحسب المرء أن يكون هكذا ، مؤمناً بالله وبالحياة وبالوطن ، ومن هذا المنطلق ترجم إيمانه أعمالاً وإخلاصاً وموضوعية وصدقاً لا يخاف في الحق لومة ، ولسوف ينصفه التاريخ ،إذ يكتب عن مرحلة مرت بها هذه المنطقة ، ترك هو على صفحاتها بصمات كريمة ، عصمت البلاد يومها من مجزرة لا تبقي ولا تذر .
في أميركا كان صوته يجلجل ويهدر، مدافعاً عن أسمى القيم الروحية والوطنية يجابه التيارات المعادية ، يسمي الأشياء بأسمائها غير هياب ، لكي تبقى كلمة الحق هي العليا ، ولتبفى قضية الوطن هي المثلى .
أجل هذا كان موقفه هناك وهذا موقفه هنا ، تماماً لم يتغير ولم يتبدل ، لم يكن يماري ، وهذا ما سبب له متاعب جمة ، وناصبه العداء أقرب المقربين إليه ، والذين نالهم من خيراته وخدماته جليل المناصب .
أذكر ذلك ولا أنساه أننا كنا في الأرجنتين ، وإذا بنا نرى من حولنا القوى المسلحة تطوق الدور التي نقطنها وتقف على مفارق الطرق لتحمي البطريرك من غدر الصهيونية ومن تآمرها ، عرفنا ذلك بعد أن أسر لنا أحد رجال المخابرات قائلاً بأن تصريحات البطريرك أقضت مضجعها وهزت كيانها في أميركا الجنوبية ، فتيقظت حكومة الأرجنتين واتخذت هذه التدابير الاحترازية .
ثم أذكر أيضاً ما كـان لمواقفه الوطنية من ردود فعل في أوساطنا المغتربة ، ضد الطائفية بجميع أشكالها ووجوهها ، وكم كـان يؤلمه ويقض مضجعه مـا كانت تبذره الصهيونية من بذور الفتن بين المواطنين لينالوا من لبنان ومن غير لبنان مـآربهم .
هذا هو البطريرك في الحقول العامة ، أما منطلقاته الذاتية فحدث عنها ولا حرج ، لقد كان قلبه مفتوحاً للناس بالمحبة والنعمة والعمل والعطاء ، انفتاح أبواب البطريركية بوجه الناس أجمعين ، وكان شعوره الخاص أنه مسخر لخدمة العباد من أية طائفة هم ،إذ كانت الناس تأتيه أفواجاً فيلاقون عنده العطف والسعي والتفاني والإخلاص .
في يوم ما ، حاول أحد السادة الوكـلاء أن يجعل من دار البطريركية في دمشق حصناً لا يدخله ذوو الحاجة إلا بموعد سابق ، كما لو كـانوا سيقابلون وزيراً أو أميراً أو رئيس دولة من رؤساء هذا العالم ، فثارت ثائرته لهذا التدبير ، ولا سيما عندما علم أن امرأة فقيرة بقيت أربعة أيام تحاول مقابلة البطريرك فلم يؤذن لها .
أجل كان يجد لذة في مساعدة الناس ويشعر بالنشوة يوم يتوفق إلى خدمة ملهوف ، ولكم سمعت منه أشياء كثيرة ولا سيما حين توسط في حل مشكلة زحلة فرفع السكين عن رقاب الألوف في لبنان .
قد يأتي يوم وهو ليس ببعيد تظهر فيه حقيقة هذا البطريرك العظيم ، وما قام به من أعمال ، كانت يومها ملء السمع والبصر .
إذاً إن تكلمت عما رأيت وسمعت ، فلذلك خدمة للحقيقة وللتاريخ ، وإني كنت معجباً بما لمست في نفسه من ضمير ، وما في ذهنه من يقظة ، وما يملك من شيم التسامح والجرأة ، إنه مجموعة مواهب نادرة، قل أن تجمعت في إنسان ، ولكن مع هذا كله ، ما رأيته قط متشامخاً ولا مستكبراً ، بل على النقيض إنه الرجل المتواضع ، والراهب المتقشف الورع ، يقابل الكيد بالمروءة ، والنميمة بالمحبة ، تماماً كالذي قال عنه الحكيم ابن سيراخ : " يا بني إن أقبلت لخدمة الرب فاعدد نفسك للتجربة " ، وهكذا سدّدت إليه سهام الحسد وكيد الكائدين ، وكان يؤلمه كثيراً نكران الجميل ، ولكنه كان أسمى من أن تناله هذه كلها بسوء ، أو تخرجه عن طوره أو تنزله إلى المستوى .
البطريرك الياس الرابع معوض رجل بذ الرجال في قدرته على العطاء ، فعاش متقشفاً وترك الملايين ، حرم أهله الفقراء من زاده الخاص ، ليعطي الكنيسة ، ولينفق على أبناء الحياة من الكنيسة وغير الكنيسة ، فبالإضافة إلى هذه كلها ، إنه العالم العميق واللاهوتي الضليع والمؤلف البارع والخطيب المفوه ، لقد خبرته بنفسي في أميركا ، فهو يقف مرتجلاً ما لا يقل عن ساعتين ، يخرج العتق والجدد ، وله المؤلفات العديدة ، وكان أحب الرسل إليه بولس الرسول ذو الكلمة النارية الملتهبة والجرأة التي لا تدانيها جرأة ، والمقدام الذي لا يعرف المهادنة ولا المواربة .
أجل ... خمس سنوات مضت ، ونحن مازلنا نذكره ، القلب غصة والعين دمعة ، وفي النفس مرارة ، وما أحوجنا إليه في هذه الأيام ، يبقى لنا الصوت الصارخ في برية القحط : أعدّوا طريق الرب واصنعوا سبله قويمة ، وإن الفأس قد وضعت على أصل الشجرة ، وكل شجرة لا تثمر أثماراً جيدة تقطع وتلقى في النار .
فيا رسول الأرثوذكـــسية الجديد تشفع لدى الرب أن يحمي كنيسته ويصونها من عبث العابثين الذين زاغوا عن كلمة الحق وذهبوا وراء الباطل " / .
الأرشمندريت
رومانوس جوهر
قدس الأب رومانوس جوهر : بمرور اثنا وثلاثين عاماً وليس خمس سنوات يبقى ما ذكرته على حاله وهذا يدل على أن ذكرى العظماء لا تموت ولا تفنى ، بل هي خالدة مهما حاول البعض نسيانها أو تناسيها قصداً أو عفواً أو محاولة طمسها.
واسمح لنفسي هنا بذكر حديثين منقولين عن المثلث الرحمات البطريرك الشهيد والقديس الياس الرابع معوض :
1 ـ يقول المذيع التلفزيوني الأستاذ رجاء فرزلي بأن بطريركنا الراحل أعلمه ـ بما معناه ـ بأنه مل وسئم من عقوق وتمرد وخيانة بعض من كان يعتبرهم أوفياء له .
2 ـ ويقول الدكتور جوزيف زيتون نقلاً عن المثلث الرحمات الأسقف متري حصني بأن بطريركنا الراحل أعلمه بقول تحقق للأسف بعد ساعات : / " خلص ... سأترككم " / .
يا معلمي ويا أبتي الياس الرابع معوض أنا واحد من كثيرين باقين حتى يوم الحساب على ذكرك ، ولك منا جميعاً محبتنا وشوقنا ،وعلى رجاء القيامة نطلب شفاعتك وبركتك .
اليان جرجي خباز

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات