ماهية الكنيسة
منذ البدء الفردية مرفوضة عند الله، والشركة أعلنها عندما خلق آدم، ويليه عندما خلق حواء لآدم. كل نفس منفردة هي مشتتة ولا تستطيع الوصول إلى الله. فالله هو الباب للوصول للآخر، الآخر هو الباب للوصول إلى الله.أخطأ آدم وشوّه علاقته مع الله ومع الآخر ومع نفسه. فالشركة التي صنعها الله تصدّعت نتيجة الخطيئة تلك.
لم يدع الله البشر على أنهم نفوس مشتّتة منفردة بل جمع شعباً فيه وبه يحمل كل فرد، وفيه يحمل كلُّ فرد الآخرين. العلاقة بين البشر تتم فقط وبصورة صحيحة عندما يكون الله فيما بينهم. والوصول إلى الله لا يتم إلا من خلال وحدة تامة وكلية بين البشر.
قبل كل شيء نوضح معنى كلمة الكنيسة الواردة في الكتاب المقدس. وهل يمكن تحديد زمن لم تكن فيه الكنيسة؟ ونعرض أثر الخطيئة الجدّية على الشركة الأولى، ووضعية الكنيسة في العهد القديم. ومع مجيء الرب يسوع المسيح كيف أصبح وضع الكنيسة؟ وما هي طبيعتها وماهيتها.
شرح الكلمة:
إن كلمة Ecclesia باللاتينية، ومنها بالفرنسية Eglise هي نقل للكلمة اليونانية Ekklhsi1a التي نقلتها الترجمة السبعينية من اللفظة العبرية "قاهال"
إن لفظة "قاهال" العبرية تعني "محفل"، "جماعة" أو اجتماع الشعب، واستعملت بالمعنى العالمي والديني (تث 1:13) (نح 1:13). بالمعنى العالمي هي جماعة الشعب، جمعية مدنية، مجتمع بشري. مثلاً المزمور (5:25) "أبغضت مجمع الأشرار". بينما بالمعنى الديني تدل على جماعة الله أي، كما في العهد القديم، على جماعة الإسرائيليين (مز 23:21-26) (مز 10:39).
وإذا حاولنا أن نتفهم معنى لفظة Ekklhsi1a ، وجدنا أن الفعل اليوناني هوKale1w أي "أدعو" والاسم هو Klh1sij أي "الدعوة". نلاحظ التأكيد على أن هذه الجماعة مدعوة من الله.
"فاللفظة اليونانية التي اتخذها المسيحيون الأوائل للدلالة على الحقيقة الجديدة التي أدركوا أنهم شركاؤها، تفترض فهماً دقيقاً جداً لما كانت عليه الكنيسة. فهذه اللفظة التي تبناها المسيحيون تحت تأثير استخدامهم للترجمة السبعينية تؤكّد أولاً الاستمرار العضوي بين العهدين، لأن الوجود المسيحي قد فُهم من خلال المنظور المقدّس للإعداد المسياني ولتحقيقه (عب 1:1-2)" .
المعنى الجديد في العهد الجديد يدل على "اجتماع" أو "جماعة" المسيحيين، سواء أكانت جماعة بمفردها كالجماعة التي في بيت أكيلا وبريسكلا "وعلى الكنيسة التي في بيتهما"(رو 5:16) والتي في أورشليم (أع 1:8) والتي في إنطاكية (أع 1:13، 26:14). أو جماعة المسيحيين عموماً "وأنا أقول لك أيضاً أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي" (متى 18:16)، أنظر (أع 31:9، 28:20)، (أفس 22:1، 23:5).
الكنيسة قبل خلق العالم:
حياة الكنيسة سابقة لخلق العالم والإنسان، إنها تتناهى في الأزلية. يمكن القول أن الكنيسة كانت، قبل بدء الأجيال، غاية الخليقة وأساسها. وهي، بهذا المعنى، "خُلقت قبل كل شيء، ومن أجلها صُنِع العالم"
إن الرب خلق الإنسان على صورته، الأمر الذي يجعل ممكناً دخول روح الكنيسة الإنسان وتجسد الإله، فليس يمكن أن يتخذ الله إلا طبيعة كائن مُشاكل له، مالك صورته.
إن وحدة الكنيسة، التي هي على صورة الثالوث، هي نواة وحدة الجنس البشري التامة. لذا فمن العسير تحديد زمن لم توجد فيه الكنيسة في الإنسانية. على الأقل بموجب اعتقاد الآباء وُجدت كنيسة أولية حتى في الفردوس (تك 8:3) . قبل الخطيئة كان الرب يتحدث إلى الإنسان وكان بحالة اتصال به. وبعد الخطيئة، وضع الرب أساس ما يسمى كنيسة العهد القديم.
يذكر بولس الرسول "تدبير ذلك السر الذي كان مكتوماً طوال الدهور في الله خالق جميع الأشياء ليكون الفضل للكنيسة في إطلاع أصحاب الرئاسة والسلطة على حكمة الله التي لا تحصى وجوهها وما ذاك إلا تحقيق للقضاء الأزلي الذي عزم الله عليه في ربنا يسوع المسيح" (أفس9:3-10، أنظر 26:1) بهذا المعنى ثمة كنيسة في الفرودس، ولكن سقوط الإنسان من الشركة الأولى أدى إلى انتقال الكنيسة من الفردوس إلى الأرض. الكنيسة هي صلة الوصل بين البشر أنفسهم، وبينهم وبين الله، على صورة الشركة القائمة بين الأقانيم الثلاثة، وبالخطيئة تهشمت هذه الصلة (الشركة) (الكنيسة).
قال القديس إغناطيوس الأنطاكي: "حيث يكون المسيح فهناك تكون الكنيسة الجامعة" . وقال القديس إيريناوس: "حيث تكون الكنيسة يكون الروح القدس، وحيث يكون الروح القدس تكون الكنيسة"
وبما أن المسيح والروح القدس كائنان منذ الأزل، فالكنيسة إذاً أزلية. ولكن كونها أزلية لا يعني أنها غير منظورة، فنحن نعلم أن الرب يسوع تجسد وأصبح منظوراً، والروح القدس حضر في يوم الخمسين "الذي ما كان حاضراً فيه مثلما صار فيه الآن"
أثر الخطيئة الجدّية على الشركة الأولى:
في الحقيقة، إن نتائج الخطيئة الجدية لا تؤثّر على علاقة الإنسان مع الله فقط، بل على علاقته مع أخيه الإنسان أيضاً. فمن يبتعد عن الله تجري حياته تحت تأثير الأهواء وقوة الخطيئة الهدّامة (رو 18:1-32) (غلا 9:5-21). وأولى نتائجها هو التمزق الداخلي لشخصية الإنسان ذاته، كما يشدد بولس الرسول (رو15:7-25)، (غلا17:5).
في داخل الإنسان الخاطئ يدور النزاع بين الإنسان وأناه. في هذا الانقسام الداخلي لشخصية الإنسان الخاطئ نلاحظ أنه يحاول يائساً أن يفك قيود الشيطان وقيود الخطيئة الساكنة فيه ويصعد إلى الله. لكنه لا يستطيع أن يحقق ذلك بدون المسيح. حالة الإنسان المأساوية هذه، غريبة عن الشخصية التي جبلها الله في البدء جاعلاً إياها ذات عوامل نفسية وروحية منسجمة و متناغمة، بحيث لا يستطيع أي عامل بمفرده أن يعبّر عنها، لأن التناغم المتوافق واشتراك كل عوامل الكيان الإنساني هما اللذان يؤلفان الشخصية للإنسان بحسب الله، بينما يؤلف تفرّق هذه العوامل وتمزقها وعدم انسجامها شخصية الخاطئ .
التمزق الداخلي لوحدة الشخصية الإنسانية، يساهم في تفكك هذه الوحدة مع الله ومع الإنسان يلاحظ كاتب سفر التكوين بعد الخطيئة الجدية مباشرة، أن "خطايا الناس قد ازدادت على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم هو شر في جميع الأيام". عيش الخطيئة احتل الإنسان العاصي، ومن هنا انقياده بشكل دائم نحو الشر تجاه اخوته البشر الذي يفترق عنهم نفسياً ويبتعد. " أنحن أفضل.. كلنا تحت الخطيئة.. الجميع فسدوا وزاغوا.. لا يوجد فرق الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله (رو 9:3-23).
التجزؤ لم يحصل على مستوى الجنس البشري وحسب وإنما طال عالم الملائكة فتشكل هناك جدار فاصل بين عالم الملائكة ودنيا البشر . وأن أبناء آدم الواحد، لا يرون وحدتهم، لا يفطنون لها، رغم أنها كائنات اجتماعية، ورغم أنهم متعلقون باخوتهم. هكذا فقد الإنسان المحبة التي بواسطتها تتحقق الوحدة، حيث تكون المحبة أساس حياة الكنيسة الإلهية أي المسيح.
الكنيسة والعهد القديم
بعد الخطيئة، وضع الرب أساس ما يسمى كنيسة العهد القديم، تلك الكنيسة التي تعلم فيها الإنسان أن يتحد بإلهٍ مشتركاً معه. وحتى أقصى ظلمات الوثنية كانت النفس البشرية تبحث بالسليقة عن إلهها، بصورة أنه كانت "كنيسةً وثنيةً عاقراً" كما تسميها بعض التراتيل الكنسية . لم تتوصل الكنيسة، طبعاً إلى ملء وجودها، "لأن الوحيد الذي يملأ الكنيسة هو المسيح لأنه الملء الكامل في ذاته الذي يستطيع وحده أن يملأ الكل في الكل"
حسب العهد القديم لا توجد شركة بين الله والناس، لأن علاقة الإنسان مع الله تُحَدَّد على أساس البعد بينهما وخضوع الأول للثاني. الإنسان ينتمي إلى الله بينما الله يتدخل بطرق عديدة في حياة إسرائيل .
إنكلمة Ekklhsi1a المترجمة عن العبرية "قحال" تتضمن تشديداً خاصاً على الوحدة العضوية للشعب المختار مدركة بأنها كلٌ مقدس، وقد كانت الكنيسة شعباً، شعب الله، الشعب المقدس . "جنسٌ محتار وأمة مقدسة وشعب مقتنى" (بط 9:2). شعب الله المختار كان كنيسة أكثر منه أمة كالأمم الأخرى. استعملت اللفظتان Ta Ge1nh. Ta e1qnh (الأمم) لتصفا الأمميين والوثنيين بخلاف الشعب الواحد أو الأمة الذي كان أساساً كنيسة الله. إن الشريعة أعطيت لإسرائيل بوصفه الكنيسة كي تشمل الحياة الروحية والزمنية للشعب .
كان إسرائيل جماعة مؤمنين أقامها الله، متحدة بالشريعة الإلهية والإيمان الحقيقي والسلطة الكهنوتية والطقوس. وهكذا اختار الله شعباً له (خر 6:6). فالعهد تم وأدخله أرض الميعاد، ولم يف هذا الشعب بوعده، لكن ظل الله أميناً وفياً لعهده، وقطع معه عهداً جديداً واعداً إياه "سيكونون شعبي وأنا سأكون إلههم" (إر 38). إذاً هو شعب يتكون ويصير ، وكلمة الله هي التي تكوّن هذا "الشعب القديم"، وبالتالي هو جماعة مدعوة بالصوت الإلهي. يمارس الله ألوهيته وربوبيّته عليهم. وهم إذا رأوا بأن الله يراهم يعرفون أنهم تكونوا شعباً. "هؤلاء هم في حالة صيرورتهم شعباً إلهياً تكوّنهم الكلمة الخارجة من فم الله: "اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم" .
أقرب حد يمكن أن تصل إلية علاقة الإسرائيلي مع الله هو الثقة المطلقة به. حتى تبنّي الله لإسرائيل هو علاقة ذات طابع قانوني، نابعة من العهد والناموس وليست العلاقة طبيعية كعلاقة الآباء بالأبناء. وهكذا يبقى الله بعيداً بطبيعته الإلهية غير المقترب إليها من الإنسان وغير المشترك فيها بالطبيعة . لكن كل هذا تمهيد وتحضير لشركة حقيقية ومعنى وعهد جديد، فالعلاقة وثيقة بين الله وشعبه والحب ذات حرمة فإن الله يحث شعبه في زمن تمرده وعصيانه على الرجوع إليه، يوصي هوشع أن يتخذ امرأة زانية (هو 2:1) التي ترمز إلى حالة الشعب العاصي الحقيقية، وفي الوقت نفسه يبشر بلسان نبيه أن علاقة الحب بينه وبين المرأة الخائنة، لن تنقطع وأنه سيطهّر شعبه ويجدد علاقة الخطبة معه (هو 19:2-23).
إسرائيل القديم رمزاً للجديد الذي هو الكنيسة الجامعة وليس رمزاً لأي أمة معينة. فشمولية الخلاص ألّفت الإطار القومي لكنيسة العهد القديم، وصارت هناك بعد المسيح أمة واحدة "الأمة المسيحية".
نبوءات في العهد القديم عن شعب الله الجديد:
في العهد القديم تألفت الكنيسة من شعب الله المختار الذي سلك طريق البرية سائراً نحو أرض الميعاد ولهذه المسيرة علاقة بشخص المسيح. قال الله بلسان هوشع النبي: "من مصر دعوت ابني" (هوشع1:11). انطبق هذا القول على شخص المسيح الذي يجمع شعب الله الجديد(متى15:2). تمّ التنبؤ عن جمع شعب الله الجديد ليؤلف جسد المسيح، جسد الكنيسة الواحد من خلال استخدام أحداث مثل الخروج من مصر، والسير نحو أرض الميعاد، وسبي بابل، التشتت من جراء هذا السبي، والوعد بالعودة والتجمع.
يذكر النبي ارميا أحفاد راحيل (إرميا15:31-17). "يلمّح النبي إلى سبي شعب الله والعودة فهي صورة ونموذج لحدث آخر، هو تشتّت البشر بعد السقوط ثم جمعهم في شعب لله وحيد، أي حدث جمع الكنيسة في شخص المسيح (أنظرمتى2: 18)"
وقد تحدث النبي ارميا عن الحدث نفسه حين ذكر ذلك اليوم الذي سيعطي فيه الرب شعبه "عهداً جديداً" يختلف عن عهد جبل سيناء بأنه لم يكتب على ألواح حجرية بل على قلوب البشر(ارميا31:31-33). ويستعمل بولس الرسول هذا المقطع الكتابي ذاكراً أن وسيط "الخدمة" لهذا العهد الأفضل هو المسيح ( عبرانيين6:8-13).
ويؤكد يسوع المخلص أن هذا العهد يشير إلى دم الرب الذي أريق من أجل شعب الله الجديد: الكنيسة (متى28:26، لوقا2:22). وحده دم الرب "الذي يراق من أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا" يجعل بالإمكان إعادة جمع أبناء الله المشتتين، وضم شعب الله إلى "القلب الجديد" الذي يقود البشر إلى الوحدة في جسد المسيح الواحد: الكنيسة. وهذه ثمرة حضور الله في شعبه الجديد (1كو3:12، أفس13:1-14) ولذلك يؤكد حزقيال النبي "هذا ما يقوله الرب: إني سأجمعكم من بين الشعوب أحشدكم من الأراضي التي شتتكم فيها ...... وأعطيكم قلباً واحداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً وأنزع القلب الحجري من جسدكم ..."(حز17:11-19).
لقد تنبأ الأنبياء بعهد جديد ، أي عصر المعزي (الروح القدس) الذي لم يكون عصر شعب واحد بل عصر الجنس البشري كله . لذلك هي أيضاً "خليقة جديدة"، عند اقتراب اليوم الذي يعاد فيه جمع شعب الله الجديد (اشع16:45-17). وقد أعلن أنبياء العهدالقديم مجد الكنيسة كما في رؤيا يوحنا الحبيب(رؤ12:3،10:22) وجمعها سائر الشعوب والأمم (ميخا1:4-7). يصف الأنبياء العهد القديم الكنيسة بمحبة المؤمنين بعضهم لبعض والفرح والابتهاج بحدث الخلاص الذي يتم بوحدة الكنيسة (14:3-17). يبدو أن الفرح سيتم بحضور الرب في وسط الشعب الجديد"رنمي وافرحي يا بنت صهيون فها أنذا آتي وأسكن في وسطك فتتصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم ويكونون لي شعباً فأسكن في وسطك" (ذك10:2-11).
"وشمولية ومسكونية الكنيسة ظهرت مع النبي "قال رب الجنود لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم بين الأمم وفي كل مكان تقرب لاسمي تقدمة طاهرة، لأن اسمي عظيم في الأمم"(ملا11:1)"

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات