ج 2 مقدمة كتاب معرب لبطريرك العرب الياس الرابع معوض
مقدمـــــة كتاب " فـــي الـمـعـمـوديـــة "
كتب المثلث الرحمات البطريرك الشهيد القديس الياس الرابع معوض في مقدمة كتابه المعرب الصادر عام 1975 ، عن مطبعة باب توما ، والذي كان تحت عنوان /" في المعمودية "/ ، ما يلي :
/" من بين الكتب التي تحمل اسم القديس يوحنا الذهبي الفم ، هذا الكتاب المتضمن ثماني مواعظ في المعمودية ، كان هذا الكتاب مجهولاً ، لو لم يعثر عليه أنطوان واغنر ، في مخطوط موجود في دير ستافرو نيكيتا ، في جبل أثوس ، أثناء قيامه بدراسة المخطوطات اليونانية ، بناء على تكليف الحلقة الوطنية للأبحاث العلمية .
والمخطوطة الموجودة اليوم في الدير المذكور ، تعود إلى القرن الحادي عشر ، وهي فريدة في نوعها ، ويفاخر الدير بها كتحفة ينفرد بها دون سواه في العالم أجمع ، والمواعظ المذكورة ، كما يستدل من مضمونها ،موجهة إلى الموعوظين الذين سجلت أسماؤهم في بدء الصيام المقدس ، لتقبل المعمودية في الليلة الفصحية .
في الموعظة الأولى يشرح الذهبي الفم معنى المعمودية ، ويتكلم عن الإيمان بصورة مقتضبة ، ثم يحث السامعين على تطبيق الحياة المسيحية عملياً ، يقول الذهبي الفم أن المعمودية هي زواج روحي بين النفس والمسيح ، فالزوجة تترك بلدها وبيتها وأقاربها لتلتصق بالرجل الذي لم تره قط إلا حين جاء يخطبها من بيت أبيها ، ليكون لها أباً وأماً وزوجاً ، في الزواج الروحي ، أعني المعمودية يحمل الزوج الهدية ، والزوجة العهد ، هدية الزوج ، هو الدم المراق لمشترى الكنيسة وتقديسها ، وعهد الزوجة ، هو نكران الشيطان ، والالتصاق بالمسيح .
هذه الحقائق ، لا تدرك إلا بعين الإيمان ، وما دام الإيمان هو أساس التقوى ، فالمعلم يعطي موجزاً للإيمان : إننا نؤمن بالله الآب خالق الكون ، وبيسوع المسيح ، الابن الوحيد المساوي للآب ، على أنه أقنوم مميز قبل الزمـان ، تجسـد في آخـــر الأزمنـــة ، وصار إنسانا لخلاصنا ، هذا الإيمان ضروري للخلاص من ناحية ، وكاشف من ناحية أخرى ، ألاعيب الأريوسيين الذين ينكرون مساواة الإبن للآب ، وناقض وهم ســـابيليوس الذي يخلط بين الأقانيم ، ويجب أن نعترف بإلوهية الروح القدس المساوي للآب والابن ، هذا يكفي للمعمودية .
والإيمان يظهر بالأعمال ، فالذين يعتمدون يجب أن يتموا الفضيلة المسيحية دون أي خوف أو وجـــل ، وألا يجزعوا من حمل نير المسيح ، لأن نيره خفيف وهين ، ولأنه يفترض أيضاً الابتعاد عن الخزعبلات ، وعن كل ما يشوه المعتقد السليم .
يتابع الذهبي الفم في موعظته الثانية ، تعليمه للمدعوين إلى المعمودية ، فيتكلم عن الرحمة الإلهية ، ويشرح كل مخطط الخلاص .
إن صلاح الله يظهر جلياً ، في قصاص الجد الأول ، العمل في الأرض يذكر آدم بالنعم التي فقدها ، ويدعوه إلى التفكير بالخسارة التي نتجت عن عدم الطاعة ، وهكذا يكون القصاص عناية واهتماماً وتعليماً ، أما عمل الشيطان فمعاكس لصـــلاح الله ، لأن الشيطان بإقناعه الإنسان أنه سيكون مساوياً لله فقد أخرجه من الفردوس ، فحكم الله برحمته على الإنسان بالموت ، وأعطاه في الوقت ذاته الخلود .
بعد أن ينهي الذهبي الفم تعليمه ، يتكلم عن بعض العادات والطقوس ، يتكلم عن العراب وواجبـــه ، وعن الابتعاد عن الشيطان ، والالتصاق بالمسيح ، ثم يتكلم عن مسحة الزيت على الجبين وعلى الجسد ، وكيف تتم المعمودية في الكنيسة ، ويشير إلى أنه بعد خروج المعتمد من جرن المعمودية ، يأكل جسد المسيح ويشرب دمه ، ويطلب من المعمدين أن يصلوا من أجل سلام الكنيسة ، ومن أجل التائهين ، وارتداد الخطأة .
أما الموعظة الثالثة ، فهي كما يظهر من المضمون ، قد ألقيت في صباح الفصح المقدس ، على الذين اقتبلوا سـر المعمودية ، إنه فرح جداً لأن النعمة قد جـلـلـت هؤلاء المؤمنين الذين بالجهاد والكفاح ، يعيشون في النور الإلهي الذي غمرهم ، المسيح أصبح معهم ، لا يعطيهم السلاح فقط ، بل يعطيهم دمـه شراباً يقويهم ويشدهم ، إنـه سـلاح رهيب ضد الشيطان النـادم ، الحمل أجبر الشيطان على الهرب فكم بالحري دم المسيح الذي أريق من رجـل خلاصنا ، خرجـت حواء من جنب آدم وخرجت الكنيسة من جنب المسيح ، من جنب المسيح خرج ماء ودم رمزاً للمعمودية والسر المقدس ، لقد خرجنا من صحراء المعمودية ولم نعد بحاجة إلا إلى دم المسيح .
يتابع القديس تعليمه ، فيشرح في الموعظة الرابعة والخامسة ، الواجبات الأخلاقية المفروضة على المستنيرين ويقول :
إذا كان أحدنا في المسيح فهو خلقة جديدة ، إنــه يـشـــع بأعمالـه قدام الناس ، إنـه مصلوب دائمـاً ، وميولـه هي المصلوبة ، وعليه أن يكون جديراً بأورشليم السماوية .
وفي الموعظة السادسة يحذر الأصحاء من ارتياد المسارح والملاهي ، ويدعوهم إلى الصلاة لأن هذا الارتياد أمـر لا يتفق ورسالة المسيحي الحقيقي كما أنه ظاهرة تدعو إلى اليأس من صلاحـه ، على المسيحي ، إذا سقط في الخطايا ، أن يمحو الخطايا بالتوبـة والدموع .
أمـا في الموعظة السابعة فإنـه يتكلم عن بقايا القديسين ، وعن فائـدة هذه البقايـا للمؤمنين ، كما يتكلم عن احتقار الخيرات العالمية ومحبة الخيرات السماوية ، وعن الصـلاة والحـسـنة ، وينهي الموعظـة بمديح المؤمنين الذين أقبلوا من القرى ، ويتخذ إبراهيم مثلاً للإيمان ، ومثلاً للتمسك بالخيرات السماوية ، ويحث على أن يتخذوه مثلاً للمتمسكين بالخيرات الأرضية ، ويضع منهجاً للحياة المسيحية .
إن مضمون هذه المواعظ يشير إلى أنها ألقيت في أنـطـــاكـــيـــة ، ففي الموعظة الثامنة يرحب بالجموع التي جاءت من القرى لاقتبال المعمودية ، إن هذه الجموع لم تكن تتكلم اليونانية ، كانت تتكلم لغتها الخاصـــة ، بخلاف أهل أنطاكية الذين كانوا يتكلمون اللغة اليونانية ، والقرى المجاورة لأنطاكية كانت تتكلم لغة خاصة بها ، قد تكون السريانية ، وفي إحدى مواعظه عن التماثيل يمتدح الذهبي الفم إيمان هؤلاء القرويين البسطاء وفلسفتهم العملية ، يمتدح حياتهم البعيدة عن الكسل والملذات ، والمقسمة بين الحقل والكنيسة ، هناك في العمل وهنا في الصلاة ، والصلاة والعمل هما في الواقع الحيـــاة الفلسفية الملائكية ، هذه المدائح الموجهة لهؤلاء المؤمنين تؤكد أن المواعظ ألقيت في أنطاكية وليس في مكان آخـــر .
إن المعمودية في الكنيسة الأنطلكية ، كما يستدل من مضمون المواعظ ، كانت عيداً يشترك فيه المؤمنون لازدياد فعل الروح القدس فيهم ، وسبيلاً للتنوير الروحي ، وهداية من هم خارج المعمودية .
هذه المواعظ التي لفظها هذا القديس ، والمعلم الأمثل لتعاليم المسيح في أنطاكية ، تنطبق بمضمونها على كل العصور ، وكأنها كتبت إلى الأجيال اللاحقة ، لتكون مدرسة إيمان وفهم ونور ، إنها بالنسبة لأبناء أنطاكية في هذه الأيام ، كما كانت لأبناء أنطاكية الغابرين معوان على التعمق في فهم سر المعمودية المقدسة ، كبطن يلد الأجناد لملكوت الحقيقة والمعرفة ، وكدافع لدراسة نفوسهم درساً عميقاً يخلصون عبره ، إلى البعد الذي من أجله وجدوا ومن أجله يعملون ، المعمودية هي السر الذي يصبح به المخلوق مولوداً ، ويحصل على البنوة في الله ، وإذا مـا استمر لابساً ثوب المسيح بالمعمودية ،فإنه ينتهي إلى القداسة التي تحمل الجسد ليشاهد مجده في مجد الحقيقة الإلهية .
الذهبي الفم هو فخر أنطاكية ، لذلك رأينـــا أن ننقل هذا الكتاب إلى العربية ، ليعرف المسيحيون الأنطاكيون أيـــة كواكب لمعت في أنطاكية ، وأيـــة سموات كانت تفتـــح بفكـــر الذين قدستهم كنيسة الروح والفكر والعمل ، والحرية الروحية"/ .
البطريرك
الياس الرابع معوض

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات