أصدقائي الأعزاء في المنتدى
رغم أني منضم حديثاً لهذا المنتدى، فإنني وددت أن أشارككم بأحد أبحاثي المحببة إلى قلبي
أرجو أن يصلني تعليقاتكم وآراؤكم بكل صراحة فهذا ما يساعدني على تحسين منهجيتي
لذا فإن كل تعليق مهما كان نوعه يزيد البحث ثراءً
الجزء الأول:
مقدمة منهجية
إذا كان هناك أي مفهوم قد أثر في تاريخ الفكر الديني في معظم العصور والأمكنة بشكل هائل فيما عدا مفهوم الإله في حد ذاته, فيمكننا أن نجزم بأنه مفهوم الشياطين, أو ما يمكن أن نعرفها على أنها كائنات فوق الطبيعية تتسم غالبا بالشر أو الغضب على الإنسان. هذا المفهوم وإن كان قد تعرض للكثير من التطور والتغير من حضارة إلى أخرى و من دين إلى آخر، إلا أننا يمكننا أن نتلمسه بعمق ووضوح في الكثير من الأفكار الدينية القديمة والحديثة. وفي هذا البحث سأتناول هذا المفهوم بحسب كتابات العهد القديم, في محاولة لتبين طبيعة الفكر الديني في فترات العهد القديم المختلفة فيما يتعلق بهذا المفهوم.
في البداية ينبغي أن أوضح أن النقاش حول هوية وطبيعة دور الشياطين في العهد القديم يمثل أمرا شديد التعقيد والتشابك خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات والمفاهيم. وبلا شك فإن المناقشات التي أجريت فيما يتعلق بهذه العوامل تؤثر فيما يمكن تعريفه بأنه شيطان في العهد القديم وما هي أهيمة هذا البرهان على إعادة بناء الفهم للشياطين في العهد القديم وفي إسرائيل القديمة.
المصطلحات:
إن استخدام مصطلح شيطان في العهد القديم يعتبر إشكالي لأربعة أسباب:
1-لا يبدو أن هناك مصطلح واحد في العهد القديم يمكن ترجمته بشكل ثابت وقاطع بالشيطان.
2-كثير من المصطلحات التي يعتقد أنها تشير إلى شياطين تكون إما أن تكون مستخدمة في إطار شعري أو تظهر فقط في جمل قليلة ومبهمة, وربما تشير إلى قوى طبيعية أو آلهة وثنية أو كائنات خرافية.
3-إن التعبير الإنجليزي demon يستخدم للإشارة إلى مفهومين شديدي الاختلاف- الأرواح الشريرة والآلهة المجهولة، وكلا المعنيين يظهران في العهد القديم.
4-يظهر بوضوح من جميع أنحاء العهد القديم مدى الانفصال الشديد بين "Satan" وهو ما يمكن أن ننقله إلى اللغة العربية باسم إبليس وبين " demon" وهي ما سيتم ترجمته باسم شيطان. وبالطبع تترجم كلمة Satan في أحوال عديدة باسم الشيطان ولكن اختيار لفظة إبليس يأتي من قبيل التمييز فقط لكي لا يختلط بمصطلح demon الذي يختلف عنه كما سنرى فيما يأتي في البحث.
وهكذا يهتم هذا البحث بتتبع مفهومي إبليس والشياطين خلال كتابات العهد القديم, وكذلك بعض ملامح الكتابات الابوكريفية.
يتفق الكثير من العلماء أن كلمة Satan تأتي من الفعل العبري Satan الذي جاء 6 مرات في العهد القديم ويمكن ترجمة الفعل أو الاسم بعدة معان منها" الخصم" أو " المشتكي" أو "المقاوم" أو "المفتري". وهو في العهد القديم:الجزء الأول: إبليس Satan
1 – عدو أو مقاوم ارضي في الحرب أو ما شبه (1مل 5: 18).
2 – مشتك أو مدعي أمام كرسي العدالة (مز 109: 6).
3 – خصم يضع عوائق في الطريق (عد 22: 32).
4 – كائن سماوي أو فوق طبيعي ( أي 1: 7).
ذكر الاسم Satan 26 مرة في العهد القديم, وفي 7 منها كان المقصود خصم أو مقاوم أرضي, وثمة 19 مرة كان المقصود هو خصم سماوي..
وفي هذا البحث لن نتعرض بالتفصيل لمفهوم الخصم الأرضي (Terrestrial Satan) وإنما سيتم التركيز على الخصم السماوي (Celestial Satan).
إبليس السماوي (Celestial Satan)
نلاحظ أنه في ثلاث مرات فقط جاء الاسم بدون أداة التعريف, بينما في بقية الحالات كان الاسم مصحوبا بأداة تعريف hassatan)) مما قد يدفع بعض العلماء للاعتقاد بان الحالات التي ذكر الاسم بدون أداة تعريف هي فقط الحالات التي يمكن أن نعتبرها كانت تتحدث عن إبليس.
جاء ذكر كلمة Satan بدون أداة التعريف في (عد 22 :22و 23 و1أخ 21: 1) بينما جاء مصحوبا بأداة التعريف في أيوب 1و2 (14 مرة) و زكريا 3: 1و2.
أولا : في مقاومة بلعام
نجد في سفر العدد (22: 22و23) أن هذه هي المرة الوحيدة التي يأتي فيها ذكر كلمة Satan دون أن يكون عدائيا بأي حال ضد الله . فقد أرسل يهوه ملاكه ليكون مقاوما لبلعام المخطئ. وهنا يقوم الملاك بمهمته المكلف بها من قبل يهوه. هنا الملاك مقاوم ومدين أو مشتك على بلعام كمبعوث من قبل يهوه. ونلاحظ أن الترجمة العربية (فانديك) وكذلك عدة ترجمات إنجليزية لم تذكر كلمة Satan كاسم رغم أنه جاء بدون أداة تعريف وإنما اعتمدت على ذكر الفعل ( يقاوم ).
ثانيا: إبليس في سفر أيوب
يظهر إبليس في الأصحاحين الأولين من سفر أيوب, مع ملاحظ أن الكلمة معرفة في اللغة العبرية. وهو هنا يظهر مجتمعا بين بقية أبناء الوهيم في ما يمكن أن نعتبره مجلسا إلهيا يترأسه يهوه. وهو بحسب رأى بعض العلماء لا يبدو كشخصية شريرة أو حتى دخيل على هذا المجلس السماوي. وربما يكون السؤال الذي وجه إليه "من أين جئت" يوحي بأنه غريب عن المكان, لكن الرأي الأغلب هو أن ذلك السؤال يشير إلى طبيعة المهمة المكلف بها إبليس كمراقب أو مدعي عام يفحص أعمال الناس ويقدم بها تقريرا ليهوه. هذا المنصب أو المهمة لا تستدعي بالضرورة أن يكون إبليس مصورا هنا ككائن شرير , وذلك تبعا لحقيقة أن رجال الله هم أيضا من المتوقع منهم أن يكشفوا خطايا البشر (إيليا: 1مل 17: 18). وهذا ما يتفق مع ما جاء في سفر العدد وربما كذلك مع ما سيأتي ذكره في سفر زكريا.
تقدم لنا افتتاحية سفر أيوب المرة الوحيدة في العهد القديم التي فيها يتحدث الله و الشيطان "Satan" معا, ويبادر الله مرتين بسؤال إبليس عن من أين أتى (1: 7, 2:2). ثم عقب ذلك أن يبين الله بر أيوب. لكن إبليس يسارع بان يؤكد أن دوافع أيوب لذلك هي دوافع أنانية, فهو يخدم الله ليحصل على رغباته وغناه وسعادته الشخصية. وهكذا يطعن إبليس مباشرة في دوافع أيوب لخدمة الله وكذلك فهو يتهم الله بأسلوب غير مباشر بأنه غير عادل وعنده محسوبية وتحيز.
ونرى هنا إبليس يطرح سؤاله لله " هل مجانا يتقي أيوب الله؟" وهو سؤال شرعي تماما وجوهري ولذلك يسمح له الله أن يجرب أيوب ولكن في حدود معينة, وهذا يوضح أن إبليس في هذه الرواية ليس له سلطة على العمل باستقلال عن يهوه, وهو لذلك يحتاج لسماح يهوه قبل أي فعل يتخذه. ومن ثم يصعب علينا أن نعتبر إبليس في هذه الرواية مقاوما لله بالمفهوم المتعارف عليه إنما مجرد مدعي سماوي يقوم بمهمة مكلف بها من قبل الله وهذا الفكرة تتوافق كليا مع عقيدة التوحيد اليهودية.
ثالثا: إبليس في سفر زكريا
هنا نجد الإشارة الثانية لخصم سماوي. ففي الرؤية الرابعة بين ثمان رؤى للنبي زكريا يرى رئيس الكهنة يهوشع واقفا أمام ملاك يهوه والشيطان "Satan" قائم عن يمينه ليشتكي عليه. ولا يظهر بوضوح طبيعة هذه الشكوى ضد يهوشع, الذي كما تشير ملابسه المتسخة انه كان مذنبا. وعلى عكس شيطان أيوب فان الشيطان في زكريا لا يتكلم وإنما ينتهره يهوه بنفسه. وفي انتهاره يذكر يهوه إبليس بأنه أختار أورشليم. وهنا ينبه يهوه أنه أختار أورشليم وليس يهوشع شخصيا, ويبدو من ذلك إشارة ليس فقط أن يهوشع يمثل نفسه ولكن أيضا هو يمثل الشعب العائد من السبي. وهنا لا يصير شر يهوشع ولا ذنوب اليهود عائقا أما غفران يهوه له وللجماعة, وهو ما يفزع إبليس المشتكي.
هنا أيضا نلاحظ أن هذه الصورة قريبة نسبيا من الصورة المقدمة في أيوب. فهو يقوم بمهمة الادعاء على الكاهن المذنب, لكنه لا يقوم بأي تصرف بدون سماح من الله, وكذلك يظهر يهوه مسيطرا على الموقف ومنتهرا للشيطان كخادم له أو تحت سيادته.
رابعا: إبليس في رواية إحصاء الشعب
هذه القصة التي جاء ذكرها في 1أخ21: 1, وهي المرة الأخيرة التي يظهر في ذكر إبليس Satan في كتابات العهد القديم القانونية. وفيها يظهر الشيطان بأنه هو من يغوي داود لكي يحصي شعب إسرائيل وذلك دون إشارة إلى سماح يهوه وكأنه هنا يسلك من تلقاء ذاته. ويأتي الاسم Satan بدون أداة تعريف وهو ما يشير إلى انه مع القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد (زمن كتابة السفر) أصبح هناك مفهوم محدد للخصم فوق الطبيعي أو شخصية ثابتة يعرف بهذا الاسم.
وثمة أمر آخر في غاية الأهمية يكمن في أن نفس هذه الرواية عندما جاءت في سفر صموئيل (2صم 24: 1) – وهو السفر الأقدم زمنيا – نسبت إغواء داود بإحصاء شعب إسرائيل إلى يهوه نفسه. بينما وجه كاتب الأخبار اللوم إلى الشيطان. وهناك ثلاثة تفسيرات ممكنة لهذا الأمر:
أ*-أن كاتب الأخبار أبى أن ينسب أفعالا بها شبهة لا أخلاقية ليهوه. ولذلك فقد حذف كاتب الأخبار دور يهوه في الرواية الأقدم واستبدله بالشيطان. ولكن لو أن كاتب الأخبار كان مهتما بحماية صورة يهوه من التشويه فلماذا ترك قصص أخرى مثيرة للجدل فيها يهوه يضع روح كاذبة إلى فم أنبياء آخاب (2أخ18: 18-22)؟
ب*-والرأي الثاني وهو يقترب من السابق يقول بأن كاتب الأخبار نسب الإغواء إلى الشيطان فقط لكي لا يضعف من العلاقة الودية بين يهوه وخادمه داود. ونتيجة لذلك فان كاتب الأخبار حذف كل ما يمكن أن يشير إلى غضب يهوه على شعبه أثناء حكم داود وذكر القصة ببساطة كنوع من المحنة أو التجربة.
ت*-أما الرأي الثالث فيشير إلى أن الاختلاف بين كاتب صموئيل والأخبار (يهوه/ الشيطان) يصور لنا تطور في كيفية تفسير فكر العهد القديم للشر. فمعظم الكتابات المبكرة للعهد القديم تفسر الشر بأنه يرجع للمسبب الأساسي لكل شئ (الله أو يهوه). ولكن الكتابات المتأخرة, مثل الأخبار توسعت عن ذلك من خلال ابتكار سبب ثانوي في تفسيرها للشر (الشيطان).
وأرى أن هذه الآراء الثلاثة مجتمعة بها قدر كبير من الصواب, ولكني أرى أيضا أن ثمة عنصرا أساسيا علينا ألا نغفله, وهو تأثر الديانة اليهودية في فترة ما بعد السبي بالديانة الفارسية وما تحفل به من ثنائية والتي هي مستمدة من الزرادشتية التي تسربت بشكل تدريجي إلى الديانة اليهودية مع الوقت. وأصبحت شديدة الوضوح في كتابات الابوكريفا وخاصة في فترة ما بين العهدين. ويؤكد معظم العلماء أن تأثر اليهود بالثنائية الفارسية لم يدفعهم للتخلي عن التوحيد والذي يعد من أهم ركائز العقيدة اليهودية وهذا ما نراه بوضوح في كتابات إشعياء الثاني (إش 45: 7), ولكنه أحدث تأثيرا – خاصة على مستوى الدين الشعبي اليهودي – في كيفية تفسير مصدر الشر, وطريقة الصراع بين يهوه وشعبه من جهة وبين الشر من جهة أخرى . ومثل هذا التفسير سوف نتعرض له في تتبعنا لمفهوم الشياطين الذي سيأتي ذكره فيما بعد.
خامسا: إبليس في الكتابات الأبوكريفية وفترة ما بين العهدين
في الكتابات الأبوكريفية وخاصة في فترة ما بين العهدين يمكننا أن نتلمس بوضوح شديد مدى التطور في عقيدة اليهود عن الملائكة والشياطين بصفة عامة, وكذلك فيما يتعلق بالمنظور اليهودي لإبليس (Satan) خاصة. وفيما عدا (1أخ 21: 1و مز 109: 6) فإننا نلاحظ أن أقدم الدلائل على إبليس كاسم لشخص تظهر بوضوح في سفر اليوبيل (23: 29) وصعود موسى (10: 1), وكلاهما يرجع تاريخه لفترة حكم أنطيوخس الرابع واضطهاده لليهود.
الملحوظة الثانية الجديرة بالانتباه هي أن كتابات تلك المرحلة قد اهتمت بتقديم تفسير لبعض الأفكار الغامضة في الأسفار الأقدم. فمثلا نجد أن سفر الحكمة (2: 24) يقول إن الشيطان هو أصل كل الشرور وهو الذي جلب الموت إلى العالم. وهو هنا يقوم بتفسير ما جاء في (تك 3) باعتبار أن الشيطان هو الحية التي أغوت أدم وحواء, ونفس هذا التفسير هو الذي ساد بعد ذلك في كتابات العهد الجديد. وفي سفر أخنوخ (29: 4وما بعده) يذكر أن الشيطان هو من أغوى حواء, كما يذكر عنه أنه سقط من السماء مع ملائكة أخرى بسبب شره, وكذلك أن الملائكة الساقطة هم الذين تزوجوا من بنات الناس, وهنا نجد أيضا تفسيرا لما جاء في (تك 6) بشأن زواج أبناء الله من بنات الناس.
الأمر الثالث في تلك المرحلة وخاصة في الفكر الشعبي أن إبليس أصبح يمتلك نظاما منفصلا من الأرواح الشريرة تتحرك تحت سيطرته, وعادة ما ترسم الكتابات الرؤية إبليس وأتباعه باعتبار أنهم سقطوا من السماء, وأنهم كانوا أخيارا قبل أن يخطئوا. وربما نرى صدى لتلك الفكرة في ( إش14). كذلك نلاحظ أن اسم إبليسSatan)) قد تغير في بعض الكتابات فمثلا يمكن أن نراه في الشيطان أزموداوس " المهلك" في سفر طوبيا (3: 8) أو في سفر أخنوخ (6) يكون اسمه شميهازاه, بينما في (8: 1-2) هو عزازيل. في حين يكون اسمه في سفر اليوبيل ماستيما . بينما في كتابات قمران يكون اسمه بليعال[. وفي معظم هذه الكتابات تأتي هذه الأسماء السابقة لتشير إلى رئيس الشياطين أو الملائكة الساقطة, وهو كما ذكرنا من قبل الرتبة أو المكانة التي صارت تنسب إلى إبليس منذ تلك الفترة واستمرت فيما بعد في الكتابات المسيحية.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات