أخي يوحنا، اقتبست لك فصل كامل عن أصل الكنيسة وإعلانها من كتاب الفكر الكنسي الأرثوذكسي. أتمنى أن تكون الإجابة مفيدة وعذراً على الإطالة. صلواتك
يقول البروفيسور جون كرميرس أن هناك ثلاث مراحل في نشوء الكنيسة: الأولى هي خلق الملائكة والبشر، والثانية هي حياة آدم في الفردوس وفترة العهد القديم، والثالثة هي تجسد المسيح. وبالفعل، ملء إعلان الكنيسة سوف يتم في المجيئ الثاني للمسيح.
تفاصيل أكثر لمراحل الكنيسة:
أ*) بداية الكنيسة:
يعلم الآباء القديسون أن بزوغ أول كنيسة كان مع خلق الملائكة. وهذا ممكن رؤيته في كتاباتهم عن أن الملائكة هم أيضاً أعضاء في الكنيسة. بالإضافة، الله الآب هو خالق ((كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة)). وبين المنظورين يندرج الملائكة الذين ينشدون المدائح لله. تُحفظ هذه الشهادة في كتاب أيوب: ((عندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله)) (أيوب 7 : 38). إذاً، قبل خلق العالم الحسي كان هناك ملائكة ينشدون الله بالتمجيد من أجل الخليقة. بالتأكيد، هذا يعني أن الملائكة هم أول من خلقه الله.الملائكة هم أعضاء في الكنيسة لأنهم يمجدون الله. هذه حقيقة تظهر في طروباريات كثيرة، مثل: ((بصليبك أيها المسيح رعية واحدة تكوّنت من الملائكة والناس وكنيسة واحدة: السماء والأرض تبتهجان. يا رب المجد لك)). بعد تجسد المسيح، الملائكة والبشر ينتمون إلى القطيع نفسه والكنيسة نفسها. لكن هذا يعني أن هذه الوحدة تمتد إلى الحياة قبل السقوط. واضح في تعليم الآباء القديسين أن ((الأشياء الأخيرة)) هي مثل الأولى، ومثل بينها، لأننا لا نستطيع الكلام عن الآخرة بمعزل عن حياة الإنسان قبل السقوط، وبمعزل عن تأله القديسين الآن قبل المجيء الثاني للمسيح. إلى جانب هذا، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس وغيره من القديسين، رؤية النور غير المخلوق هي جوهر الأشياء الحسنة الآتية، أي ملكوت الله بالذات.
في الكتاب المقدس يتكرر التعليم عن أن الملائكة يشكلّون الكنيسة الأولى. يقول الرسول بولس كاتباً إلى العبرانيين: ((قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة)) (22 : 12).
إذاً، الكنيسة الأولى التي كان الملائكة أعضاءها كانت روحية. يقول إقليمس الروماني أن الكنيسة ((من العلى أولاً، مخلوقة روحية قبل الشمس والقمر. ولأنها روحية فهي أُظهرت في جسد المسيح)). الملائكة أعضاء في الكنيسة لأنهم أيضاً مخلوقون من الله. كل ما هو مخلوق هو خليقة لأن له بداية. الملائكة ليسوا فقط مخلوقين من الله إنما أيضاً مكمَّلين بقوة الروح القدس وقدرته. لذلك يكتب القديس يوحنا الدمشقي: ((كل الملائكة خلقوا بالكلمة وكُمّلوا بتقديس الروح القدس، مشاركين بحسب مرتبتهم ودرجة استنارتهم ونعمتهم)).صورة الملائكة كأعضاء في الكنيسة مؤثرة. إنها شهادة القديسين لأن كثيرين منهم، كالقديس اسبيريدون، رأوا الملائكة يخدمون معهم خلال الليتورجيا المقدسة. وهذا يعطي بعداً جديداً للحياة الروحية.عندما خلق الله الإنسان (آدم وحواء) ووضعه في الفردوس، أُنجزت الكنيسة الأولى التي فيها مَجّد البشرُ الله مع الملائكة.
ب*) الكنيسة في العهد القديم
عاش آدم وحواء حياة ملائكية في الفردوس إذ كانا في حالة من استنارة النوس وهي الدرجة الأولى من رؤية الله. لقد كانا في شركة معه. بحسب تعليم الآباء القديسين، الفردوس كان ملموساً وعقلياً. هذا ما قاله القديس غريغوريوس اللاهوتي وكرره القديس يوحنا الدمشقي. الفردوس الملموس كان مكاناً محدداً، والفردوس العقلي كان شركة الإنسان مع الله واتحاده به. وبالطبع تداخل الفردوسان بمعنى أن فردوس عدن كان يتلقى قوة الله غير المخلوقة.يعطينا القديس غريغوريوس السينائي تفسيراً لفردوس الفترة الثانية من الكنيسة. فهو يكتب أن الفردوس كان ثنائياً ((ملموساً وعقلياً، أي ذاك الذي في عدن والآخر الذي من النعمة)). عن فردوس عدن يقول أنه لم يكن غير قابل للفساد بالكلية ولا قابلاً بالكلية، لكنه خُلق ((بين الفساد وعدم الفساد)). فقد كان لأشجار الفردوس دورتها الطبيعية من الإزهار والإثمار ووقوع الثمر. لكن عندما تقع الأثمار الناضجة على الأرض، وعندما تفسد الأشجار ((تصبح غباراً عطراً دون أن يكون لها نتانة مثل نباتات العالم)). وبما أن آدم لم يكن قد فقد نعمة الله، فالظلمة القصوى لم تكن قد وقعت على كل الخليقة، ولم يكن هناك فساد والنتانة لم تكن منتشرة. دورة إعادة التحويل الطبيعي في الأشجار والنباتات كانت موجودة كاملةً ولكن من دون الانحلال والنتانة. ويقول القديس غريغوريوس السينائي أن الأمر كان هكذا ((لأن ثروة النعمة العظيمة والقداسة الدائمة التدفق كانتا هناك)).
بسقطة آدم انقطعت شركة الإنسان مع الله ومع نفسه كما مع كل الخليقة. هكذا ارتدى الإنسان أقطمة الفساد والموت الجلدية. ومع ذلك، بالرغم من سقطة آدم، لم تختفِ الكنيسة كلياً. فالإنسان فقد وعيه الحقيقي لله ومعرفته الأصليه له، وحاول جاهداً استعادة شركته معه من خلال أشكال دينية متخلفة.
في العهد القديم كان هناك رجال أبرار، كالقضاة والأنبياء والقديسين، الذين استحقوا الرؤيا والوحي الإلهيين. لقد رأوا الله. وبما أن رؤية الله في تعليم الآباء تتماهى مع التأله وشركة الإنسان مع الله، نقول أن البقية الصغيرة حُفظت وأن الكنيسة وُجدت في العهد القديم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، مشيراً إلى أبرار العهد القديم، أنهم أيضاً ينتمون إلى جسد المسيح لأنهم هم أيضاً ((عرفوا المسيح)). إذا هذا، فالمسيح بتجسده، كما يقول الذهبي الفم، ((اتخذ جسداً من الكنيسة)). جسد المسيح هو واحد والكنيسة واحدة.
إذاً، كان هناك كنيسة في العهد القديم أيضاً، بالرغم من سقوط الإنسان. الأبرار والأنبياء كانوا أعضاء هذه الكنيسة، وكانت عندهم نعمة الله. هذا تؤكده الممارسة الأسرارية في الكنيسة. كل الأسرار التي نمارسها في الكنيسة المسيحية فيها إشارة إلى أسرار العهد القديم وطقوسه.
ج) الكنيسة في العهد الجديد
كان ظهور الكنيسة مع تجسد المسيح حيث أصبحت الكنيسة جسده وأحرزت رأسها الذي هو المسيح. فكما قال إقليمس الروماني: الكنيسة ((خُلقت أولاً روحية من فوق، قبل الشمس والقمر، ولأنها روحية فهي أُظهرت في جسد المسيح)).
بتجسد المسيح، تقدست الطبيعة البشرية التي اتخذها. ومن خلال هذا صار المسيحيون أعضاء الكنيسة، اي أعضاء في جسد المسيح. هنا أيضاً نجد فرقاً بين العهدين القديم والجديد. عند هذه النقظة يجب أن نوضح حتى نضع الأمور في أبعادها الحقيقية.
قلنا قبلاً أن الأنبياء في العهد القديم بلغوا التأله. إذ أن رؤية الله، أي رؤية النور غير المخلوق، حسب تعليم الآباء القديسين والقديس غريغوريوس بالاماس، تاتي من خلال تأله الإنسان. يتأله الإنسان، فيصبح مستحقاً لرؤية مجد الله غير المخلوق. لا يستطيع الإنسان أن يرى الله بقواه الشخصية. في الكنيسة ننشد: ((بنورك نعاين النور)). إذاً، معاينة الله تأتي من الداخل وليس من الحارج، أي تتم من خلال تأله الإنسان. إنها ليست مسألة معاينة أمور خارجية وإرشادات. في كل حال، تأله الأنبياء هذا كان مؤقتاً، لأن الموت لم يكن قد أُبطل بعد. ولهذا السبب أُخذوا إلى الجحيم، وكانت الرؤية خارج جسد المسيح الإلهي البشري. يظهر هذا في الفرق بين خبرة الرسل عند تجلي المسيح وخبرتهم في يوم العنصرة.
في العنصرة كانت العطية العظيمة. التلاميذ رأوا مجد الله داخلياً، أي بالتأله. ولكنهم رأوه أيضاً من داخل جسد المسيح الإلهي – البشري، لأنهم أصبحوا أعضاء في جسد المسيح مع محيء الروح القدس. في العنصرة، لم يكن جسد المسيح خارجياً للرسل كما كان في التجلي، إنما كان داخلياً بمعنى أن الرسل أصبحوا في جسد المسيح، وكأعضاء في هذا الجسد أصبحوا مستحقين لهذه الخبرة.
بتجسد المسيح أصبحت الكنيسة جسداً. أسرار العهد الجديد مختلفة على هذا النحو عن أسرار العهد القديم. إنها تمارس في الكنيسة التي هي جسد المسيح، وهذه الأسرار مرجعها سر الإفتارستيا المقدسة وهي تُتتم فيه، هذا السر الذي فيه نأكل جسد المسيح ونشرب دمه.
استنتاجات:
بعد كل ما ذكر، يجب أن ننهي ببعض الاستنتاجات:
أ*) الخلاص يوجد في المسيح فقط. بما أن قديسي العهد القديم رأوا الكلمة غير المتجسد وقديسي العهد الجديد رأوا ويرون الكلمة المتجسد وعندهم شركة حميمة معه، فهذا يعني أن خلاص الإنسان يتم فقط من خلال المسيح. وبالطبع، بما أن المسيح هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس والخلاص هو عمل مشترك للثالوث القدوس، فهذا يعني أننا مخلّصون عندما نكون في شركة مع الثالوث القدوس، عندما تدخل نعمة الله الثالوثي في كياننا، عندما تكون معنا ((نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس)).
ب*) الكنيسة ليست مؤسسة بشرية، إنما هي كيان إلهي – بشري. ليست شركة بشرية، إنما هي الجسد الإلهي – البشري للمسيح. أصل الكنيسة هو هذا الإله نفسه. إنها ليست اختراع البشر وليست ثمرة حاجات الإنسان الاجتماعية، بل هي المكان الوحيد لخلاص الإنسان. هذا القول يخلق الانطباع بأن البشر صنعوا الكنيسة لكي يتمكنوا من العيش في ظروف هذه الحياة الصبعة والمأساوية. لكن منشأ الكنيسة، كما شرحنا سابقاً، هو الله نفسه، وخلاص الإنسان يتم فيها. إقليمس الاسكندري يلاحظ: ((كما أن إرادته هي عمل ويسمى عالماً، هكذا قصده هو خلاص البشرية ويسمى كنيسة)).
ت*) في الكنيسة تُحل كل المشاكل. نحن لا نتكلم عن مسيحية مجردة نربطها بأيديولوجبا، ولكن عن كنيسة هي شركة بين الله والإنسان، بين الملائكة والإنسان، بين الأرضي والسماوي، وبين الإنسان والعالم. الكنيسة هي لقاء السماؤ بالأرض. السلام والعدالة وسواهما ليست مجرد مصطلحات اجتماعية، بل هي مواهب تُعطى في الكنيسة.
ث*) الكنيسة هي جسد المسيح والمسيح رأسها، وأعضاء الكنيسة هم أعضاء في جسد المسيح. أعضاء الكنيسة موجودين في كل الأزمنة وسوف يكونون إلى منتهى الدهر. وعندما لا يعود أعضاء الكنيسة موجودين تاتي نهاية العالم.
المرجع: كتاب الفكر الكنسي الأرثوذكسي، الفصل الأول: أصل الكنيسة وإعلانها، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، تعريب الأب أنطوان ملكي. من صفحة 24 إلى صفحة 37.
المفضلات