وهنا تنبهنا الديداخي إلى أمرٍ هام وخطير، وهو أن ذبيحة الإفخارستيا طاهرة للأطهار فقط، وهذا ما سوف نسمعه في القداس بعد ذلك “القُدْسات للقديسين”. أي أن كل مَنْ اعترف بخطاياه وغُفرت له وتطهَّر ضميره، تصبح الإفخارستيا له طاهرة، أي للتقديس والتطهير. أمَّا كل مَنْ لم يعترف بخطاياه ولم يُقلع عنها لتُغفر له وكان ضميره غير طاهر أمام الله، فإن الإفخارستيا لا تكون له ذبيحة للتطهير ولا تُقبل شركته فيها للطهارة أو للتطهير بل تكون للدينونة والضعف والمرض بل والموت، كقول القديس بولس الرسول.
بل وتزيد الديداخي في مسئولية الداخلين في شركة الإفخارستيا أن يكونوا رُقَباء على بعضهم، فلا يسمحوا لأحد يعرفون أنه في خطيئة أو في خصومة مع آخر أن يتقدَّم للشركة معهم، لأن شركة غير الطاهر تلوث أيضاً الباقين: «لئلاَّ تتنجَّس ذبيحتكم!!». وهذا أمر خطير للغاية، فوجود المتهاونين والمستبيحين والنجسين داخل القدَّاس واشتراكهم في الذبيحة يتسبب في ضرر يعمُّ الجميع!!! ومن هنا دخلت ضرورة القُبلة الجماعية أو المصالحة العامة كمقابل حتمي للاعتراف العام الذي كان يُجرَى علناً في العصور الأُولى.
رابعاً: الديداخي هنا تطالب الكنائس التي لم يُرسَم فيها أساقفة وشمامسة بعد بضرورة أن يقوموا بهذا الإجراء بعد التيقن من استحقاق المتقدمين لهذه الخدمة.
في الفصل الحادي عشر تقول الديداخي:
[رحِّبوا بكل مَنْ يأتيكم ليعلِّمكم كل الأشياء المذكورة قبلاً. غير أنه إذا حاد المعلِّم عن التعليم إلى ما يناقضه، فلا تُصغوا إليه ).]
[فليرحَّب بكل رسول (لا يقصد الرسل الاثني عشر بل المبشرين الجائلين) يزوركم ترحيبكم بالرب، على أن يُقيم عندكم يوماً واحداً لا غير.]
[كل نبي يأمر بالمائدة (أي يطلب أن تُقام وليمة أغابي) وهو يتكلَّم بالروح لا يأكل منها، وإلاَّ فهو نبي كاذب. (معروف أن الأغابي لا تُقام إلاَّ بأمر الأسقف، وذلك بحسب ترتيب القديس إغناطيوس الأنطاكي (استشهد سنة 110م)، إذاً، فالديداخي تمثل عصراً قبل عصر القديس إغناطيوس، أو هي تغطِّي المرحلة بين بولس الرسول والقديس إغناطيوس.]
ثم تعود الديداخي بعد ذلك وتقول (في الفصل 15 كما هو مدون سابقاً):
[أقيموا لكم أساقفة وشمامسة جديرين بالرب، رجالاً ودعاء غير محبين للمال صادقين ومختبرين، فهم يخدمون لكم خدمة الأنبياء والمعلمين (أي إقامة الأسرار والإفخارستيا).]
وهكذا نلخِّص ما قلناه: إن الديداخي تقدِّم لنا أقدم صورة للأغابي في وضعها الرسولي، موضحةً للشعب كل ترتيبها وصلواتها حرفياً، ولكنها تفصلها عن الإفخارستيا الملازمة واللاحقة لها، بحسب نفس الترتيب الذي كشفه القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس، ثم تعطينا صورة أخرى رسولية لإقامة الإفخارستيا، حرَّة من الأغابي، أي منفصلة عنها تماماً، في يوم الأحد خاصةً، للشعب عامةً وليست للأخصاء، ولكن دون أي إفصاح عن مضمون النصوص والممارسات السرية في كيفية التقديس، لأنها لا تتبع الشعب فهي ممارسات كهنوتية محضة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات