المسيح له المجد
للقديس غريغوريوس النيصصي
ملاحظة: كل ما جاء بين قوسي () هو من وضع المترجم
السموات والأرض:
الأرض ليست ابعد من السماء عن الجلالة الإلهية، ولا السماء أقرب منها. بناءً على ذلك، الكائنات التي تعيش على الأرض أو في السماء لا يختلف بشيء واحدها عن الآخر. من المستحيل القول بأن البعض يلامس الطبيعة غير المقترب منها، بينما البعض الآخر لا يستطيع ذلك. إذا كان العكس، يكون افتراضنا بأن القدرة المسيرة للكون لا تنوجد متساوية في كل مكان، إذ أنها تنوجد بقوة هنا، فيما هي ضعيفة هناك. هذا الفرق في المقاييس والدرجات سيكون من تنائجه المنطقية إظهار الطبيعة الإلهية وكأنها مركبة، وهذا لن يكون متوافقاً مع ذاتها. إذا افترضنا بعيدة عنا نحن انطلاقاً من طبيعتها الإلهية، لكنها قريبة من مخلوقات أخرى مما يجعلها سهلة المنال.
عندما يتعلّق الأمر بالجلالة الإلهية، فالعقيدة الحقيقية لا تعتبر أن هناك وجوداً لدرجتين متفاوتتين، لأجل المقارنة. في الواقع كل الأشياء تبقى على المسافة نفسها، لكنها أدنى من القدرة التي تُسيّر الكون. إذاً الخليقة الأرضية إنطلاقاً من طبيعتها تظهر غير لائقة بهذا الاتحاد الوثيق مع الألوهة، فليس ممكناً أن توجد خليقة أخرى لائقة بها. وإذا الكل يبقى على ذات البعد من هذه الجلالة، فالشيء الوحيد الذي يليق بعظمة الله هو: إغاثة الخليقة المحتاجة. أما اعترافنا أن القوة الشافية حلت حيث يوجد المرض، فأين يغالط إيماننا الفكرة التي يجب أن نكوّنها عن الله؟ (بما أن الطبيعة الإلهية موجودة في كل مكان، فإن الملخوقات كانت أرضية أم سماوية هي موجودة في قلب الطبيعة الإلهية، وبالتالي لا يمكننا أن نتكلم عن المسافات إلا بالمطلق).
منطق التجسد:
المنطق الحسن، هو أنه اشترك في طبيعتنا الخاصة، يجب أن يتحلى بكل صفاتها المميزة ليتحد معنا اتحاداً وثيقاً. فالذين يغسلون الثياب بغية تنظيفها كاملة، لا يكتفون بإزالة جزء من البقع المتسخة وترج جزء آخر، وإنما يطهرون نسيج القماش من كل الأوساخ، لكي يبدو اللباس بكليته بنفس الرونق واللمعان، والجمال بعد تطهيره. كذلك أيضاً الحياة الإنسانية التي كانت قد تلطخت بالخطيئة في مبدأ وجودها، وفي نهايتها، وفي ما بين الاثنين، القوة التي تنظف عليها أن تفعل فعلها كاملاً، وإلا نكتفي بتطهير قسم وترك القسم الآخر دون تطهير.
لهذا حياتنا تنمو بين طرفي -أقول البداية والنهاية- فيها تظهر القدرة التي تقوّم طبيعتنا. إنها دخلت في اتصال مباشر مع البداية، ومن هناك تمتد حتى النهاية. بما أنه ليس هناك سوى طريقة واحدة للدخول في الوجود الإنسان، من أين يجب أن يأتي ذاك الذي سيسكن حياتنا؟ من السماء، ربما قيل لأنهم يرفضون شكل الولادة الإنسانية، ويعتبرونها مرذولة ودون مجد. لكن هذه الإنسانية لم تكن في السماء (العالم الملائكي)، ولا في الحياة الفوق أرضية (عالم الأرواح) حيث آفة الرذيلة لم تكن موجودة أبداً. إذاً، إن الذي اتحد مع الإنسان، أراد أن يكون هذا الاتحاد بكليته متكيفاً مع غايته. هناك، خارج حدود الحياة الإنسانية لا وجود للشر، فكيف استطاع هذا الإنسان أن يسقط ويلبس الله؟ سيكون من الأصح أن نقول: إنه ليس إنساناً، بل رسماً، أو صورة عن الإنسان! كيف أن طبيعتنا كانت ستقوّم، لو أن كائناً مختلفاً عن الخليقة الأرضية المريضة قد اُختير من العالم السماوي ليتحد مع الله؟ المريض لا يمكن شفاؤه، إذ أن العلة لم تختف كلياً - (الطبيب لا يمكنه أن يشفي مريضاً إذا كان يعالج شخصاً آخراً. هكذا بالنسبة لله. يأتي حيث الشر موجود ويلبس طبيعتنا الخاطئة لكي يجعل ما هو غير كامل كاملاً).
بما أن الجزء المريض موجود على الأرض، يجب على القدرة الإلهية أن تتحد به لكي تشفيه. أما إذا كانت القدرة الإلهية بسبب قلقها على عظمتها الخاصة، لم تلتصق بهذا الجزء المريض، فإن عنايتها ستذهب سداً ولن ينتفع الإنسان (هنا يبرز السؤال التالي: ألم يكن يستطيع الله أن يرسل أحد ملائكته القديسين كي يخلص البشر؟ بالطبع كان يستطيع لكنه لم يفعل ذلك. لأن قصده الإلهي ليس فقط أن يخلص البشرية بل أن يمنحها القداسة وإمكانية النهوض كلما سقطت. بواسطة جسده المقدس. لهذا السبب أرسل ابنه الوحيد لأنه يستحيل على مخلوق أن يقدس مخلوقاً آخر. ولا أن يغفر الخطايا). عدم الكرامة ستكون هي نفسها بالنسبة لله، في حال لم يكن هناك خرق للقدسيات بسبب الرذيلة التي هي وحدها غير لائقة به. في ما تبقى، بنظر العقول البسيطة، إذا كانت الجلالة الإلهية لا تستطيع أن تقبل الإشتراك في المميزات الخاصة بطبيعتنا، فالعار هو نفسه، إن لبست جسداً سماوياً أو أرضياً. في الواقع، الخلق يكليته، على نفس المسافة، أدنى من الكائن العلوي الذي لا يقترب منه بسبب سمو طبيعته، والخلق يبقى دائماً أدنى منه، بنفس مستوى المخلوقات. لأنه لا يمكن أن يكون مدركاً من البعض دون البعض الآخر، فهو يحكم بتعاليه على كل ما هو موجود.
سر التجسد:
حتى الآن، يعتبر ترابط الأفكار متوافقاً مع عقيدتنا، ولا شيء مما قيل هو غريب عن الفكرة التي يجب أن نكوّنها عن الله. لكي ما يتبع، سيرد بطريقة أخرى، أمام الأحداث التي هي البرهان الرئيسي لسر الحقيقة: ولادة المسيح البشرية، نموه، منذ الطفولة حتى الرجولةـ الحاجة للغذاء والحساء، التعب، النعاس، الحزن، الدموع، الوشاية والمحاكمة، الصليب، الموت، وضعه في القبر. كما قبلوا ديانتنا المقدسة، عليهم أن يقبلوا هذه الأحداث التي تضعفهم، وتضعف إيمان أصحاب العقول الصغيرة، بحيث أن العقائد المطروحة تمنعهم قبول ما سيأتي. بالواقع، ما هو لائق بالرب في القيامة من بين الأموات، لا يقبلون به لأن الموت هو تحقير للمسيح.
أعتقد أنه يجب تحرير العقل من الضخامة الجسدية، لكي نتصور الخير وما هو مختلف عنه. لأجل ذلك، فليس من عقل مفكر ينكر أن بين كل الأشياء شيء واحد معيب بالطبيعة: الحالة المرضية التي تلتصق بالشر، بينما كل ما هو غريب عن الشر، خال من كل عيب. أما الذي لا يحمل أي عنصر معيب فهو حتماً من الخير، والذي هو فعلاً صالح لا يقبل اختلاط مع نقيضه. من جهة أخرى، كل ما يكتشفه العقل عن معرفة الخير يرضي الله.
