بالنسبة للفقرة الأولى، أنقل لك من تاريخ كنيسة أنطاكية للدكتور أسد رستم، ج1
اختلف المؤمنون الأولون في اليوم الذي يذكرون فيه الآلام واليوم الذي يبتهجون فيه بالقيامة. وانقسموا لفريقين. فكانت كنائس آسية الصغرى وقيليقية وسورية الشمالية وبين النهرين تقيم هذه الذكرى في أي يوم من الأسبوع يوافق وقوعه الرابع عشر من شهر نيسان -العبري- والسادس عشر منه. أما كنائس اليونان وإيطاليا وإفريقية ومصر وفلسطين والبونط فإنها خصصت يوم الجمعة وحده بالآلام ويوم الأحد بالقيامة، وفي السنين التي لا تتوافق مع الرابع عشر من شهر نيسان كانوا يتذكرون الآلام في أول يوم جمعة يلي هذا التاريخ وكذلك أول أحد بالنسبة للقيامة.
وكانت الكنائس التي تتمسك بيوم الرابع عشر من نيسان تحل الحزن والصوم في يوم الآلام إذ كانت تفرح في يوم موت الرب مستشهدة بيوحنا الحبيب وفيليبوس. أما الكنائس الأخرى فتعتبر يوم الصلب يوم حزن فلا تسمح بحلّ الصوم قبل القيامة. مستشهدة بتعاليم بطرس وبولس.
وقد استمر هذا الاختلاف لفترات طويلة ولكنه لم يؤثر على المحبة والأخوة التي تجمعهم في المسيح. وكان أبناء كل الكنائس المختلفة في تعيين عيد الفصح يمارسون ليتورجيتهم الخاصة في المناطق التي كنائسها تخالفها التقويم. ولم يحرم أحد، وكانوا يمارسون الأفخارستيا سويةً. إلى أن جاءت سنة 154 وسافر القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى روما لقضاء مصالح ومنها النظر في مسألة الفصح. والتقى هناك القديس انيقيطس أسقف روما وبحثا الخلاف، وبقي كل منهما متمسك بتقليده. ومع ذلك بقيت روابط المحبة والأخوة تجمعهما. واشتراكا في خدمة القداس الإلهي. وعند تقديس القرابين تنحى انيقيطس لبوليكاريوس الشخ الطاعن في السن -85 عاماً- والأب الرسولي إذ كان تلميذ يوحنا الحبيب.
وفي سنة 155 استشهد بوليكاريوس ومن ثم انيقيطس في سنة 166، والخلاف قائماً بين المؤمنين. وفي سنة 170 ظهرت حركة تهوّد داخل الكنيسة انبرى لها ابوليناريوس هيرابوليس يقاومه، وخشيَ اقليمس الاسكندري وهيبوليتوس العلاقة القائمة بين رأي الآسيويين والفصح عند اليهود فصنفا ودافعا عن الإيمان القويم في عيد الفصح. ولكن لم يصل لنا شيئاً من هذين المصنفين.
ومن الثابت هو أن أسافقة الشرق عقدوا مجامع مكانية وبحثوا مسألة الفصح. وأقروا كلهم رأياً واحداً وهو أن يراعى يوم الأحد في القيامة ولا يُحلّ الصوم إلا فيه.
ففي سنة 198 التآم مجمع قيصرية برئاسة ثيوفيلوس اسثقفها ونركيسي اسقف أورشليم وكاسيوس أسقف صور وعيرها. وشرّعوا بتعيين عيد الفصح على أن يقع في يوم الرب -يوم الرب هو أول يوم الخلق والسبت آخرها-. وبعد أن تم كل شيء في المجمع أرسلوا رسائل إلى الكنائس كلها يعلمونهم بهذا الأمر، لكي تحتفل الكنيسة جمعاء بهذا اليوم المقدس.
فتشاور أساقفة آسيا الصغرى وأصرّوا على إبقاء القديم وكتب بوليكراتس أسقف أفسس بذلك إلى أسقف روما فيكتور. فانتفض وهدد بالقطع. فعقد بوليكراتس مجمعاً مكانياً جمع فيه خمسين أسقفاً. وكتب إلى فيكتور بعد التداول بلسان مجمعه يؤكد أنهم لا يزيدون على التسلم الرسولي ولا ينقصونه وأنه في بلادهم رقد يوحنا الذي اتكأ على صدر الرب وفيليبوس أحد الاثني عشر، وبوليكاريوس الشهيد وأن هؤلاء جميعاً حافظوا على اليوم الرابع عشر. مما أثار غضب فيكتور وأراد أن يقطع كنائس آسية ويعتبرها خارجة عن الإيمان القويم. فاعترضه عدداً من الأساقفة ومن بينهم القديس ايريناوس أسقف ليون، كاتباً له: إن الخلاف ليس في اليوم فقط بل في نوع الصوم أيضاً. وإن هذا الاختلاف لم يحدث في أيامنا فقط بل قبلنا بكثير في عهد أسلافنا ومع ذلك كانوا ولا يزالون متسالمين ومنهم الشيوخ الذين تولوا الكنيسة التي تتولاها أنت إلى الآن وكانوا يشتركون وهم غير محافظين مع الآتين من الكنائس المحافظة". واتبع فيكتور أسقف روما نصيحة ايريناوس واستحق شكر الكنيسة لعمله السلمي.
ولا نعلم متى عدل الآسيويون عن تقليدهم الخاص. غير أن مشكلة الفصح هذه هي غير المشكلة التي ناقشها المجمع المسكوني الأول.

.:::انتهى الاقتباس:::.

أما بالنسبة للفقرة الثانية، فأنقل لك ما جاء في نشرة رعيتي، 2003 (حالياً غير متوفر عندي رقم العدد)
الصعود الإلهيّ
تحتفل الكنيسة في اليوم الأربعين للفصح المجيد بعيد صعود السيّد المسيح إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب. والراجح أنّ الكنيسة، حتّى القرن الرابع الميلاديّ، كانت تعيّد هذا العيد مع عيد العنصرة (نزول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين للفصح) في مناسبة واحدة. وكانت كنيسة أورشليم هي أوّل مَن جعلت من الصعود عيداً مستقلاًّ سرعان ما أصابت عدواه الكنائس كلّها.
لم تفصل الكنيسة الأولى بين أحداث الفصح والصعود والعنصرة، واعتبرت أنّ هذه الأحداث تشكّل حدثاً واحداً وتكمّل بعضها بعضاً. وقد قال القدّيس بطرس الرسول في خطبته الأولى يوم العنصرة: "فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن كلّنا شهود بذلك. وإذ كان قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الموعد بالروح القدس، أفاض هذا الروح الذي تنظرونه وتسمعونه" (أعمال الرسل 2: 32-33). هنا، يجمل الرسول الأحداث الثلاثة بعبارة واحدة، لأنّها بالنسبة إليه لا يمكن فصلها ولا يمكن القيامة أن تكتمل إلاّ بصعود المسيح وجلوسه عن يمين الله وحلول الروح القدس على التلاميذ.
يذكر القدّيس لوقا الإنجيليّ الصعود في موضعين مختلفين: في الفصل الأخير من إنجيله وفي الفصل الأوّل من سفر أعمال الرسل. ففي الإنجيل يذكر لوقا أنّ المسيح ارتفع إلى السماء في اليوم نفسه الذي قام فيه (لوقا 24: 50-53). أمّا في سفر أعمال الرسل فيذكر لوقا نفسه أنّ يسوع تراءى لتلاميذه مدّة أربعين يوماً يكلّمهم بما يختصّ بملكوت الله، و"ارتفع وهم ناظرون وأخذته سحابة عن عيونهم" (أعمال الرسل 1: 9).
يبدو كأنّ في هذين النصّين تناقضاً من حيث إنّ الربّ يسوع صعد في اليوم الأوّل للقيامة إلى السماء، ثمّ القول بأنّه صعد بعد أربعين يوماً. ولكنّ هذا التناقض يزول إذا ما أدركنا أنّ المسيح بقيامته من بين الأموات قد أتمّ كلّ شيء، فيكون حدث قيامته وصعوده حدثاً واحداً. أمّا الأربعون يوماً فهي المدّة التي كان يسوع يتراءى فيها لتلاميذه لكي يهيّئهم لنوع جديد من حضوره بينهم.
إنّ عدد الأربعين في الكتاب المقدّس هو عدد رمزيّ يدلّ على مدّة طويلة تمهّد لحدث عظيم. فشعب العهد القديم سار أربعين سنة في الصحراء قبل دخول أرض الميعاد، والربّ صام أربعين يوماً قبل البدء ببشارته. هكذا لم ينتظر السيّد المسيح أربعين يوماً لكي يصعد إلى السماء، بل صعد منذ اللحظة الأولى للقيامة، وما الأربعون يوماً إلاّ لتهيئة التلاميذ لحضور مختلف للربّ في ما بينهم. أمّا السحابة التي رفعت الربّ يسوع عن عيون تلاميذه فهي رمز لحضور الله.
فالله لا يمكن أن يُرى بأعين الجسد، لذلك يُرمز إليه دوماً في الكتاب المقدّس بالسحابة. ففي التجلّي يروي القدّيس لوقا أنّ سحابة قد ظلّلت الحاضرين، وكان صوت من السحابة يقول: "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا" (لوقا 9: 34-35). يكون، إذاً، دخول السيّد المسيح في السحابة إشارة إلى دخوله في مجد الله.
أمّا "السماء" التي ارتفع إليها الربّ يسوع فليست الفضاء الخارجيّ الذي يحيط بالأرض، وليست مكاناً يمكن الصعود إليه بالقدرات البشريّة. إنّه عالَم لا تدركه حواسّنا ومخيّلتنا، ولكنّه عالم حقيقيّ ثابت أكثر حقيقة وثباتاً من عالمنا الحالي، وقد دشّنه الربّ عندما قام من بين الأموات. إنّ لفظ "السماء"، هنا في هذا المقام، لفظ معنويّ يشير إلى الله. إذاً، يكون الصعود إلى السماء صعوداً إلى مجد الله. في السياق عينه، عندما نقول إنّ السيّد المسيح "جلس عن يمين الآب" لا نقصد يميناً مكانيّة، إذ لا يمكن حصر اللامحصور في مكان محدّد. ولكنّنا، كما يقول القدّيس يوحنّا الدمشقيّ، "نعني بيمين الآب مجدَ لاهوته وكرامته اللذين يقيم فيهما ابن الله قبل الدهور، بصفته إلهاً، مساوياً للآب في الجوهر، ثمّ بصفته قد تجسّد، هو يجلس بالجسد (عن يمين الآب)".
من هنا أهمّيّة الصعود والجلوس عن يمين الله بالنسبة الى خلاص البشر، فالرسول بولس يشدّد على هذه الناحية في رسالته إلى أهل أفسس حين يقول: "حين كنّا أمواتاً بالزلاّت أحيانا مع المسيح، فإنّكم بالنعمة مخلَّصون. وأقامنا معه وأجلسَنا معه في السماويّات في المسيح يسوع" (2: 5-6).
وفي هذا المنحى أيضاً يذهب كاتب الرسالة إلى العبرانيّين حين يعتبر أنّ السيّد المسيح قد دخل إلى قدس الأقداس، أي إلى السماء، من أجل أن يشفع بنا: "لأنّ المسيح لم يدخل إلى أقداس صنعتها الأيدي رموزاً للحقيقيّة بل دخل إلى السماء بعينها ليتراءى الآن أمام وجه الله من أجلنا" (9: 24).
والمسيح، بحسب الرسالة ذاتها، هو سابقٌ لنا قد أعدّ لنا مصيراً أفضل إذا قبلنا الدخول معه إلى حضرة الله الأبديّة، فيقول صاحب الرسالة إلى العبرانيّين: "حتّى نحصل على تعزية قويّة نحن الذين التجأنا إلى التمسّك بالرجاء الموضوع أمامنا الذي هو كمرساة أمينة راسخة تدخل إلى داخل الحجاب حيث دخل يسوع كسابق لنا وقد أقيم حَبراً إلى الأبد على رتبة ملكيصادق" (6: 18-20). لقد صعد المسيح إلى السماء. رجاؤنا أن نكون معه حيث هو في مجده.

.:::انتهى الاقتباس:::.
وأرجو مشاركة الأخوة، وقدس الآباء أكيد، ليتم إغناء الموضوع.