أخي الحبيب...
بدايةً، تم مناقشة هذا الموضوع بشكل مفصل في السابق من خلال موضوع "هل يقتل الله فى سبيل التأديب؟؟"
على كل حال، أورد لك جواب لسؤال طُرح في كتاب الدكتور عدنان طرابلسي (سألتني فأجبتك ج 2) بعنوان:
"نجد في العهد القديم قصصاً كثيرة "غير عادية"، مثل القتل أو الأمر بالقتل. الكثير من هذه القصص تُعزى إلى الله نفسه. كيف يمكننا أن نفهم مثل هذه القصص: بصورة رمزية أو مجازية؟ هل يأمر الله نفسه بغزو أراضٍ أو بقتل الناس؟ أليس هو محبة؟؟
الجواب:
إن فيلون الإسكندري، مفسر العهد القديم اليهوي العظيم والمعاصر للمسيح، قد اعتمد على التفسير بحسب المجاز بتفسير نصوص عديدة من العهد القديم اعتبرها "غير لائقة" بالله. وتشمل هذه النصوص قصص انتصارات إسرائيل على شعوب أُخرى خلال غزوهم لكنعان. إن الأمر الإلهي الظاهري المعروف بـ "اللعنة ban": وهو الأمر بتدمير كل حياة غريبة، حيوانية وبشرية؛ هو بصورة عامة صورة لله موجودة في المزامير والأنبياء، حيث تصوره منتقماً، عنيفاً، حقوداً وقاسياً. كيف نتعامل مع هذه النصوص؟ كيف يجب أن نقرأ النصوص التي تُظهر الله وهو يأمر شعبه بالقتل، أو التي تُظهر شعب الله وهم يطلبون منه، من الرب، أن يقضي على أعدائهم؟
يجب الاعتراف بأن فيلون كان محقاً عندما رفض أن يقرأ مثل هذه النصوص بصورة حرفية. مع ذلك توجد حدود يجب مراعاتها عندما نطبق المجازية، خاصة إن كان قصدنا أن "نشرح" عناصر من التقليد الكتابي تجعلنا نشعر بعدم الارتياح. علينا التسليم بحقيقة ما يُشار عادة إليه بـ "الكشف التدريجي": وهو حقيقة أن الله يكشف عن طبيعته ومشيئته الحقيقية على مرحل، "بمقدار ما يستطيعون أن يحتملوا" ("أو حسب ما استطاعوا": طروبارية عيد التجلي والتي تتحدث عن المقدرة المحدودة للتلاميذ ليسبروا غور الأهمية الحقيقية لظهور يسوع في المجد). في أقدم طبقات تقليد العهد القديم (والتي تعد إلى أكثر من ألف سنة قبل المسيح)، كان الله في الحقيقة يُصور على أنه يتصرف بحقد وانتقام، ويشن حرباً ويقضي على أعداء إسرائيل. بالتأكيد كانت يد الله توجه شعبه منذ البداية ذاتها؛ وأحد جوانب هذا التوجيه هو السماح لإسرائيل بشن حرب والقضاء على العناصر الوثنية التي كانت تهدد حياتهم وإيمانهم. لكن الله كشف نفسه بالتدريج بصورة أكمل كإله الرحمة والحق والبر. يقول للنبي أشعيا إنه "قدوس إسرائيل". ويقول لإرميا إنه صانع "العهد الجديد" الذي سيعني الحياة لإسرائيل وللأمم. ولعاموس ولأنبياء آخرين هو الرب الذي يطلب إظهار العدل والرحمة للفقراء والضعفاء والمهمشين، سوواء كانوا من إسرائيل أو من "الأمم".
كل هذا هيأ الشعب للظهر الكامل الذي صنعه الله لنفسه في شخص ابنه الأزلي يسوع الناصري، وفي تعليمه وموته وتمجيده. فهنا عرّف الله عن نفسه كمحبة لا حدود لها، محبة لا تطلب موت الخاطئ بل عودة الخاطئ – كل خاطئ – عن طرقه الشريرة ليحيا.
كيف فسر آباء الكنيسة النصوص، خاصة نصوص العهد القديم، التي تصور الله إله حرب وقاض منتقم؟
إنهم يميلون، مثل فيلون، إلى استعمال الطريقة بحسب المجاز وطرق أخرى من الاقتراب الرمزي المماثل. لقد فهموا "أعداء" إسرائيل المدانين بقسوة في المزامير على أنهم إشارة باطنية إلى "الشياطين"، إلى التأثيرات الشيطانية التي تسعى إلى جر المؤمنين إلى الهلاك. وفهموا دعوة الله للانغماس في حرب مفتوحة مع القبائل الوثنية كصور رمزية للصراع المسيحي ضد الأهواء، وضد أعداء الكنيسة الحقيقيين. لكنهم فهموا هذا الصراع على أنه صراع روحي بصورة أساسية. الغاية منه هي تخليصنا من النزعات (الأهواء) الداخلية التي يمكن لها أن تهلكنا عن طريق إدخال الشك إلى الإيمان وإحلال الكبرياء مكان التواضع.
لو كان العهد القديم في الحقيقة "كتاباً مسيحياً" كما نعتقد، فعندئذ إن هذا النوع من القراءة بحسب المجاز أو القراءة الرمزية لنصوص معينة منه هي ليست فقط قراءة مسموح بها بل إلزامية. إن أعمق حقيقة يكشفها الله لنا عن نفسه هي بالضبط حقيقة أنه محبة بطبيعته بالذات. تلك المحبة، الموصوفة بفصاحة جداً في كورنثوس 13، هي مصدر ونموذج محبتنا، ومصدر الموقف والإيماءات التي بها نتصل بالله وبالناس الآخرين. مع ذلك لكي نحافظ على شبه بتلك المحبة علينا أن ننهمك في معركة متواصلة، في "حرب غير منظورة"، تعود جذورها مجازياً إلى العهد القديم وإلى صوره المتنوعة التي تبدو "غير جديرة" بالله.
المصدر: الأب جان بريك، د. عدنان طرابلسي، سألتني فأجبتك (ج 2)، (عمشيت: دكاش برينتينغ هاوس، 2011) ص ص 113- 114
صلواتك

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس

المفضلات