إذاً هناك أمر من اثنين: إما أن يبرهن لنا، بأن الولادة، التربية، النمو، التقدم نحو النضج الطبيعي، تجربة الموت والقيامة، هي من أشكال الشر. وإما، إذا كان هذا كله بعيداً عن الشر، يجب الاعتراف أن ما هو غريب عن الشر ليس فيه أي عيب. بما أن كل ما هو منزه عن العيب وعن الشر هو صالح كلياً، كيف لا نشكو من هؤلاء المجانين الذين يدعمون عقيدة تقول: أن الخير لا يلائم الله؟ كيف لا، وأن الخير من صنيعه، وبه خلق الطبيعة الصالحة أولاً، حيث اختلطت الألوهة بالإنسانية.
هذه هي لحظة البحث عن ماهية اتحاد النفس مع الجسد. وإذا كنا نجهل الطريقة التي تتحد بها النفس مع الجسد، فلا تعتقدوا أنكم قادرون على حل رموز السؤال الآخر! لكن، في الحالة الأولى، كان اعتقادنا السائد بأن النفس هي من طبيعة مختلفة عن الجسد، لأنه إذا انفصل عن النفس يصبح بلا حراك ومائت. وفي الحالة الثانية، نعترف بأن الطبيعة الإلهية تختلف عن الطبيعة المائتة والفانية، لكننا غير قادرين على أن نفهم كيف يتم هذا الاتحاد بين الله والإنسان: الطبيعة الإنسانية يسهل تحديدها، بينما الطبيعة الإلهية غير محدودة، فكيف استطاعت الذرة أن تحتوي وتحتجز اللامحدود؟ ولكن من يدعي بأن اللامحدود قد احتجز داخل الجسد وكأنه في وعاء؟ حتى في حياتنا الخاصة، لا تجري الأمور هكذا، الطبيعة المفكرة ليست سجينة داخل حدود الجسد. حجم الجسد هو محدد بالجزئيات الخاصة به، بينما النفس بفضل حركة التفكير، تمتد بحرية إلى كل الخلق، ترتفع إلى السموات، تغوص في قعر البحار، تطوف فوق الأرض، تنحدر إلى عمق أعماق الأرض. وغالباً ما تأتي إلى الفكر ذكر الروائع السماوية بعيداً عن هموم الجسد المادية.
إذاً، هذه النفس الإنسانية المختلطة مع الجسد يمكن أن تكون أينما شاءت حسب إرادتها. فأية ضرورة تفرض القول بأن الألوهة قد احتجزت من كل الجهات داخل الطبيعة الجسدية؟ ماذا يمنعنا من استخدام أمثلة تساعدنا على تكوين فكرة لائقة عن مخطط الله الخلاصي؟ لنأخذ مثلاً على ذلك، السراج: تحن نرى النار المشتعلة حول رأس الفتيل الذي يغذيها، المنقط يميز بين النار المشتعلة وبين الفتيل، لكن من المستحيل فصل الواحد عن الآخر، إنهما متحدان في واحد.
في مثلنا هذا، لا يجب أن نتطرق إلى طبيعة النار الفانية، لكن أن نحفظ ما هو مناسب. نحن، نرى أن الشعلة تلتصق بالذي يغذيها دون أن يحتزجها. كذلك، عندما نتصور اتحاداً أو تقارباً بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية، لا يعني الاعتقاد أن الطبيعة الإلهية وإن كانت في الإنسان، يمكن احتجازها ضمن الجسد! فالمعجزات التي وصلت إليها، لا تسمح لنا الشك أبداً بتجسده، مع اعتقادنا أن كل الخليقة الجسدية والعاقلة هي من عمل الطبيعة غير المخلوقة. لكن إيماننا لا يرتبط مطلقاً بالبحث عن أسباب وكيفيات التكوين. هنالك خلق، هذا ما نسلم به، ولنترك جانباً مسألة تنظيم الكون، لأنه سؤال غامض ومدهش، لا يمكننا تفسيره.
يتبع>>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات