تُعدُّ ولادة اللوغوس ( الكلمة ) الإلهي أعني به ربُّنا يسوع المسيح " بالجسد " من أهم الأحداث في تاريخ البشرية . وبحسب قول القدِّيس يوحنَّا الذهبي الفم يُعدُّ هذا الحدث " صلباً " ومحوراً لجميع الأعياد الكنسيَّة . لأنَّه بدون الميلاد فإنَّه ما كان ليحدث الظهور الإلهي ولم يكن ليحدث التجلِّي ولا الصلب ولا القيامة والصعود . إنَّه بدون الميلاد يستحيل أن تكون القيامة وأمَّا بدون القيامة فلا معنى للتجسُّد الإلهي . إنَّ جميع أحداث التدبير الإلهي المُعبَّر عنها في الأعياد السيّديَّة هي متَّصلَّة بعضها ببعضٍ اتصالاً وثيقاً . إنَّ هذه الأعياد بحدِّ ذاتها عبارةٌ عن كلٍّ موحَّدٍ وإن كانت الكنيسة قد قسَّمتها بعضها عن بعضٍ فإنَّ هذا التقسيم هو تقسيمٌ آنيٌّ لكي يتمكَّن جميع أعضاءها من أن يتوَّغلوا في عمقِ كلِّ واحدٍ من هذه الأعياد ويفتكروا ويشعروا به ويعيشوه بين بعضهم البعض . إنَّ صورة هذا الوصال الوثيق بين الأعياد هو القدَّاس الإلهي ( الليتورجيا ) الّذي نعيش في أثنائه الخطَّة الإلهيَّة بأكملها المنجزة لخلاص العالم . ولهذا السبب أيضاً يقول آباءُنا القدِّيسون بأنَّنا نعيّد في كلِّ أحد للميلاد وللقيامة وللعنصرة معاً .
يُعدُّ ميلاد السيّد المسيح حدثاً تاريخيَّاً وسرَّاً من أسرارِ الكنيسة في آنٍ معاً . وتأتي تاريخيَّةُ الحدث من واقع أنَّه قد حدث في لحظةٍ مُعيَّنةٍ من تاريخ البشرية . إنَّه ليس شيئاً مجرَّداً وليس أسطورةً بل واقعاً تاريخيَّاً تمَّ أثناءَ تملُّك أوغوسطوس قيصر وحاكم اليهوديَّة هيرودُس الكبير . إنَّ الإنجيليين جميعهم يُركّزون على تاريخيَّة ولادة المسيح كما يظهر هذا الحدث كدليل لصحَّة وواقعية التجسُّد الإلهي . وتبقى ولادة الله بالجسد برغم ظهوره المحدد في الزمان سرَّاً بحدِّ ذاته . لقد صار المسيح إنساناً كاملاً بدون أن يتوقف أن يكون إلهاً كاملاً ، لكنَّ طريقةَ اتحاد الطبيعتين الإلهيَّة والبشريَّة في الإقنوم الإلهي لله الكلمة تبقى سرَّاً في حدِّ ذاتها . وعندما يقول القدِّيس يوحنَّا الدمشقي بأنَّ المسيح الإله المتأنِّس " هو الشيء الوحيد الّذي يُعدُّ جديداً تحت الشمس " فإنَّهُ يقصد بذلك أنَّه خلال الحقبة الّتي تقع ما بين خلق الإنسان وقبل ميلاد المسيح كان كلُّ شيءٍ عبارةً عن واقعٍ متكرِّرٍ بشكلٍ مستمرٍ ودون انقطاعٍ . هكذا وبهذا المنوال فإنَّ تاريخيَّة الحدث لا تجرِّدُ السرَّ من معناهُ وكذلك فسرِّية الحدث لا تُلغي تاريخيَّته . وهكذا يظهرُ المسيح في تاريخ البشرِّية كنقطة تحول بين حقبتين بين بشرِّية قديمة وبشرِّية جديدة وبالتالي يظهر كنقطة تحوُّل بين العهد القديم والعهد الجديد . يُعدُّ وحيُّ العهد القديم وحي الكلمة العديم الجسد السماوي فيما يُعدُّ وحي العهد الجديد وحي الكلمة المتجسِّد . إنَّ ذاك الّذي تكلَّم مع موسى ومع جميع أنبياء العهد القديم الآخرين هو الوجه أو الإقنوم الثاني لله المثلث الأقانيم - الثالوث الأقدس . لقد تكلَّم أنبياء العهد القديم مع هذا الإقنوم لكنَّهم لم يتمكنوا من رؤية سوى تجسُّده المزمع حدوثه . وأمَّا شركة العهد الجديد أي شركة الرُّسل والشعب مع المسيح الإله المتجسِّد ، فقد تمَّت بشكلٍ فوري ومباشرٍ وشخصي معه . كما يُدعى الإقنوم الثاني من أقانيم الثالوث قبل تجسُّده " ابنَ " و " كلمةَ " الله . ويُعبِّر اسم " الابن " عن ولادة الإقنوم الثاني من الله الآب قبل كلُّ الدهور . وتظهر " ولادته " كخاصَّةًٍ من خواصِّه الأُقنوميَّة . ويُعبِّر اسم " كلمةُ الله " عن نزاهةِ وإعلان هذه الولادة كما أنَّهُ يُظهر لنا الله الآب . وبحسب تعبير القدِّيس غريغوريوس اللاهوتي فإنَّ الّذي يرى ويفهم كلمة الله فإنَّه يرى الآب في الكلمة أيضاً . إنَّه بعد تجسُّد كلمة الله منذ لحظة حبله في أحشاء القدِّيسة والدة الإله أي اللحظة الّتي حدث فيها الاتحاد ما بين الطبيعة الإلهيَّة والطبيعة البشريَّة فإنَّ كلمة الله قد سُمِّيَ منذئذٍ بالمسيح . كما تُستعمل هذه التسميَّة في معرض الحديث عن الطبيعتين للإله المتجسِّد . وبقدر ما تتقبَّل الطبيعة البشرِّية مسحةً من لدن الله ( من الكلمة اليونانية " خريستيكي " ) بقدر ما يُصبح الكلمة مسيحاً . كما يُعبِّر اسم " المسيح " عن ثالوثيَّة الله . إنَّ ذاك الّذي يمسح ( من الكلمة اليونانية " خريسانتا " ) هو الله الآب وأمَّا الممسوح فهو الابن ( من الكلمة اليونانيَّة " خريستينتا " ) . وأمَّا ذاك الّذي يُمثِّل المسحة ( من الكلمة اليونانية " خريسما " ) فهو الروح القدُس .
إنَّنا نميِّز في الإقنوم الثاني لله الثالوث أي الله الكلمة ولادتان . إحداهما تمَّت قبل كلِّ الدهور من قبل الله الآب وأمَّا الأخرى فقد تمَّت من أجلنا نحن البشر ولادة جسديَّة من القدِّيسة والدة الإله . لقد ولد ابن وكلمة الله من الله الآب قبل كلِّ الدهور من دون أمٍّ بينما وُلِد في الزمن بالجسد من مريم العذراء من دون أب . إنَّه كما لا الله الآب لدى ولادة ابنه قد نقصت ألوهيته هكذا ولا والدة الإله الفائقة القداسة قد فقدت بتوليتها عند ولادتها . إنَّ كلا ولادتي الابن تعدُّ بعيدتا المنال للعقل والمنطق البشريِّين ولذلك يُعدُّ كلٌّ منهما سرِّياً ، وهما سرٌّ لا يمكن للإنسان أن يدنو منه .
إنَّه يتبادر على ذهن الناس بشكلٍ معقولٍ تماماًُ السؤال لماذا الإقنوم الثاني من أقانيم الثالوث الأقدس بالتحديد قد تجسَّد وليس الإقنوم الأول أي الله الآب أو الإقنوم الثالث الّذي هو الروح القدس . ينبغي لنا أن نؤكِّد مجدداً بأنَّه قد اشترك في التجسُّد كلَّ أقانيم الله الثالوث ، فالله الآب شاء أن يتمَّ تجسُّد ابنه وأمَّا الروح القدُس فقد عمل على أن يتمَّ ذلك التجسُّد . إنَّ تجسُّد الإقنوم الثاني أي الابن الكلمة هو عاقبة عدَّة أسبابٍ أساسيَّة . أولاً يظهر الإله الكلمة كنموذج أولي للإنسان المخلوق لأنَّه هو " هيئة الله الّذي لا يُرى " ( 1كورنثوس1: 15 ). وقد تمَّ التجسُّد بسبب أنَّ الإنسان قد خُلِقَ على صورة الله فبالتالي فإنَّ هذا قد حدث على حسب صورة الله الكلمة . كما يقول القدِّيس يوحنَّا الدمشقي " على صورة الله " يعني أنَّ الإنسان قد أُعطِيَ عقلاً وإرادةً حرَّة وأمَّا " كمثاله " فيعني أنَّه قد أُعطِيَ أن يكون كاملاً في الفضائل بحسب ما تسمح به طبيعة الإنسان . وعندما حدثت معصيَّة وصية الله أي عندما حدث السقوط البشري فإنَّ ذلك " المثال " قد أُظلم عليه لدى الجدِّين الأولين وقادهم بالتالي إلى الفساد والموت . وكذلك بسبب أنَّه كما يرى القدِّيس أثناسيوس الكبير لم يكن بمقدور الإنسان من جراء دخول الموت إلى الطبيعة البشرِّية أن يُخلِّص نفسه عن طريق التوبة فقط ويرجع إلى حالته الأوليَّة .وإنَّ هذا هو السبب في قبول ابن وكلمة الله الجسد والموت والآلام لكي يصبح آدماً جديداً ونموذجاً أوليَّاً للخليقة الجديدة .
وأمَّا السبب الثاني فهو حقيقةُ أنَّ الله الكلمة بالذات هو مَن كان يُخبر البشريَّة بمشيئة الآب . إنَّه طوال مُدَّةِ العهد القديم وطوال الوقت إلى حينِ تجسُّده كان الله الكلمة يتكلَّم مع البشريَّة عن طريق الأنبياء .
وأمَّا السبب الثالث والّذي يمكن أن يكون السبب الأهم لتجسُّد الإقنوم الثاني بالذات فهو أنَّه لدى كلُّ إقنومٍ في الثالوث الأقدس خاصيَّة إقنوميَّةٌ " غير متحرِّكة " وغير قابلة للتغيُّر . بالنسبة لله الآب فإنَّ هذه الخاصيَّة هي الأبوَّة وأمَّا بالنسبة لله الابن فهي البنوة بينما بالنسبة للروح القدُس فإنَّ هذه الخاصيَّة هي الانبثاق من الآب . ولذلك أيضاً لا يمكن لله الآب أن يصبح ابناً ولا يمكن ذلك للروح القدس أيضاً . ولهذا بالذات كان على الله الابن الّذي وُلِدَ من الآب قبل الدهور أن يولدَ ثانيَّةً في الدهر ويقبل جسداً لأجل خلاصنا . لكي نتمكَّن بواسطته هو الّذي تأنَّس من أن نتأله نحن أيضاً .
تمَّ جمعه من فبل ف. كارافلشيف
مأخوذٌ عن سلسلة " الأعياد السيِّديَّة "
المنشور في جريدة " الأصوات " الروسيَّة
الكاتب : إيروثيوس فلاخوس متروبوليت ( مطران ) مدينة نافباكت الرومانيَّة
تُرجم من موقع أبواب الأرثوذكسيَّة البلغاري
فيكتور دره 22 / 12 / 2011

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات