الفصل الأول
القداسة والتقديس
1- القداسة :
القداسة صفة من صفات الله , وهو مصدرها , وهكذا يرد في الكتاب المقدس عن الله أنه قدوس لأنه منزه عن الخطيئة والفساد وممجد من الملائكة بتسبيح لا ينقطع إلى الأبد " قدوس قدوس قدوس " أما الإنسان فهو ليس قديس من نفسه لكنه يتقدس بالمشاركة في قداسة الله , وهذا لا يتم بقوى الإنسان الذاتية ووسائله بل بفعل نعمة التقديس الإلهية .
فالتقديس هو فعل ينتج عن المشاركة بين الله والإنسان حيث الله هو المقدِّس بالدرجة الأولى , لذلك يفصل الكتاب المقدس بين المقدِّس وهو ( يسوع المسيح ) وبين المقدَّسين وهم البشر المؤمنين ( عب 2,11 ). من هنا نفهم أن التقديس هو عمل الثالوث القدوس يتم بشركة الروح القدس ( 2 تسا 2 : 13 ) عبر المقدس الذي هو المسيح .
2- التقديس :
التقديس حقيقة وواقع : جميع المسيحيين دون استثناء هم قديسون لأنهم تقدّسوا من خلال الأسرار التي تمنح لهم عن طريق الكنيسة
* المعمودية : بالماء والروح
( مت 28 : 19 )
( يو 3 : 5 )
( مر 10 : 14 ) - ( لو 18 : 16 )
( مت 19 : 13 - 15
)
* الميرون : بالمسيح أي بهبة الروح القدس , ونلاحظ أن المسح بالميرون يسمى أيضاً " الختم " لأنه بالمسح تتغلغل نعمة الروح القدس إلى أعماق الإنسان
( أف 1 : 13 )
( 1 يو 2 : 20 - 27 )
(2 كو 1 : 21 , 23 )

* سر الشكر الإلهي : الذي يتم بفعل الروح القدس كما يظهر ذلك بوضوح من كلمات الخدمة الإلهية " محولاً إياهما بروحك القدوس "
( 1 كو 10 : 16 - 17 )
( مت 26 : 26 - 27 )
( مر 14 : 22 - 23 )
( لو 22 : 17 - 20 )
( يو 6 : 8 - 10 )

* وسائل النعمة الإلهية المتنوعة : ( 1 كو 12 : 3 - 13 )
إن فعل التقديس الحاصل حقيقة لا يتم فقط بواسطة الأسرار الإلهية التي هي بداية التقديس ( رو 8 : 23 - 24 ) ولكن تلزم أيضاً محاولة الإنسان الشخصية . لذلك يتوجه الله إلى من وهبوا هذه النعمة بقوله : " كونوا قديسين لأني أنا قدوس " وأيضاً " كونوا كاملين " كذلك القديس بولس الرسول يذكر " فإذا كنا نحيا بالروح فعلينا أن نقتفي آثار الروح " ( غلا 5 : 16 - 25 ) الإنسان يقتفي آثار الروح عندما يحيا حياة الفضيلة , وأما حياة الخطيئة فإنها تطفئ الروح ( 1 تسا 5 : 19 ) الخطيئة لا تطفئ الروح فحسب بل تفقد الإنسان نعمة التقديس الموهوبة له من الله .
في العهد الجديد نلاحظ التركيز على دعوة الإنسان إلى العيش بحسب الروح وتجنب الحياة بحسب الجسد , مع تحليل مفصل لكلا الحالتين وبيان النتيجة التي تقود إليها كل منهما . انظر
( غلا 5 : 9 )
( رو 8 : 13 )
( 1 تسا 4 : 3 , 8 )
( أف 1 : 14 )
( 2 كو 3 : 6 )
( 2 تسا 2 : 12 - 13 )

يتضح لنا من الآيات المذكورة أنه بقدر ما يحيا الإنسان بحسب الروح يميت أعمال الجسد ويغتني بشركة الروح القدس إلى أن يتقدس كلياً ( 1 تسا 5 : 23 )
إن جهاد الإنسان هذا للتنقي من الأهواء مدعوم بنعمة الروح القدس
القديس مرقس الناسك يقول : " لا يمكننا أن نقوم بأي عمل في سبيل قداستنا بمعزل عن النعمة "
- ما هو دور الإنسان في التقديس ؟
التقديس نعمة من الله يجاهد افنسان ليحصل عليها وجهاده يهدف إلى :
1- المحافظة على نعمة القداسة المعطاة له اولا , لذلك يقول القديس بولس : " بل اقمع جسدي وأستعبده مخافة أن أكون أنا نفسي مرفوضاً بعدما وعظت غيري " ( 1 كو 9 : 27 )
وذلك بالعمل بمشيئة الله ليكون قادراً ان يحصل على قداسة أكمل وأعمق أي المشاركة الكاملة بنعمة الثالوث القدوس لذلك يقول القديس بولس : " بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض . لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو , وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله " ( أف 3 : 14 , 19 )
3- التأله :
التأله بحسب تقليد الكنيسة الأرثوذكسية هو هدف الله من خلق الإنسان . ولكن الإنسان بسبب سقوطه في الخطيئة لم يتمكن من الوصول إلى التأله , لذلك وجب أن يتجسد ابن الله الكلمة . نقرأ في طروبارية البشارة " ..., لقد خاب آدم قديماً فلم يعد إلهاً كما كان قد اشتهى , فصار الإله إنساناً لكي يصير آدم إلهاً .. "
ويؤكد القديس غريغوريوس اللاهوتي أن " الغني يفتقر , يفتقر من أجلي بالجسد لكي أغتني أنا بألوهته " ( كلمة في الظهور الإلهي ) وكذلك القديس أثناسيوس يقول أن المسيح " تجسد لكي يؤلهنا "
التأله ليس تغييراً للطبيعة البشرية ولكنه سموها وارتقاؤها .
كيفية وصول الإنسان إلى التاله :
مع أن قاعدة التبني هي الحصول على الخلاص بالمسيح عن طريق الأسرار , فالتأله لا يتم فقط بالمشاركة في هذه الأسرار بل يكتسب بالجهاد ضد الشيطان ومعاثره وبممارسة الفضائل والأعمال الصالحة . والقديسون بصفة خاصة هم المجاهدون والنساك .
يتنقى الإنسان في جهاده ضد الشيطان بتغلبه على أهوائه : أي بعدم الغضب , بالاتضاع , بعدم محبة المال , بالصوم , بالعفة , ويرضى الله بقدر ما يسلك بحسب مشيئته بالصلاة والتوبة وبمحبته له من كل قلبه .
إن تنقية الإنسان ذاته وممارسته للفضائل ليست هي الهدف بحد ذاتها ولا تكفي لأن يصل الإنسان إلى التأله بل إنها الواسطة فقط إلى ذلك وهي ما تجعل الإنسان مؤهلا ليتقبل عطية الله , وهذا ما نفهمه جلياً من أقوال الآباء :
يقول القديس باسيليوس الكبير : " الذين يتخلون عن الأرضيات مرتفعين فوقها يصبحون مستحقين للشهادة لعطية الروح القدس "
وفي المجال نفسه يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث : " إن الأعمال الصالحة مشكورة ولكنها تنتهي إلى الصفر وتتلاشى عندما يتوقف ذاك الذي يؤديها عندها , ولا يسعى لأن يتناول من قداسة الله , لأن كل الأعمال الصالحة تتم في سبيل الوصول إلى هذا الهدف "
هذا التقليد الذي لم يتغير نجده أيضاً عند القديسين الحديثين , فالقديس سيرافيم ساروف يكتب : " إن الصلاة والصوم والسهر وكل العمال المسيحية مهما تكن جيدة بحد ذاتها وبالرغم من أنها وسائل ضرورية للحصول على شركة الروح القدس لكنها ليست هي وحدها هدف الحياة المسيحية . هدف الحياة المسيحية هو نيل نعمة الروح القدس " ( من حديثه مع مع موتوبيلوف )

ما هو التأله ؟

مما سبق يتضح لنا أن التأله هو شركة الروح القدس , والآباء يتكلمون بوضوح عن التاله بشركة الروح القدس . وهذه الشركة تتم بالاشتراك بنعمة الله فقط وليس في جوهره . ولهذا يدعى القديسون " صديقين كاملين " , " حاملين المسيح " , " حاملين الروح " ,. " المتوشحين بالله " , " هياكل الله " ومن هنا نفهم القول : " عجيب هو الله في قديسيه " و " في القديسين تستقر وتستريح "
نتائج التاله :
بشركة الروح القدس يتأله الإنسان بكليته ( 1 تس 5 : 23 ) أي بالروح وبالقوى ( بالأفعال ) وكذلك بالجسد
1- تأله النفس ( التفكير والإرادة ) :
إن البشر الذين يصلون إلى التاله يعيشون بحسب الروح كما ذكرنا سابقاً والدعوة ( كونوا قديسين لنني أنا قدوس ) ( 1 بطرس 1 : 16 ) أو ( كونوا رحماء لأن أباكم رحوم ) ( لو 6 : 36 ) ليست سوى دعوة إلى الارتقاء بالفكر والإرادة إلى فكر الله وإرادته .
وتتحقق هذه الدعوة بتأله الإنسان حيث يعود ليأخذ الصورة والمثال اللذان منحهما له الله عند الخلق . عند القديس مكسيموس المعترف نجد أن الإنسان لا يصبح فقط صورة المسيح الحية بل هو المسيح نفسه بالنعمة أو بالتمثل
نتيجة هذا التأله هو عودة الإنسان إلى حالته ما قبل السقوط واستتباب السلام بينه وبين الحيوانات المتوحشة وعوامل الطبيعة .
هكذا نجد قديسين يسيرون على وجه الماء ويتصرفون إزاء الحيوانات المتوحشة وكأنها حيوانات أليفة وهي تخضع لهم مثلا القديس أنطونيوس , جراسيموس الردني , سيرافيم ساروف ... )
بالتاله يكتسب القديسون المحبة الكاملة , التواضع , الاستنارة , محبة الحقيقة , وهكذا يصلون باستنارتهم بالروح القدس إلى مستوى الوحدة في جوهر تعليمهم وإن اختلفت أساليب تعبيرهم التي يفرضها الزمان والمكان .
2- تأله القوى ( القعال ) :
إن تأله القوى هو نتيجة طبيعية لتأله النفس . بالتاله يمتلئ الذهن والقلب والإرادة والجسد بنعمة وقوة الله . المتألهون لا يسمون ويرتقون بالطبيعة فقط ولكنهم يكتسبون القوة الإلهية ذاتها كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس . بهذه الطريقة تصبح اقوال الإنسان , قواه وأعماله تعبير عن النعمة والقوة الإلهيين . ويؤكد القديس نفسه أن المتألهين يتصرفون باسم الله وعوضاً عنه كما الملائكة القديسين
القديس باسيليوس الكبير يعلمنا بوضوح أن " النفوس الحاملة للروح ترتقي وتصبح روحانية و ليست هي فقط بل إنها تشع بالنعمة نحو غيرها أيضاً " (عن الروح القدس الفصل التاسع
)
يتبع ...