التربية المسيحيّة
بتنا في زمان عاد لعموم المدارس "المسيحيّة" فيه دور في التربية الدينيّة. سنحاول، في هذه السطور، أن نضع أنفسنا أمام مسؤوليّة ملزمة لا نكون مسيحيّين حقًّا إن جعلناها وراء ظهورنا.
أبدأ بالعائلة. وهذه دورها، تراثيًّا، يتعلّق تعلّقًا تامًّا بدور الكنيسة، أي بانخراط كلّ عائلة في حياة رعيّتها. فالدور دور الكنيسة الملتزَمة والممدودة بآن. ومن المعروف،عمومًا، أنّ بعض آبائنا وصفوا العائلة بـ"الكنيسة". ولقد أرادوا بهذا الوصف، ممّا أرادوا، أنّ الالتزام لا يُحصر بجدران بناء يجتمع المؤمنون فيه، بل نأخذه معنا أينما حللنا أو نزلنا. فالالتزام الكنسيّ أساس كلّ تربية مسيحيّة. وهذا يفترضه أنّك تربّي على قاعدة فكر إله تعرفه، وتحبّه،وترتبط به ارتباط الغصن بالكرمة. لا نقدر، موضوعيًّا، على أن نعـتبـر أنّ كلّ إنسان،لمجـرّد أنّه معمَّد، قادر على أن ينشّئ مسيحيًّا. مَنْ ينشّئ، إنّما مَنْ نشأ على محبّة الله بالتزام ظاهر. فالالتزامظاهر، أي يتكامل فيه الفكر والمسلك. أن تتتعهّد الكنيسة أوّلاً. ومن ثمّ تنادي بتعهّدها، أي تسعى إلى أن تُقنع أولادك،وَمَنْ هم معك وإليك، بإلهٍ تعبده علنًا.
من أسس التربيّةالمسيحيّة، إذًا، أن أعرف فكر كنيستي.فالتربية ليست أن أقول آرائي في أمورحدّدتها الكنيسة عقائديًّا، أو لها فيها رأيها. وللفكر موادّه اللازمة، ومنها الكتاب المقدّس والكتب اللاهوتيّة وكتب الصلوات. وهذه أستعملها أنا، وأعلّم مَنْيحيون معي أن يستعملوها أيضًا. فالتربية، في مداها الأخير، أن يغدو كلّ مَنْ تربطني به صلة جسديّة (أو لا تربطني) شخصًا له علاقة حيّة بإله يؤمن به شخصيًّا. وإذافصّلنا ما نقوله باتّخاذ الصلاة مثلاً أوّل، فهذه لا يكفيها أن نقدّم، لِمَنْ نريده أن يختبرها، كتابًا مخصوصًّا بها(على أهمّيّة ذلك). فإلى هذا، يجب أن يشعربأنّنا شركاؤه فيها. فالتكامل، الذي أتينا على ذكره، يجد مثالاً له في التزام الصلاة. وإن أردناه أن يطيع الله في ماقاله تاليًا، فيجب، أيضًا، أن يشعر بأنّنا نطلب منه ما يقنعنا، ويأخذ بمجامع قلوبنا. فإذا نهينا شخصًا، قريبًا أوبعيدًا، عن الكذب أو النميمة أو العنف مثلاً، بإيرادنا على مسمعه آياتٍ كتابيّة، فمن الصعب أن ينهي نفسه إن سمعنا نكذب أو ننمّ، أو رآنا نضرب أحدًا.التربية، التي مقتضياتها محدّدة في الكتب المسيحيّة، تعبر عبرنا أيضًا.
هذا يبيّن أنّ التربية حياة واضحة لا تحتمل تأويلاً بات مرض العصر. فما يمكن أن نشعر به أنّ ثمّة كثيرين بيننا يعتبرون أنفسهم أذكى من إلههم وكنيسته. ونعرف أنّ ثمّة "ملتزمين"يخافون من أن يتعمّقوا في الفهم "وحياة التقوى في المسيح يسوع". والقول الشائع"كلّ واحد على دينو، الله يعينو" يحمل، في مضامينه، مخالفات شتّى. وثمّة، تاليًا،أشخاص يأبون أن يعمق التزام أولادهم خوفًا من أن يخصّصوا أنفسهم لله. وإن كان هذا يوحي بقدرة الله وحقّه ضمنًا، غيرأنّه يبيّن تعاليًا على الله الذي لايُعلى عليه. وهل ثمّة خرافة تفوق خرافة التعالي على الله؟ ثمّة أساس في التربية،لا يقدر على أن يبدله إنسان في الأرض، وهو أنّ الله، الذي يجب أن يعنينا حبّه، هو إله فريد في كلّ شيء، ولا سيّما في دعوته إيّانا إلى التزام ما يرضيه. وما يجب أن يأخذنا، في علاقـتـنا بـه، هو هذه الفـرادة تحـديدًا. فالله فـريد في حبّه ورعايته وصبره، وتاليًا في بثّه رضاه في الأرض. وما من إنسان واع يقدر على أن يجع لنفسه حائطًا بين الله والناس. مَنْ خرج منقبر مغلق في فجر اليوم الثالث، يستطيع أن يهدم كلّ حجر يحول دون وصوله إلينا.
ثمّ الكنيسة يمدّنا التزامها إلى الانفتاح على إنسانيّة رحبة.وهذا ما نحتاج إليه، كثيرًا، في هذه الأيّام. ما يمكننا أن نخمّنه أنّ أولادنا، إن نشأوا على حبّنا ورعايتنا واكتفوا بنا أو بأصدقائهم المقرّبين، فلن يختلفوا كثيرًا عَمَّنْ لا يعنيهم يسوعنا دينًا. الكنيسة تجمعنا إلى أشخاص لا تربطنا بهم جميعًا قرابة لحم ودم أو صداقة، وتاليًا تدفعنا إلى أن نعتاد قرابتهم وزمالتهم. وهذا أمر لا مثيل لأهمّيّته، ولا سيّما إذا نظرنا إلى التباعد الذي ينهش مجتمعنا كما لو أنّه وحش مفترس. ما من شكّ في أنّ هدف الالتزام المسيحيّ أن يدرك كلّ مؤمن أنّه عضو في كنيسة مات إلهها عنها، ليحيا من حبّه.وهذا، متى قام صحيحًا، هو ما يجعلنا ذا نفع في المجتمع الذي نحيا فيه. فالكنيسة عمود الحقّ، ليس بمعنى أنّها تقودنا إلى الحقّ فقط، بل تربطنا بمن يخصّون الحقّ أيضًا،وتجعلنا خدّام الحقّ في مجتمع يعوزه غير خدمة راضية.
إن وعينا هذا كلّه، لانجد سببًا يدعونا، هنا، إلى الكلام على دور مسيحيّ لأيّ مدرسة، ولو كانت أرثوذكسيّة. لكن، ما دامت المدارس، التي تعنى بالتربية الدينيّة، موجودةً ومتعدّدة، فما نحتاج إلى تأكيده هو أنّ كلّ مؤسّسة تربويّة في الأرض، أيًّا تكن،لا يجوز أن تأخذ مكان الأهل في تنشئة أولادهم مسيحيًّا. هذا أمر لا يحتمل أن نتنازل عنه. مَنْ يربِّ أولادنا، يكنْ أمّهم وأباهم! بلى، يجب أن نرسل أولادنا إلى المدرسة التي يريحنا برنامجها التعليميّ والتربويّ. ولكن، لا نستقيل من دورنا. ستبقى المدارس. ولكنّ السؤال الأبقى: كيف نبقى نحن حاضرين، كلّيًّا،أمام أولادنا، ولا سيّما في أمر الله؟ لن يقول الله لنا في اليوم الأخير: أحسنتم باختياركم مدرسة أولادكم. لكنّه،بالتأكيد، سيسألنا إن كنّا ربّيناهم كما يليق بمجده.
حياتنا في المسيح إطارها الطبيعيّ كنيسة شاء الربّ أن يمدّها فينا. هذا، إن تبنّيناه فعلاً وأخلصنا له، يعطينا أن نرجو أن يغدو هذا العالم عائلةً تلهج بقصّة حبّ إله ليس لها نظير في الأرض.