دافع التجسد:
لكننا نتساءل، ماهو السبب الذي دعا الألوهة إلى التنازل المذل؟ كيف نصدق أن الرب اللامتناهي غير المدرك، هو الذي يتخطى كل تصوّر وكل عظمة، يختلط بقذارة الطبيعة البشرية، ليذل الأشكال السامية لصفاته؟

رداً على هذا السؤال، لسنا محرجين أن نقدم جواباً يتلاءم مع الجلالة الإلهية. أنتم تبحثون عن السبب الذي جعل الرب يولد في الطبيعة البشرية؟ إذا أقصيتم من الحياة الحسنات التي تأتي من الرب، عندها لا تستطيعون أن تقولوا بماذا يعرف الإله. لأن هذه الحسنات التي نتلقاها هي التي تجعلنا ندرك صانعها، وبناءً لما يحصل معنا، نتوصل إلى معرفة طبيعة الصانع (الرب). حسناً، إذا كانت "محبة الإنسانية" هي الميزة الخاصة بالطبيعة الإلهية، عندها تجدون ما تابحثون عنه، سبب حضور الرب في الإنسانية: طبيعتنا العليلة طلبت الشفاء، طبيعتنا الساقطة طلبت النهوض، طبيعتنا المائتة طلبت القيامة.

يجب علينا استرجاع الخير الذي كنا قد أضعناه، يجب علينا استرجاع النور، ونحن الذين كنا سجناء في الظلمات، ننتظر المخلص كي يحررنا من العبودية. هل هذه الأسباب التي ذكرت هي بلا أهمية؟ ألم تكن كافية لتحرك الرب حتى تجعله يزور الطبيعة البشرية التي كانت حالتها تعسة، ويائسة؟

لهذا، لم يستخدم سلطانه المطلق كي ينتزع الإنسان من القوة العدوة (أي الشيطان) ويعيده إلى حالته الأولى. بل سلك الطريق الشاق، إذ ليس طبيعة جسدية، ودخل في الحياة عن طريق الولادة مجتازاً كل المراحل الإنسانية بما فيها الموت (عب 2: 9). وهكذا حقق هدفه بالقيامة. ألم يكن ممكناً، أن يبقى في أعالي مجده الإلهي، ويخلص الإنسان بإشارة منه دون اعتماده الطريق الشاق؟ ألم يكن ممكناً، أن يفعل الخير للإنسان دون أن يتجسد ويلبس ثوب الضعف الإنساني، وهو الذي خلق الكون بإرادته، وأخرج الكائن من العدم بفعل قوته؟ يجب علينا قول الحقيقة رداً على هذه الاعتراضات، حتى لا يتزعزع إيمان هؤلاء الذين يبحثون بجد عن تفسير جذري لهذا السر (بالطبع كان الله يستطيع أن يخلص الإنسان بقوته الذاتية. لكنه لم يفعل ذلك لأنه أراد أن يجعل الإنسان يشترك في عملية خلاصه. لا أن يفرض عليه الخلاص فرضاً).

إن أردتم، عاينوا ما هو عكس الفضيلة، هذا السؤال قد شرحنا مطولاً، كما أن الظلمة هي عكس النور، والموت هو نقيض الحياة، فالرذيلة هي أيضاً نقيض الرذيلة. أمام هذه المجموعة من الأشياء التي نستطيع أن نعتبرها في الخلق، فما من شيء يقدم تبايناً مطلقاً مع النور أو الحياة، لا شيء أبداً مما هو موجود: لا الحجر، لا الخشب، لا الماء، ولا الإنسان سوى الظلمة والموت. كذلك، بالنسبة للفضيلة، يستحيل القول أن لا شيء في الخلق يمكن تصوره مضاداً لها سوى الرذيلة. لذلك الفضيلة الحقيقية هي الله. إذاً الله ولد في الطبيعة الإنسانية وليس في الرذيلة. فلماذا لا نعتقد أن الله دخل في اتصال مع الطبيعة الإنسانية، بينما لا نجد في الحالة البشرية ما يناقض تصور الفضيلة؟ في الواقع، لا طاقة المنطق، ولا قدرة الفهم، ولا سعة المعرفة، ولا أية طاقة أخرى خاصة بالكائن الإنساني نجدها مناقضة لتصور الفضيلة.


قوة التجسد:
إذا أعرنا انتباهنا إلى التطور المنطقي للمناقشة، من الطبيعي أن نبحث في الأعمال المذكورة: أين تظهر السلطة الإلهية، أو عدم فساد الطبيعة الإلهية؟ لأجل أن يكون كل هذا كاملاً وواضحاً، لنفحص معاً تسلسل السر، حيث يظهر جلياً اختلاط القدرة الإلهية مع محبة البشر.

بما أن الطبيعة الكلية القدرة كانت قادرة أن تنزل إلى مستوى حقارة الحالة الإنسانية، فهذا أكبر اثبات لقوتهم والأهم من كل المعجزات. لأنه، بالنسبة إلى القدرة الإلهية، يصبح إنجاز عمل كبير وسام ليس إلا نتيجة منطقية لطبيعتها. ولن يكون أبداً مناقضاً القول، بأن كل الخلق الموجود في الكون وما هو موجود خارج العالم المنظور تكوّن بفعل القدرة الإلهية، والمشيئة الإلهية ذاتها تحولت إلى مادة حسب رغبته. الله نزل إلى مستوى حقارتنا، هذا ما يظهر عظمة سلطانه الذي لا يعرف القيود في الحالات المضادة لطبيعته الإلهية.

كما نزل إلى مستوى حقارتنا، يصعد أيضاً. فالميل إلى الصعود هو خاص بطبيعة النار، ولا أحد يستطيع أن يندهش أمام هذا العامل الطبيعي الخاص بالشعلة. أما إذا رأينا الشعلة تتجه نحو الأسفل، كما تفعل الأجسام الوازنة، ستخالجنا الدهشة: كيف أن النار تخرج عن طبيعتها، أي بالطريقة التي تتحرك بها صعوداً، نحو الاتجاه المعاكس أي نحو الأسفل؟ كذلك الأمر بالنسبة إلى القدرة الإلهية التي تتخطى كل شيء، لا السموات الواسعة، ولا لمعان النجوم، ولا ترتيب الكون، ولا تركيبة العالم تُظهر مدى عظمة هذه القدرة الإلهية بقدر تنازلها باتجاه طبيعتنا الضعيفة. العظمة التي توجد الآن في الحقارة، تبقى منظورة ولا تسقطه من عليائه، وحتى ألوهته التي تتحد بالطبيعة الإنسانية تصبح كلياً طبيعة إنسانية مع بقائها كلياً إلهية.

يتبع>>>