كيف نفهم اليوم قصة آدم وحواء؟
هذا عنوان كتاب للدكتور كوستي بندلي الذي يحاول فيه أن يُفسّر "السقوط"، إذ يقول في الصفحة 73:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: د. كوستي بندلي، كيف نفهم اليوم قصة آدم وحواء،73
معنى "السقوط"
برأيي، لا يجوز لنا أن نفهم النصّ بمعناه الحرفي، فنتصور أن الإنسان كان في مرحلة سبقت في حالة من الكمال والسعادة والخلود، وإنه سقط منها فيما بعد. هذا تأويل انتشر في الكنيسة، وخاصةً الغربية منها، بدءاً من أوغسطينوس (القرن الخامس)، ولكنه لم يكن موقف العهد الجديد ولا الآباء الأقدمين. صورة "السقوط"، باعتقادي، إنما هي تعبير، بالنمط الأسطوري الذي أشرنا إلى أن الفصول الأولى من سفر التكوين قد صيغت بموجبه، عن هذه الحقيقة القاسية، ألا وهي أن وضع الإنسان الراهن إنما هو دون ما رسمه الله له والذي يكوّن طبيعته الأصلية. أي أن "الصورة" الإلهية (طاقة التشبه بالله) بقيت مجرّد إمكانية ولم تنتقل إلى حيّز الفعل (لم تصبح "مثالاً" أي تشبهاً فعلياً بالخالق). بعبارة أُخرى، فإن الإنسان يحيا دون مستواه الحقيقي، ذاك الذي أعده الله له.
إن سفر التكوين، في حديثه عن أصل الإنسان، يرسم صورتي الكمال والسقوط. وإذا كان تصوير أصل الإنسان إنما هو إشارة أسطورية، كما قلنا، إلى حقيقته العميقة، فذلك يعني أن الإنسان، في جوهره، مزيج من العظمة والحقارة، من القوة والضعف، من نزعة إلى الكمال والخلود ومعاناة للشر والموت. ذلك هو المزيج من العظمة والبؤس الذي لخّص به المفكر المسيحي الكبير باسكال، في مؤلفه "الأفكار"، الوضع الإنساني بما يحمله من تناقض مأساوي. ولكن لماذا صوّر الكتاب الكلمال أولاً ثم المعاناة؟ الجواب هو أن هذا الترتيب الزمني إنما هو إشارة، بالنمط الأسطوري، إلى أولوية كيانية. وكأن الكتاب بذلك يقول: الأصل في الإنسان -بمعنى الأصالة لا الأصل التاريخي، بمعنى الهوية الحقيقية للإنسان، كما رسمها خالقه- إنما هو الكمال. أما الضعف والمعاناة والشرّ والموت، فينبغي أن لا يُنظر إليها إلا بالقياس إلى هذا الأساس، بحيث أنها تعتبر انتقاصاً منه، وبعبارة أُخرى "سقوطاً".
لن أدخل في مناقشة هذا الكلام، بل فقط أود أن أعرف ما هو رأي الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية فيما جاء في هذا الكتاب؟
يُعتبر الدكتور كوستي بندلي علم من أعلام الكنيسة الأنطاكية في القرنين 20-21، وأفكاره وكتاباته -الرعائية خاصةً- تربّى عليها أجيال، وفي حركة الشبيبة الأرثوذكسية يعتبر الدكتور كوستي أيقونة الحركة.
فهل الكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس، تؤمن بأن الإنسان لم يسقط؟ وبالتالي لماذا لا نسمع هذا التعليم صراحةً؟ وإلا لماذا لا نسمع رأيها في هذا الكتاب وما يعلّمه؟
إن هذا الكتاب كان الدافع المباشر لإصدار كتاب يتحدث عن سقوط آدم، يرد فيه الكاتب على ماورد عن "أسطورة السقوط" التي يروج لها الدكتور كوستي في كتابه.
والكتاب الذي نُشر لكي يرد عليه جاء في مقدمة مؤلفه:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الدكتور عدنان طرابلسي، وسقط آدم-لاهوت الأقمصة الجلدية، ص 19
أ- الإنسان والسقوط
في هذه الدراسة الموجزة سأذكر بعض النواحي المهمة التي تدعو الحاجة إلى التأكيد عليها، وسأضطر للاقتصار على المراجع الآبائية المتوفرة بين يدي، رغمأن التقليد الآبائي جسم واحد ولحمة واحدة. كان الدافع الرئيسي لهذه الدراسة هو ما يروج في الأوساط الكنسية من أفكار غير آبائية تتعلق بموضوع الخلق والسقوط. وربما يستغرب المرء أن يلجاء البعض إلى مصادر غير آبائية في مناقشة موضوعات مثل هذه، قبل التعرّف على الحقائق الموحى بها التي دونها لنا آباء الكنيسة. إنما لا عجب في الأمر، طالما يتزايد التيار المعادي للأرثوذكسية ضمن ما يُدعى الكنيسة الأرثوذكسية نفسها. إن تزايد الفرّيسييّن والكتبة والمرائين في الأوساط الكهنوتية والعلمانية إنما هو أداة لتذويب الأرثوذكسية في العقيدة وافي الحياة؛ ومن إحدى نتائج هذا الهجوم انتشار الهرطقات بصورة مباشرة أو غير مباشرة (مُبطنة).
المجد لله يظهر جلياً في الكتاب المقدس وفي التقليد الشريف، لأن الروح القدس هو مصدرهما سوية. خارج الكتاب والتقليد يمكن للإنسان أن يتحرّك ويُفكّر إنما لن يعصمه الروح -له المجد- من الزلل؛ وهذا ما نراه اليوم.
قد يكون فتح هذا الموضوع كمن يدخل عشّ الدبابير، لما يتمع به الدكتور كوستي من حبّ في الأوساط الأرثوذكسية في أنطاكية عموماً وحركة الشبيبة الأرثوذكسية خصوصاً.
ولكن هذه المحبة بالذات تقتضي أن تقول الكنيسة الأنطاكية رأيها فيما كتب فيه.
كل الكتاب بكفة، والقول بأن السقوط هو بدعة أوغسطينية بكفة أُخرى.. كيف يقول الكاتب أن أحداً من الآباء لم يتكلم عن حالة الإنسان قبل السقوط، وعن السقوط؟
وكيف ليس هو موقف العهد الجدديد؟
بحسب ما سمعت أيضاً أن هناك أشخاصاً بالفعل طالبوا بفحص هذا الكتاب وفحص إيمان الدكتور كوستي بندلي، ولكن طُلبَ منهم السكوت وعدم التكلّم في هذا الموضوع!
فالسؤال المطروح الآن أمام أصحاب السيادة: ما هو رأي الكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس فيما جاء في كتاب "كيف نفهم اليوم قصة آدم وحواء؟"؟

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات