يوجد تمييز مهم جداً أن نمارسه بهذا الخصوص. فالأساليب العلمية، مثل الأسلوب التاريخي – النقدي والتحليل القصصي، يمكن أن تقدم لنا معلومات خام. فعلى كل تلميذ للكتاب المقدس أن يفسر تلك المعلومات بحسب افتراضات معينة تعكس توجهاً لاهوتياً نوعياً. غالباً ما تكون هذه الافتراضات متضاربة مع التقليد الأرثوذكسي وبالتالي يجب أن تُصحح أو تُهمل. وحيثما تكون تفسيرات الآخرين منسجمة مع وجهة النظر اللاهوتية الأرثوذكسية، يمكننا عندئذ أن نستعملها ونستفيد منها. إن أكثر طريقة ضماناً لتقرير هذا هي أن نكتسب "ذهن الآباء": أي أن نفترض افتراضات مشتركة بين اللاهوتيين الأرثوذكس في الكنيسة الأول. هذه الافتراضات تشمل ما يلي:
أولاً: إن "كلمة الله" غير محصورة بالكتاب المقدس أو بالتبشير؛ هذا التعبير يشير بالمقام الأول إلى اللوغوس الإلهي، ابن الله الأزلي، أحد أقانيم الثالوث القدوس.
ثانياً: إن تفسير الكتاب النقدي ممكنٌ فقط من خلال حضور وعمل الثالوث القدس (من الآب، عبر الابن، في الروح القدس)؛ فالروح القدس "يُلهم" كلاً من مؤلف السفر الإلهي وتفسيره الصحيح.
ثالثاً: إن المكان الصحيح للتفسير هو الكنيسة: عالم الحياة والفعل الإلهيين، والذي يقدم لنا وجهة نظر لاهوتية أساسية ضرورية للتفسير.
رابعاً: إن الكتاب المقدس بكليته هو شهادة لشخص الله في المسيح ولعمله الخلاصي. لهذا فإن العهد القديم يجب أن يُقرأ كـ "كتاب مسيحي"، ويجب النظر إلى العلاقة بين العهدين على أنها عهد الوعد إلى عهد التحقيق (التفسير يعتمد بالتالي وبصورة كبيرة على التيبولوجيا لكشف العلاقة بين الشريعة والأنبياء من جهة، وبين المسيح والكنيسة من جهة أخرى).
خامساً: إن الأسفار القانونية قد نشأت في التقليد الشفوي لإسرائيل والكنيسة الأولى. وبكلمات أخرى فإن التقليد قد سبق كتابة النصوص الكتابية؛ لقد ولّد تلك النصوص وأعطى الإطار الذي فيه حملت تلك النصوص شهادتها. لهذا يجب أن لا نضع الكتاب المقدس ضد التقليد كعنصرين مختلفين أو متعارضين. الكتاب المقدس هو "القانون" أو "مقياس الحق"، جسد الكتابات المُوحى بها بالروح والذي له السلطان الفريد ضمن الكنيسة بسبب شهادته الأمنية للحقيقة التي كشفت الله. فبينما يقرّر التقليد حدود القانون، فإن الكتابات القانونية تكشف لنا الحدود الأصلية للتقليد ومحتواه: فالاثنان يتواجدان في علاقة تبادلية.
سادساً: لكي نفسر الكتاب المقدس بصورة صحيحة يجب علينا أن "نحيا" الكتاب المقدس. فبينما يمكن للتفسير "الموضوعي" أن يقدم لنا معلومات تاريخية أو معلومات تتعلق بتقليد النص، الخ، فإنه عاجز أن يعطينا الجوهر الداخلي للكتاب المقدس. لا يستطيع التفسير "الموضوعي" أن يقودنا إلى فهم كامل للحياة والرسالة التي يسعى الروح القدس أن يكشفها لنا عبر الكتابات الكتابية. لكي نفسر الكتاب المقدس بصورة كاملة ودقيقة علينا أن نفعل هذا "من الداخل". علينا أن نقبل بالإيمان الشهادة التي يقدمها الكتاب المقدس، بينما نجاهد أن نكون مخلصين للواحد الذي هو موضوع الكتاب، والذي يكشف نفسه ويجعلها قيد المنال من خلال الكتاب.
إثر سعيهم نحو فهم كامل وعميق و "روحي" للنصوص الكتابية استعمل الآباء أساليب عديدة، إنما معلّق بعضها بالبعض الآخر بحيث يمكننا أن نستخدمها بصورة مفيدة في يومنا الحالي. إن أكثر الأساليب أهمية هي الأسلوب بحسب النموذج typology والأسلوب بحسب المزاج allegory. حتى وقتنا المعاصر فإن علماء الكتاب المقدس اعتادوا على إقامة تمييز جذري بين هذين الأسلوبين. يعتقدون أن الأسلوب المجاز يشير إلى قراءة رمزية لكلمات نصٍ، لكي تكشف المعنى ما وراء معناه الحرفي التاريخي (أي: ماذا قصد الكاتب الرسولي من هذه الكلمات أن تنقل لقرائه الأصليين). ففي أيدي المفسرين اليهود والمسيحيين الأوائل من الإسكندرية في مصر، كثيراً ما أدى الأسلوب بحسب المجاز إلى تفاسير غريبة لا علاقة لها بالمعنى الحرفي أو التاريخي الذي قصده المؤلف الكتابي.
الأسلوب بحسب النموذج (والذي تطور بصورة خاصة في القرن الرابع في مدرسة أنطاكية التفسيرية) يشير، كما يعتقد هؤلاء العلماء أنفسهم، إلى استعمال أشخاص أو صور من العهد القديم وصور مماثلة في العهد الجديد بحيث تكون بصورة أساسية تاريخية ومتعلقة ببعضها البعض من حيث الوعد والتحقيق. إن "النموذج type" في العهد القديم قد تمت رؤيته متحققاً في "الأصل antitype" في العهد الجديد، خاصة في شخص يسوع وفي الحياة الأسرارية للكنيسة. الأسلوب المجازي إذاً قد اُعتبر منفصلاً عن التاريخ، إذ يركز على الحقائق "الأبدية" والمعنتى المتعالي. الأسلوب بحسب النموذج من جهة أخرى يجد المعنى بالضبط في الحوادث والحقائق الأخرى (أشخاص، مؤسساتن وطقوس) المتأصلة بثبات في التاريخ.
على كل حال، إن علماء الكتاب المقدس اليوم يُدركون أكثر فأكثر أن "التفسير بحسب المجاز" يُشير بالضبط إلى قراءة رمزية للنص بصورة إجمالية، وهي قراءة يمكن أن تشمل الأسلوب بحسب النموذج. إن الأسلوب بحسب النموذج كما استعمله الآباء هو أسلوب خاص يسعى، مثل الأسلوب المجازي بصورة عامة، إلى التنقيب في نص كتابي معين على رؤية أو معنى مُلهم يتجاوز المعنى الحرفي الصرف.
خلال العصور الوسطى وخاصة في الغرب اللاتيني ميّز علماء الكتاب بين "معان" مختلفة عديدة يمكن أن تُدرك في النصوص الكتابية. فقد ميزوا المعنى "الحرفي" على أنه المعنى الذي قصده المؤلف الكتابي: ماذا كان يحاول أن ينقل إلى قرائه الأصليين فيما يتعلق بعمل الله الخلاصي. إلا أن هذلاء الآباء، على كل، قد تجاوزا المعنى الحرفي وميّزوا معنى "خريستولوجياً"، مُدركاً بالأسلوب بحسب النموذج؛ وميّزوا معنى أخلاقياً tropological يشير إلى سلوك أخلاقي لائق؛ وأخيراً ميزوا معنى أخروياً أو anagogical يشير إلى "الأمور الأخيرة" مثل القيامة العامة، والدينونة الأخيرة، والحياة في ملكوت السموات. تتداخل هذه المعاني المتنوعة فيما بينها، والتمييز الذي بينها هو نوعاً ما مُصطنع. مع ذلك، يمكن أن يكون مفيداً لنا في قراءتنا التمييز بأن أي نص كتابي معين يمكن أن يكون له بالنسبة لنا معنى يتجاوز المعنى الحرفي للنص. يمكن للإدراك الأكمل والأعلى والأكثر روحانية للمعنى أ, للمعاني الكتابية أن يقودنا إلى فهم أعمق للمسيح، وإلى علاقة أكثر حميمية وإخلاص؛ ويمكن أن يقوي رجاءنا في النصر الأخير للمسيح على الخطيئة والموت والفساد.
إن التفسير بحسب المجاز يساعدنا على التقاط المعنى الحقيقي للكثر من نصوص العهد القديم والعهد الجديد، خاصة الأمثال التي قدمها يسوع. فهذه (الأمثال) لا يُمكن أن تُقرأ بصورة "حرفية"، وإلا سيُساء فهمها. فمثلاً، إن "الابن الضال" (الخليع) لا يقص مغامرات ضخص فعلي؛ إنه صورة لكل واحد ينال من "أب" (الله) وفرة من البركات، ويُهدرها بالسلوك الخاطئ، ومع ذلك يعود إلى بيت الأب بعمل متواضع من التوبة. الابن الأكبر هو صورة الذين، مثل افريسيين، يبقون ظاهرياً أمينين للأب، ومع ذلك يخونون احتياجات البر الحقيقي باقتصاريتهم وغيرتهم وكبريائهم. وعلى مستوى آخر، يمكن أن يُرى الابن الضال (الخليع) كصورة للأمميين الذين يدخلون، كوثنيين سابقين، إلى الجماعة المسيحية الأولى، بينما يمثل الابن الأكبر اليهود :المُخلصين" الذين، رغم ذلك، يستثنون أنفسهم من احتفالات بيت الأب (الملكوت) بسبب رفضهم الترحيب بأخوتهم المهتدين. من الممكن أن الرب يسوع (بواسطة الإنجيلي لوقا) قد قصد كلا هذين المعنيين، وكلا المعنيان يعتمد على تفسير للتقليد بحسب المجاز.
إن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد مرة أخرى هي علاقة "وعد" بـ "إتمام" و "تحقيق". تُرى هذه العلاقة بصورة ملموسة في الصور (التي بحسب النموذج) والتي توحّد العهدين معاً. إذ نستطيع أن نرى في قصة الخلق في تكوين 1 صورة نبوية للخليقة الجديدة النهائية للإصحاحات الأخيرة من سفر الرؤيا. ونستطيع أن نرى في موسى والأنبياء أشخاصاً يُعلنون ويُنذرون بمجيئ المسيح مانح الناموس الحقيقي والعبد المتألم الحقيقي. يمكننا أن نرى في الخشبة التي طرحها موسى في المياه المرّة لتحليتها وتجعلها طيبة المذاق صورة نبوية لصليب المسيح المانح الحياة.
يمكن إذاً للأسلوب بحسب النموذج أن يكون مفيداً جداً في محاولاتنا لفهم معنى العهد القديم من حيث علاقته بالعهد الجديد، كما يمكن أن يساعدنا لجني فهمٍ أعمق ولتقدير عمل ابن الله في التاريخ.
يمكن لقراءات أخرى للكتاب المقدس أن تساعدنا على التقاط "معان" أخرى، أخلاقية وأخروية. فيمكننا أن نرى في العلاقات بين الأشخاص المتنوعين في العهد القديم أمثلة عن سلوك يدعونا الله لتبنيه، لكي نتغلب على حالتنا الخاطئة ونحمل الشهادة الأمينة له. فمثلاً حالة إبراهيم وإسحق: الدافع ه الطاعة الأمنية أمام تحد مستحيل ظاهرياً؛ أو يعقوب وعيسو: الصراع لاكتساب الورثة، مما يدل بالنهاية على ميراثنا كـ "أبناء الله". ثم هناك شخص أشعيا، الكاهن والنبي المطيع، الذي دُعي ليدخل في عالم قداسة الله كما كُشف في شخص يسوع المسيح والقديسين؛ والرسول بولس، الذي احتمل الاضطهادات وأخيراً الشهادة في خضم سعيه أن يحيا "الحياة في المسيح"، حيث لا يحيا هو بعد بل المسيح يحيا فيه (غلاطية 2).
أخيراً، في قراءتنا للكتاب المقدس وخلال محاولاتنا لتفسير تلك النصوص لأجلنا ولأجل الآخرين، فإنه يمكننا الاعتماد على مصادر متنوعة من المعلومات والإلهام. يجب أن نتآلف مع الظروف والأوضاع التاريخية المتعلقة بالنص المعني وذلك عن طريق استعمال نسخات للكتاب المقسد ذات حواشي تفسيرية. يمكننا أيضاً أن نختار مؤلفين معنيين، أرثوذكس أو سواهم، من الذين يستحقون الثقة والاحترام بسبب طريقة تفسيرهم للكتاب المقدس من حيث علاقة هذا التفسير باللاهوت الأرثوذكسي. أخيراً، علينا أن نتحرك ما وراء حدود النقد التاريخي والأشكال المتنوعة من "التحليل القصصي". وحتى نتفلفل في أعماق الكتاب المقدس نحتاج مرة أخرى أن نكتسب "ذهن الآباء". لا يعني هذا أن نكرر ببساطة استنتاجاتهم المتعلقة بمعنى نص معين (لأنه قد يختلف بعضهم مع البعض الآخر). إنه يعني أن نحاول كما فعلوا، تحت توجيه وإلهام الروح القدس، أن "نسمع" كلمة الله وهي تخاطبنا، في أعماق ذهننا وفي أعماق قلبنا. بدون هذا المنظور – أن نحيا الإنجيل بإيمان، ورجاء، ومحبة – لن تكون النصوص الكتابية أكثر من مجرد حروف ميتة. وبمقدار ما نقرأها بوحي الروح القدس ومن منظور الآباء القديسين، فسنجدها في الحقيقة مصدراً لا مثيل له ولا يمكن الاستغناء عنه للحقيقة والحياة.
المصدر: الأب جان بريك، د. عدنان طرابلسي، سألتني فأجبتك (ج 2)، (عمشيت: دكاش برينتينغ هاوس، 2011) ص ص 115- 120
لي عودة لهذا الاقتباس..
صلواتكم

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس

المفضلات