الإنجيل:متى14:17-23
في ذلك الزمان دنا الى يسوع إنسان فجثا له وقال: يا رب ارحم ابني فإنّه يُعذّب في رؤوس الأهلّة ويتألّم شديدا لأنه يقع كثيرا في النار وكثيرا في الماء. وقد قدّمتُه لتلاميذك فلم يستطيعوا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيلُ غيرُ المؤمن الأعوجُ، الى متى أكون معكم؟حتى متى أَحتملكم؟ هلم به إليّ الى ههنا.وانتهره يسوع فخرج منه الشيطان وشُفي الغلام من تلك الساعة. حينئذ دنا التلاميذ الى يسوع على انفراد وقالوا له: لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟ فقال لهم يسوع: لعدم إيمانكم. فإني الحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقلْ من ههنا الى هناك فينتقل ولايتعذّر عليكم شيء. وهذا الجنس لا يخرج إلابالصلاة والصوم. وإذ كانوا يترددون في الجليل قال لهم يسوع: إن ابن البشر مزمع أن يُسلَّم الى أيدي الناس فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم.
الصبيّ المصاب بالصرع
يتناول النصّ الإنجيليّ، الذي اختارته الكنيسة للقراءة اليوم، موضوع شفاء صبيّ مصاب بـمرض الصرع. ويـتـضمّـن هذا النصّ دروسًا عدّة دونكم في ما يأتي بعضها.
يشرح أوريجنّس (+235)،أحد معلّمي الكنيسة في الإسكندريّة، هذاالنصّ روحيًّا، فيعتبر أنّ كلّ مرض شفاه المخلّص في الشعب كان يمثّل عللاً مختلفة في النفس. فبالنسبة إليه، المشلولون في الجسد كانوا مشلولين في النفس، والعميان كانوا عميانًا في النفس، والصمّ كانوا أولئك الذين أصمّوا آذانهم عن سماع كلمة الخلاص... من هنا، يوضح أوريجنّس أنّ مرض الصرع يصيب المبتلين به في فترات محدّدة حيث يبدو المصاب به في صحّة وعافية، إلى أن تجتاحه النوبة وتلقيه أرضًا. ثمّ يخلص إلى القول: "ستجدون عللاً في بعض النفوس التي تبدو صحيحةً في تعقّلها وفي فضائلها الأخرى. ولكن يأتي وقت يصابون فيه بنوع من الصرع لعلّة من أهوائهم، فيتساقطون وتستولي عليهم رغبات الدنيا الأفّاكة".
لا ينكر أوريجنّس واقع المرض الجسديّ عند الصبيّ، لكنّه يشير،في الآن عينه، إلى واقع أشدّ إيلامًا من ألم الجسد المريض، أي الأمراض الروحيّة التي تسبّبها الخطيئة. فالتقليد الكتابيّ، ومن بعده آباء الكنيسة كافّة،يعقدون صلةً وثيقة ما بين الموت والمرض والشقاء الجسديّ من جهة، وسقوط الإنسان في الخطيئة من جهة أخرى. المرض الجسديّ،إذًا، هو نتيجة الخطيئة والبعد عن الله.لذلك، اعتبر الأقدمون أنّ مصدر المرض هو الشيطان وأنّ كلّ مَن به مرض قد مسّه شيطانٌ أو قد دخل فيه. وإذا جاز ذلك على المرضى كافّة جاز بالأَولى على مرضى الصرع الذي يُفقد أصحابه، أثناء نوباتهم، أيّقدرة على التحكّم بأنفسهم.
يقول القدّيس لوقا الإنجيليّ عن القدّيسة مريم المجدليّة إنّ الربّ يسوع قد أخرج منها "سبعة شياطين"، بعد أن يقول إنّه أبرأ النسوة اللواتي تبعنه "من أرواح شريرة وأمراض" (8،1-2). إنّ إخراج سبعة شياطين من المجدليّة وإبراء النسوة من الأرواح الشريرة كان شفاءً لهنّ من أمراض شتّى لها طابعها الروحيّ والنفسيّ والجسديّ على السواء.والمسيح، في إنجيل المصروع وفي إنجيل المجدليّة، لم يتحدّث عن الغفران بل تحدّث عن الشفاء فقط. وهذا يعني أنّ المسيح أدرك قبل أبناء زمانه أنّ الأمراض التي تصيب الإنسان، وإنْ كانت بـسـبـب خـطيـئـة البـشـر كـافـّة، إلاّ أنـّهـا لا تـلغـي الواقع الجسديّ الهشّ والضعيف للإنسان. لذلك لم يتحدّث النصّان الإنجيليّان المذكوران عن سوى الشفاء الجسديّ فقط.
"لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبلا نتقل من ههنا إلى هناك فينتقل، ولايتعذّر عليكم شيء". يعتبر أوريجنّس فيشرحه هذه الآية: "أظنّ أنّ الجبال التي يشير إليها هنا هي القوى الكبيرة المعادية الجارية بفيضان من الشرّ في نفوس الناس". ويتابع اوريجنّس شرحه قائلاً: "لكن إنْ كان لأحد الإيمان كلّه، أي يؤمن بكلّ ما جاء في الكتاب المقدّس، وله إيمان كإيمان إبراهيم، الذي آمن بالله فعُدّ لهلك برًّا، عندها يكون الإيمان كلّه كحبّة خردل، فيقول لهذا الجبل - أي للروح الأصمّ الأبكم في الفتى المصاب بالصرع - انتقلْ من ههنا إلى مكان آخر فإنّه سينتقل. وهذا أمرلا يصعب على مَن له إيمان كهذا".
الإنسان هو المسؤول عن خطيئته التي يعملها بكامل إرادته وخياره الحرّ، كما أنّ الإنسان هو المبادر إلى عمل الصلاح والفضيلة والبرّ، فيُجازى وفق أعماله خيرًا أو شرًّا وينال الثواب أو العقاب. فالأهمّ من انتقال الجبل من مكانه إلى مكان آخر إنّما هو انتقال الإنسان من حيث هو في الخطيئة إلى حيث التوبة والحياة الجديدة بالربّ يسوع. الأعجوبة الحقيقيّة تكمن في توبة الإنسان الخاطئ، الأثقل من الجبل وما فيه من صخور ورمال، وسلوكه في طريق القداسة.
"وهذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم". يعلّق أوريجنّس على هذا القول للربّ يسوع شارحًا: "فإذا وجب الانهماك وقتًا ما في شفاء متألّم من مرض كهذا، فلا نُقسم أو نسأل أو نكلّم هذا الروح النجس وكأنّه يسمع. ولكن، لكي نتفرّغ للصلاة والصوم، علينا أن نصلّي لأجل المتألّم سائلين له الخلاص من الله، وبصومنا نطرد منه الروح النجس". ونضيف على قول أوريجنّس أنّ الصلاة والصوم لا يلغيان بأيّ حال عرض المريض على الأطبّاء المختصّين. أمّا المغبوط أوغسطينس أسقف هيبّون (+435) فيقول واعظًا عن هذه الآية:"فإن كان المرء يصلّي ليخرج الشيطان من شخص آخر، فكم عليه أن يكثر من الصلاة ليطرد جشعه وسَكَره وفجوره ونجاسته؟ يا لعظم خطايا البشر إن تمادوا فيها لا تدعُهم يدخلون ملكوت السموات".
يدعونا النصّ الإنجيليّ عن الصبيّ المصاب بالصرع إلى أن يدرك كلّ منّا صرعه وخروجه عن سكّة الصواب؛ وأن يدرك أيضًا أنّه قادر على القضاء على هذا المرض الروحيّ بنعمة الله؛وأن يدرك أنّه، هو الأثقل من الجبل والأقسى منه أحيانًا، قادر على إنجازمعجزته الخاصّة بانتقاله من وحول الخطيئة إلى نعيم التوبة، وتاليًا القداسة. هذا يتطلّب قليلاً من الإيمان والتسليم بمشيئة الله. فلنكن، إذًا، صانعي معجزات.
المصدر رعيتي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات