في الأوّل من شهر آب تحيي الكنيسة تذكار السبعة الفتية المكابيّين، وأسماؤهم بحسب التقليد أفغيم وأنطونيوس وغورياس وأليعازار وإفسافون وأخيم (أو صاموناس) ومركيلوس، وأمّهم سلموني ومعلّمهم أليعازار الذين استشهدوا على عهد أنطيوخوس الرابع أبيفانيوس (175-164 قبل المسيح) بعد أن ذاقوا التعذيبات على اختلاف أنواعها. وقد ورد ذكرهم ورواية استشهادهم في الفصلين السادس والسابع من سِفر المكابيّين الثاني.
في الواقع، حاول الملك أنطيوخوس فرض الديانة الوثنيّة على المؤمنين، فأرسل كهنةً وشيوخاً يونانيّين لإرغام شعب الله على الارتداد عن ديانة آبائهم التوحيديّة ومخالفة الشريعة الإلهيّة، ولجعل هيكل أورشليم على اسم زفس الأولمبيّ، كبير الآلهة اليونانيّة. وأمر الملك بأن يُقتل كلّ مَن يحاول الوقوف بوجه السنن الوثنيّة بعد أن يذاق أمرّ التعذيبات. فكان أليعازار الشيخ ممّن وقع عليهم البلاء، إذ فضّل الموت على مخالفة الشريعة قائلاً: "لأنّه لا يليق بنا أن نراءي، لئلاّ يظنّ كثير من الشبّان أنّ أليعازار، وهو ابن تسعين سنةً، قد انحاز إلى مذهب الغرباء، ويضلّوا بسببي لأجل ريائي وحبّي لحياة قصيرة فانية فأجلب على شيخوختي النجاسة والفضيحة" (المكابيّين الثاني 6: 24-25). لقد اختار أليعازار الشيخ الاستشهاد ليس حبّاً بنجاته من العقاب الإلهيّ وحسب، بل كي لا يكون قدوةً سيّئة للشبّان الذين إذا رأوه يجحد إيمانه رياءً وحبّاً بالحياة الدنيا يجحدون هم بدورهم إيمانهم. تقبّل أليعازار الشهادة طوعاً كي لا يستعمله عديمو الإيمان ذريعةً يضلّلون به المؤمنين.
تبلغ الشجاعة ذروتها في رواية استشهاد السبعة الإخوة، الواحد تلو الآخر، مع أمّهم وعلى مرأى منها. ويروي لنا الفصل السابع من كتاب المكابيّين الثاني استشهادهم بالتفصيل، فيذكر الطريقة التي استشهد كلّ واحد منهم بواسطتها. أمّا أصناف التعذيبات فكانت: قطع اللسان، وسلخ جلد الرأس، وبتر الأطراف، والقلي على النار. واللافت جدّاً هو إيمانهم العظيم ورجاؤهم بإلههم، إذ كانوا "يحضّون بعضهم بعضاً أن يقدموا على الموت بشجاعة، قائلين إنّ الربّ الإله ناظر وهو يتمجّد بنا" (الآيتان 5 و6). وقد كان لكلّ منهم قولٌ قاطع قبل استشهاده.
فالأوّل أعلن عدم الانصياع لرغبة الملك في مخالفة الشريعة: "إنّا لنختار أن نموت ولا نخالف شريعة آبائنا" (الآية 2). الثاني أعلن إيمانه بالقيامة والحياة الأبديّة: "إنّك أيّها (الملك) الفاجر تسلبنا الحياة الدنيا، ولكنّ ملك العالمين إذا متنا في سبيل شريعته فسيقيمنا لحياة أبديّة" (9). الثالث أعلن إيمانه بالله القادر على إعادة وصل أعضائه المبتورة مجدّداً: "إنّي من ربّ السماء أوتيت هذه الأعضاء، ولأجل شريعته أبذلها، وإيّاه أرجو أن أستردّها من بعد" (11). الرابع أعلن إيمانه بالقيامة للمؤمنين، وبالدينونة لغير المؤمنين: "حبّذا ما يتوقّعه الذي يُقتل بأيدي الناس من رجاء إقامة الله له. أمّا أنت فلا تكون لك قيامةٌ للحياة" (14). الخامس أعلن إيمانه بأنّ الله لن يخذل عباده: "إنّك مع كونك فانياً تفعل ما تشاء، ولكن لا تظنّ أنّ الله قد خذل ذرّيّتنا" (16). أمّا السادس فلم يتباهَ بنفسه ولم يستكبر، وأعلن أنّ ما حدث إنّما حدث بسبب خطيئته: "إنّا نحن جلبنا على أنفسنا هذا العذاب لأنّا خطئنا إلى إلهنا" (18).
ويعيد الشهيد السابع، وهو الأصغر بين السبعة الإخوة، كلّ الأقوال التي تفوّه بها إخوته الذين سبقوه على درب الشهادة، فأعلن إنّه سينضمّ إليهم طائعاً أمر الشريعة لا أمر الملك، وأضاف قائلاً: "لقد صبر إخوتنا على ألم ساعة ثمّ فازوا بحياة أبديّة، وهم في عهد الله. وأنا كإخوتي أبذل جسدي ونفسي في سبيل شريعة آبائنا، وأبتهل إلى الله في أن لا يبطئ في توبته على أمّتنا" (36-37). أمّا الأمّ التي لحقت بأولادها بعد أن شجّعتهم وثبّتتهم في الإيمان، فكانت مثال المرأة الواثقة بقدرة الله على منح الحياة الأبديّة للمختصّين به، إذ توجّهت إليهم قائلةً: "إنّي لست أعلم كيف نشأتم في أحشائي، ولا أنا منحتكم الروح والحياة، ولا أحكمت تركيب أعضائكم. على أنّ خالق العالم، الذي جبل تكوين الإنسان وأبدع لكلّ شيء تكوينه، سيعيد إليكم برحمته الروح والحياة" (22-23). تقدّم لنا هذه الأمّ نموذجاً رائعاً عن الأمّ التي تربّي أولادها على حبّ التعاليم الإلهيّة والسهر على تطبيقها وعدم التفريط بأيّ من الوصايا الإلهيّة. فما يهمّها أوّلا وأخيراً هو أن تهيّئ أولادها لكسب الحياة الأبديّة، لا الانجراف إلى ملذّات الحياة الفانية.
بالإضافة إلى الاستشهاد، ثمّة أمثولتان توفّرهما رواية استشهاد المكابيّين السبعة وأمّهم ومعلّمهم هما مسألتا الخلـق من الـعـدم والصلاة من أجـل الأموات. ففي خطاب المرأة لابنها الأصغر تقول: "أنظرْ يا ولدي إلى السماء والأرض، وإذا رأيتَ كلّ ما فيهما، فاعلمْ أنّ الله صنع الجميع من العدم، وكذلك وُجد جنس البشر" (7: 28). قبل ذلك لم يكن الكلام على الخلق خلقاً من لا شيء، بل كان التصوّر أنّ الله ينظّم الخواء الأصليّ. أمّا الحديث عن الصلاة من أجل الأموات فيأتي بعد خمسة فصول حين جمع يهوذا المكابيّ الشعب للصلاة من أجل الذين سقطوا في إحدى المعارك، فيقول كاتب سِفر المكابيّين الثاني: "لأنّ يهوذا لو لم يكن مترجّياً قيامة الذين سقطوا لكانت صلاته من أجل الموتى باطلاً وعبثاً. ولهذا قدّم الكفّارة عن الموتى ليُحَلّوا من الخطيئة" (12: 44-46).
عن نشرة مطرانية جبيل والبترون وتوابعهما (جبل لبنان)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)


المفضلات