المحطات الجمركية!!
نظرية "المحطات الجمركية" هي نموذج حي وفاعل للأفكار غير المسيحية التي تغلغلت في الأوساط المسيحية، (خاصة الرهبانية)، لأسباب مختلفة، وصارت مع الوقت يدين بها الكثير من المسيحيين بمن فيهم المفكرين والمعلمين واللاهوتيين وأنصافهم.
قبل الحديث عن نظرية "المحطات الجمركية" هذه لا بد لنا من ذكر السمات العامة التي تتصف بها. مرجعنا الرئيسي هو كتاب الأب سيرافيم والذي استمد معلوماته من القديس يوحنا مكسيموفيتش (الذي طوبته الكنيسة الروسية في المهجر)، والذي بدوره كتب ما كتب مكرّراً ما جاء في مقالة القديس بريانتشانينوف المشهورة "في الموت" والتي سبّبت ضجيجاً كبيراً وانتقادات واسعة لمّا تنتهي بعد.
بعد الموت وخروج النفس (أو الروح البشرية) من الجسد، تمرّ هذه الروح عبر محطات جمركية تدفع عند كل محطة جباية بشكل محاكمة. كل محطة مختصة بخطيئة من الخطايا. عند كل محطة تأتي الشياطين وتستوقف النفس التي تقودها الملائكة، وتبدأ بمحاكمة النفس عن كل الخطايا التي لم تتب عنها، عندئذ ترتفع إلى المحطة التالية لتكرر المحاكمة إلى أن تمر عبر المحطات جميعاً، ومن ثم إلى الفردوس السماوي. أما إذا وجدت الشياطين أن النفس لم تتب عن جملة خطايا عند أية محطة، فإنها تُمسك بالنفس وتنتزعها من سلطة الملائكة وتجرها نحو الجحيم وتحسبها هناك لتنتظر الدينونة العامة.
المصادر الرئيسة التي استند عليها الأب روز هي مقالة القديس إغناطيوس بريانتشانينوف "في الموت". يكتب القديس بريانتشانينوف: "بالنسبة لاختبار النفوس عندما تعبر عبر مجالات الهواء، فقد توطّدت من قبل القوى المظلمة أمكنة محاكمة مستقلة وحرسٌ في نظام رائع ففي الطبقات تحت السماء، من الأرض وحتى السماء نفسها، تقف محافل حارسة من الأرواح الساقطة. كل قسم مسؤول عن شكل خاص من الخطيئة ويختبر النفس فيه عندما تصل النفس هذا القسم. إن الحرس الهوائي الشيطاني وأمكنة المحاسبة تُدعى في الكتابات الآبائية المحطات الجمركية، والأرواح التي تخدم فيها تُدعى جابية الضرائب".
هل نظرية المحطات هذه نظرية صحيحة يمكن الأخذ بها والسماح بتعليمها لأبنائنا، واستعمالها لأغراض تثقيفية وتهذيبية وإرشادية؟
أنا شخصياً أعرف الكثير من مؤيدي هذه النظرية والذين لا يقبلون أي نقد لها. وأعرف ضحايا لهذه النظرية من الأرثوذكس الذين أعثرتهم فصاروا يسألون عن أمور أبعد ما تكون ذات فائدة لحياتهم الروحية. لهذا السبب بالذات وددت أن أذكر هذه النظرية في هذا الكتاب وأن أنقدها بكل جرأة ولو أزعج هذا البعض. فالحقيقة تعلو على الجميع ولا يعلو عليها أحد.
باختصار يمكن القول إن الأخطاء اللاهوتية الرئيسة التي تحفل بها هذه النظرية هي التالية:
- لا يوجد في الكتاب المقدس أي دليل يُثبت صحتها، بل يوجد ما يخالفها ويفندها.
- لا يوجد في كتابات الآباء الرئيسة ما يبرهن عليها.- تنتهك هذه النظرية سرّ الموت والحياة بعده، والتي حرص الكتاب المقدس عليه وحرص الآباء على تحذيرنا أن لا نكون فضوليين بخصوص الحياة ما بعد الموت.
- هذه النظرية تجعل الشياطين سيّدة على النفس البشرية وقاضية عليها تحاسبها وتحاكما في الوقت الذي صار فيه إبليس مهزوماً بصليب المسيح وقيامته.
- تجعل هذه النظرية من الشياطين أصحاب حق (عندما يحاسبون النفس) بينما يقول الكتاب إن الشيطان هو ظلمة لا نور فيه وهو كذّاب وأبو الكذّاب.
- تجعل هذه النظرية من الشياطين ديّانة على البشر بدلاً من المسيح الديّان الأوحد.
-تعطي هذه النظرية للأعمال الصالحة وزناً معيناً في الدينونة مقابل وزن الأعمال الطالحة مما يُنقص من قيمة الإيمان.
- استحقاقات القديسين ظاهرة في هذه النظرية مما يخالف اللاهوت الأرثوذكسي.
- تفترض هذه النظرية أن الدينونة تتم بعيد الموت قبل قيامة الأجساد مما يخالف اللاهوت الأرثوذكسي (القائم على الكتاب المقدس) القائل إن الدينونة تتم بعد القيامة العامة، لأننا نُخطىء بالجسد وبالتالي سنحاكم بالجسد وننال المجازاة بالجسد.- تفترض هذه النظرية أن الجحيم (العذاب الأبدي) يبدأ بعد الموت مباشرة مما يخالف الكتاب المقدس.
- لا تُقيم هذه النظرية وزناً للخطايا العظمى مقابل الصغرى. فترتيب المحطات لا يتناسب مع عظم الخطايا التي تُحاسب النفس عليها عند كل محطة.
- أصل نظرية المحطات الجمركية هو قصة حياة باسيليوس الجديد وثيؤدورا والتي تؤكد أن مخافة الشياطين هي دافع لردع المسيحيين عن ارتكاب الخطأ. بينما يقول الكتاب المقدس "رأس الحكمة مخافة الله" وليس "مخافة الشيطان". ويقول القديس أنطونيوس الكبير:"علينا ألا نخاف من الشياطين أو حتى من إبليس نفسه، لأنه كذاب ولا يتكلم بكلمة حق... ومعه وُضعت الشياطين، وأتباعه، مثل الأفاعي والعقارب التي يجب أن تُداس من قبلنا نحن المسيحيين".
يتبع...
المصدر: كتاب سألتني فأجبتك، الجزء الثاني، د. عدنان طرابلسي، سؤال رقم 96.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

.gif)
. 
المفضلات