الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر ليتفجّر رأسه. هذا حساب تقديري او ترجيحي ما لا يجعلك تيأس من الأعجوبة. وما من خيبة في هذا الدنيا الا لكونك تحب ان تأخذ النقاوة بيتها في كل نفس. واذا لم تجدها كاملة في ذاتك تراها تطلع من الجانب الخير في نفسك وهي تحاول ان تضرب السيئات ولا تفلح.
والخيبة تبدأ بأهل بيتك. كنت تحس في طفولتك ان أباك قوي، مثال الرجال واذا أدركت شيئا من الوعي تعرف ان صورته في نفسك اجمل من واقعه، لكنك تبقى محبا لأن هذا في الحشا ولا تستطيع ضد أحشائك شيئا ولكن عقلك لم يقتنع بأبيك. وكذا تكشف ان امك ليست مثل مريم كما كنت تظن في مطلع شبابك وانها امرأة عادية. ومثل ذلك اخوتك وأخواتك لكنك أسير الحشا. غير ان تحليلك يرتطم بالمشاهدة الصارخة فتحزن ثم تفرح للطهارة اذا بدت من الشخص عينه وتنتقل في آن واحد من خيبة الى خيبة ومن غبطة الى غبطة على رجاء قيامة القلوب جميعا من سوئها اي على رجاء دفق الحياة الإلهية في كل النفوس لأن المعلم قال لنا: "ان ملكوت الله في داخلكم”.
في المجال العلمي الخيبة كبيرة في لبنان. المحزن ان الشعر والأدب تتحكم فيهما الدعاوة الى حد فتهدى كتاب قيل عنه العظائم وتقرأه وتراه تافها. الكاتب لا يعرف العربية والركاكة تتموج من صفحة الى صفحة ثم تلحظ احيانا ان فلانا يكتب لك اهداء فيه إطراء كبير وتحس من طرف اللسان انه لا يرفض معونة مالية ليغطي ثمن الورق والطباعة وان ناقدا اذا نقد لا يصل الى الأعماق ولا يطلع عليك بجديد وينشر مراجع لم يقرأها وقد يأتيك بمرجع الماني لم يطالعه قطعا لكنه كان مذكورا في كتاب فرنسي. قال لي مرة قسطنطين زريق: لا يحق لك ان تذكر مرجعا لم تقرأه كله ومباشرة. هكذا يكون الصدق في الكتابة. ومن ضعف الجدية ان شاعرا فتيا طلب اليّ ان اكتب له مقدمة لشعر واضح الإباحية فقلت له: يا صاح، كيف يمكنني وانا مسيحي ملتزم ان أقدّم لهذا الكتاب؟ لعلّ أعظم خيبة عندي تأتي من ان ثمة من يعرف موقعك وما تدين به من قناعات ومع ذلك يطلب اليك غير المعقول وكأنه لا يعرف انك انسان تحاول ان يكون ظاهرك مثل باطنك.
الصدمة كثيرا ما أتت من انك ترث بعض البشر فهم حولك وقبلك وهم معك في تعاون ويعاملونك بما وصلوا اليه من وجدانيات مختلفة وتلحظ ليس فقط ان وجدانياتك سليمة على قدر البشر فلا تكتشف لغة بينك وبينهم. انت عندك مرجعيّة في نفسك وهم بلا مرجعيّة ولكن عليك ان تعايشهم وفي الحقيقة انكم لا تلتقون. المجتمع الذي حولك معظمه ناس يتراكمون ويعيشون باللفظ وانت عندك الكلمة تحمل معناها وهم لا تهمهم المعاني ويقولون ما يفيد منافعهم على الأرض. وليس همهم ان تلتقي فيهم السماء والأرض.
كثير من الناس اكتشف بعد فترة أنهم أتفه مما ظننتهم. وربما كان عندي بعض من الكبرياء ما يجعلني أتحمّل بصعوبة الأغبياء ولكن لا بد من التقائهم لأنهم بعض ممن انت عنهم مسؤول. فترى نفسك مضطرا الى ان تغيّر لغتك وتنزل الى مستواهم في الكلام والفهم. ولا تستطيع ان تقصيهم ان شعرت انه لا بد لك من هذه المخالفة وتبقى حيث انت مقيم وغالبا ما لا يصبون الى الحقيقة التي هي مالكتك واذا عظمت الثقافة عندهم تضطر الى ان تمضي كثيرا من وقتك معهم لتخلصهم وما جاؤوك هم للخلاص، ويصلبونك على ما هم عليه وتحيا انت على رجاء انبعاثك منهم بعد ان حاولت النزول اليهم فلا انت تنزل في الحقيقة ولا هم يصعدون. لكنك تسعى الى ان تحفظ نفسك من الشرير الى ان تكشف النعمة الحقيقية في اليوم الأخير.
لعل الخيبة الكبرى عند رجل يتعاطى الشأن الكنسي العام ان اناسا يصدمونك وهم لم يروك إطلاقا والعدوانية ظاهرة في كلامهم. ولست تفهم محبتهم ولا سبب غضبهم. طبعا تنقل اليهم صورتك وطبائعك وتكون عندهم حاجة يقضونها تتعلق دائما بمنافع لهم في الأرض. وعلى ذلك يجب ان تحفظ هدوءك وطول أناتك لئلا يستفحلوا في خطيئتهم وقد يتركونك او يعودون اليك وصورتك هي هي قبيحة عندهم او على شيء من القباحة ويبقى بينكم حديث أحيانا ولكن لا يدخل اليهم معنى ولا يصغر فيهم السوء لكنهم من مجتمعك ومفروض عليك لقاؤهم. وكثيرا ما تحس اذا ما كثروا انك وحدك في بيئة مفروض فيك انك على اختلاط في العمق ومع ذلك ليس من اختلاط وكأن محبتك لهم لا يشعرون بها او كأن ضياء عينيك التقى عتمات عيونهم الى ان يمسح الله عنا كل دمعة.
وعلى رغم توالي الخيبات يوما بعد يوم أعاشر كل يوم عددا قليلا من الأبرار. وكنت مع قوم منهم عشرات من السنين ولم يحدثوا فيّ خيبة واحدة. الى جانب العزاء الإلهي المباشر هؤلاء هم تعزيتي وملكوتي. وما ذلك الا لأن البركات نزلت عليهم وهي تصدر عنهم ولا تنثني السيئات في طيات قلوبهم وينسونك الأشرار والأغبياء الى ان يعود هؤلاء اليك ويجرحوك واذا كان المسيح جريحا الى الأبد "فالعبد ليس افضل من سيّده" كما قال هو. وتدخل الصدمات في روزنامتك اليومية حتى ترقد الرقاد الأخير.
ويبقى لبنان وطن الخيبات والتعزيات معا. عندنا حب الغريب والجار والغيرة على طهارة الاولاد والسعي الى ارتقائهم العلمي وخصال حميدة كثيرة وجميلة. نحن شعب طيّب ولو كنا خالين من هيكليّة حضارية. نتعايش على اختلافنا على الغالب في مودة. والحب عندنا لا يخدشه التنوّع الديني ونرتفع ذوقيا بجمالات لبنان ولكن لا أعرف مما تتولد السياسة. لماذا فيها سقطات كثيرة جعلتني في السنة الأخيرة -بلا تعميم- اقول ان بين اهل السياسة من لا يحب لبنان.
اليوم (الاربعاء الماضي) قلت لمحدث عندي: النائب الطاهر هو من وقف في المجلس ليقول كلمته ويعرف انه بذلك يخسر نصف ناخبيه. انت تحمل ولايتك في صدق من اجل اعمار البلد ورقيّه وجعله يتنطح لأن يكون من العالم الاول وتتراجع عن موقف بدا لك الخطأ فيه من حيث لا تتحزّب لنفسك ولا لرفيقك في الكتلة النيابيّة. انا أفهم التحالفات الكتلوية التي تخدم البلد وافهم الانفصال عن زملائك اذا كان انفصالك هذا التصاقا بلبنان.
في الحد الأدنى تحرر من الكيد والحزبية الضيقة الهدامة لكيان البلد وافهم ان ولاية واحدة كافية لأن تجعلك انسانا عظيما بناء للتاريخ. واذكر كلمة معلّمنا الغزالي: "لا يعرف الحق بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق". اذا كان وجه كل انسان هباء تذرّيه الريح عن وجه الأرض اذا لم تكن معالم الوجه الإلهي عليه فاترك وجهك الذي صنعته مصالحك الى الوجه الإلهي. اذا كنت صرت انت حامل الحقيقة فلا تخشَ احدا ويخشاك معظم الناس وقد تبقى فقيرا. كثير من الفنانين ماتوا فقراء وبقوا في التاريخ. الذين يتركون مؤسسات استغرقت معظم ثروتهم يظلون احياء في ذاكرة البشر والذين لم يتركوا للناس شيئا لا تُذكر عطاياهم.
امام كل هذه الجراح يبقى المشرقون الذين أشرق الله عليهم بنوره. صلِّ لكي يأتي اليك هؤلاء لتفرح وتقرع باب الملكوت منذ الآن فيتحول هو اليك. وقد لا تقل الخيبات ولا تصغر ولكن يعظم فيك الفرح.
† † † †† † † † †
نقلا عن النهار
المفضلات