بعد صعود الرب يسوع المسيح إلى السماء وحلول الروح القدس على التلاميذ بدءوا الكرازة في العالم أجمع كما أوصاهم الرب نفسه قائلا " اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس " (مت19:28). وكان عليهم أن يواجهوا العالمين، اليهودي الذي يؤمن بإله واحد ولا يعرف شيئاً عن التعدد في الذات الإلهية لله الواحد، وذلك على الرغم من الإشارات الكثيرة الموجودة في أسفار العهد القديم والتي تتكلم عن روح الله القدوس وعن كلمة الله الخالقة. لكنهم لم يفهموا ذلك، وأنقسم اليهود، في نظرتهم للرب يسوع المسيح إلى ثلاث فئات؟

(1) الأولى رفضت الإيمان نهائيا وقاومت المسيحية في كل مكان مقاومة حتى الدم.
(2) والثانية هي التي تتلمذت على يدي الرب يسوع المسيح نفسه وآمنت به كالإله المتجسد وصارت مسيحية بمعنى الكلمة، وكما تسلمت التعليم من الرب نفسه " لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم " (1كو23:11). ومن هذه الفئة خرج المسيحيون الأول الذين حملوا البشارة بالإنجيل للعالم أجمع.
(3) والثالثة، آمنت بالمسيحية واليهودية في آن واحد! بمعنى أنها احتفظت بكل عوائد وتقاليد ونواميس اليهودية والتي كانت رموزا وظلالاً للعهد الجديد كما يقول الكتاب " فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة " (كو16:2، 17)، وحفظوا السبت واحتفلوا مع المسيحيين بالأحد!! ونظر بعضهم للمسيح كابن الله (الناصريين)، ونظر البعض الأخر للمسيح كنبي مثل موسى ولكنهم آمنوا بأنه مخلوق أعظم من جميع الأنبياء وأعظم من الملائكة ورؤساء الملائكة (الأبيونيين).

كما واجهت المسيحية الفلسفات اليونانية والديانات الوثنية بفئاتها المختلفة والتي تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة. فآمن عدد كبير من هذه الفئة بالمسيحية ببشارة الرسل كما جاء في الكتاب المقدس، ولكن فئات قليلة منها، خاصة من أصحاب الفكر الغنوسي السابق للمسيحية، خلطت بين أفكارها السابقة وبين المسيحية واعتبرت الرب يسوع المسيح كواحد من آلهتهم العديدة، وقالوا أنه جاء للعالم في شبه جسد ولم يتخذ جسدا حقيقياً إنما مجرد مظهر الجسد!! وفي الوقت نفسه واجهت المسيحية القوة العاتية للإمبراطورية الرومانية، والتي اتهمتها بمعاداة الدولة الرومانية وعدم الولاء للأباطرة الرومان لإيمان المسيحيين بملك آخر هو يسوع المسيح!!

وقد أستخدم هؤلاء الهراطقة كل أسفار العهد الجديد أو بعض منها ولكنهم كتبوا الكثير من الكتب الأخرى على غرار أسفار العهد الجديد وأسموها أناجيل أو أعمال للرسل أو رسائل أو رؤى مثل رؤيا القديس يوحنا ونسبوا بعضها للرسل كما نسب البعض الآخر لكتابها الذين كتبوها!!

ولذا فقد كان على الرسل وخلفائهم من بعدهم مواجهة كل هؤلاء؟ اليهودية والوثنية والإمبراطور الروماني من جهة، والهراطقة، أصحاب البدع الذين خلطوا بين المسيحية واليهودية أو بين المسيحية والوثنية وتفنيد كتبهم التي أسموها بأسماء أسفار العهد الجديد وكشف زيفها وتحريمها من جهة أخرى. وكان أول من بدأ في مقاومة هذه الهرطقات والبدع هو القديس يوحنا الرسول ثم تلاه أغناطيوس الإنطاكي تلميذ بطرس الرسول فيوستينوس الشهيد وإيريناؤس 00الخ.

وسنناقش المسيحية اليهودية والهرطقة الأبيونية في المقالات القادمة وسنناقش الدوسيتية والغنوسية كذلك. ولكن سنقدم هنا نبذة سريعة عن الدوسيتية والغنوسية حتى يكون حديثنا في المقالات التالية واضحاً.