لنقف حسنا لنقف بخوف لنصغي
" من أنت؟"إنه أصعب سؤال يطرح على إنسان اليوم, لو تصورنا إنسانا ذا شأن رفيع وفي مركز مرموق جدا وسألناه : من أنت؟فأجاب باسمه فقط ولم يعرف عن موقعه ومركزه, فكم يكون هذا الإنسان ظالما أو بالأحرى مظلوما
من نحن؟ هناك ترنيمة غنوصيّة(عرفانية) تقول: " من نحن, من أين أتينا وإلى أين سنذهب......."؟ إذا كان هذا السؤال صعبا فلا نتجاهلنّ الجواب بأن نتناسى السؤال. او نتغاضى عنه, كما يفعل إنسان هذا العصر, حين يرتمي في دنيا التسليات والتلهيات محاولا بذلك أن يخلق لنفسه عالما مثاليا يروق له, ويرضى به, فيغضّ النظر بذلك عن هذا التحدي: " من أنت"
الأسماء التي نحملها هي مجرد ألقاب , فالاسم الذي نرسه من أهلنا هو غالبا ما لا يعبّر عن هويتنا الحقيقية: فالأسم هكذا لا يدل على حقيقة حامله, فكم من بشر مختلفين في الطباع , والمسلكية , والموقع, والأثر في الحياة , وقد حملوا الاسم ذاته , الاسم واللقب , لا يجيب البتة على السؤال" من أنت أيها الإنسان؟"الكتاب المقدس يجيب بوضوح, لا بل يشدد في التنبيه على جواب لهذا السؤال. إنكم بني العلي تُدعون". وأنتم "قديسونللأن أباكم السماوي قدّوس". جواب الكتاب المقدس هذا على السؤال " من أنت " هو جواب محرج جدا للمسيحي, الذي يدرك أنه ابن العلي القدّوس . أي انه قديس
إن الله نور , إنه النور الأول. والنور في الكتاب المقدس يعني الحياة بالذات. ولا غرابة في ذلك, فنحن نعرف من العلم الحديث اليوم, أن الحياة أتت من النور والماء. وهذا يؤكد رواية الخلق من الصفحات الأولى من كتاب التكوين, الله نور, تعني ان الله هو الحياة ومعطيها لكن محبة الله أيضا , والمحبة لا تحب ما لذاتها , بل تحب أن تعطي , المحبة لا تقوم لوحدها. المحبة خلّاقة. المحبة تتجه نحو الآخر في كل حين. لذلك خلق الله كائنات حرة ليعطيها مجده وتشاركه الفرح الإلهي الذي في الثالوث. وأولى هذه الخلائق كائنات الملائكة, لذلك فإن الملائكة كما يدعوها القديس غريغوريوس هي أنوار ثانية. الله هو النور الأول, الملائكة هي أنوار ثانية لأنها تستمد نورها وحياتها من الله , كما يستمد القمر نوره من الشمس. الخلائق هي أنوار تالية, ليس لها حياه في ذاتها بل تستمد حيياتها من النور الأول_المصدر الحقيقي" معطي الحياة"
لما أراد المسيح أن يدلّ على لاهوته قال لليهود:" لانه كما أن الآب يقيم الاموات ويحيي, كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء"(يوحنا5:21) أن إعطاء الحياة كنور أول هي من خصائص الله. خاصية المخلوق , كالملائكة, أن يستمد النور ويعكسه, كأنوار ثانية. ونحن البشر أيضا, مخلوقات تستمد حياتها من الله النور الأول. الرب يسوع عرّف عن ذاته للسامرية بأنه "الماء المحيي" ومن يشربه تفيض من جوفه ينابيع ماء حيّ. فنحن نستطيع ان نعكس نوره ونعطي حياة نستمدها منه
يخبرنا الكتاب المقدس أن للملائكة تسع طغمات. منها الشاروبيم والسيرافيم والأجناد والرؤساء.....يشرح بعض الآباء مثل " الدرهم الضائع" لتلك المرأة التي كانت تملك تسعة دراهم وأضاعت العاشر , فتركت التسعة وراحت تبحث عن العاشر.... يرى الآباء أن هذا المثل يرمز إلى الطغمات الملائكية التسع التي بقيت في بيتها الأبوي تحيا في المجد الإلهي, وأن الدرهم العاشر الضائع يمثل الإنسان الذي ضاع وراح الله يبحث عنه. فالانسان اذن هو الدرهم العاشر , انه الطغمة الملائكية العاشرة." من أنت أيها الإنسان؟", ........إنك ملاك وابن العلي القدوس وقديس. الإنسان هو نجي الملائكة. إن اجتماع الطغمات الملائكية اليوم حول يسوع المسيح ومجده السماوي ينادي " الخروف الذي ضل في الجبال"
إذن لنقف حسناً, فإننا نعيّد اليوم لاجتماع رؤساء الملائكة ولصرخة الملاك ميخائيل حين صرع ايوسفوروس: " لنقف حسناً" لقد سقط الملاك اللامع ايوسفوروس واختار الشر طريقا له, أن تنتبه وتختار الخير بدل الشر. لقد كان ايوسفوروس ألمع الملائكة في المجد, لكنه تكبر على الله. هو كنور ثان أراد أن يصير نورا أولا , لا يستمد حياته من معطي الحياة. أراد أن يستقل عن الحب الإلهي. وهذا هو الإلحاد في جوهره, أن نتقتنع أننا نستطيع أن نحيا دون الله وبمعزل عن حبه؟ هذه كانت خطيئة الابن الأصغر في مثل الابن الضال, أنه أراد أن يحيا بمعزل عن البيت الأبوي . كلنا ملحدون مرّات ومرّات, وبأشكال وأشكال. ألا يلحد إذن من يظن أنه يستطيع أن يحيا فعلا بعيدا عن الأسرار, والقرابين و البيت الأبوي الذي هو الكنيسة؟الالحاد هو موت.
الالحاد مسيرة نهايتها الظلمة , لأنها تعزل نورا ثانيا عن النور الأول مصدر النور. حين سقط ايوسفوروس انحدر إلى الظلمة. والظلمة تعني الموت واللاوجود. الأيقونة الأرثوذكسية ترسم الشيطان باللون الأسود فقط وصغيرا وذلك للدلالة على أنه فقد النور بابتعاده عن المصد الأول, وفقد الحياة والوجود الحقيقي الحيّ, الابتعاد عن الله, والالحاد ليس مسألة مبادئ, أو استبدال قناعات , إنه في الواقع مسألة موت أو حياه
لنقف حسنا , كي ندور في فلك النور الأول , العزلة عنه ظلمة والإلحاد موت. هذه العبارة السماوية" لنقف حسناً" نرددها دوما في بداية الأنافورا" في القداس الإلهي. هذه الصرخة ضرورية لنا اليوم وكل حين. لأننا ككائنات حرة قادرون أن نحب الله او نعاديه, كرر آدم ما أخطا به ايوسفوروس , والابن الضال مثل لكلّ منّا, ولكل آدميّ. حين نكرر اختيارنا الدوران في الظلمة وليس حول الله النور الحقيقي. هذه هي الحركة الشيطانية, أي أن نقتنع أنه بإمكاننا أن نحيا بعيدا عن الله, وها هو العيد الحاضر يصرخ بنا لنقف حسنا ولنرفع حياتنا كلها للمسيح الإله , لا بل حياتنا كلها من المسيح الإله, لأننا به نحيا ونتحرك". أيقونة العيد الحاضر تمثل الملائكة, الكائنات الحرّة, الأنوار الثانية, مجتمعة وهي تحمل في وسطها وجه يسوع المسيح, كالكواكب حول الشمس وكالمدارات حول المراكز. إنها الأفلاك التي تدور حول وجه النور هذا, وتستمد منه نورها والحياة
" من أنت؟" أيها الإنسان, إنك ابن العلي ونور ثان مدعو لتجتمع مع الملائكة حول وجه النور.
الإنسان لا يحيا على خبرات الظلمة وأعمالها ولا على خبز الأرض وحسب , وإنما على الكلمة التي تخرج من فم الله, كما أعلن لنا الرب يسوع, في تجربته على الجبل, أن الإنسان يأكل طعام الملائكة
" من أنت؟" سؤال وتحدّ يحتاج إلى مواجهة, ولموقف في كل أطر الحياة. أأنت والد؟ نعم , قف حسناًوفكر في من تربّي, إنك تنشئ من هذا الطفل ملاكاً, ودرهما عاشرا , وابنا للعلي أأنت أمام تهديد مصلحة؟ من أنت ؟ ابن العلي, وعلى هذا الأساس لنتصرف
أمام هذا السؤاليجب أن نفحص كل مسألة في الحياة. ابن العلي عليه أن يفضل العفة على الزنى, والحب على المصلحة, والتواضع على الأمجاد الباطله وكل نور على سائر أعمال الظلمةلنقف حسنا لنصغ
آمين
المطران بولس يازجي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس



المفضلات