[align=justify]
1- كان حرياً بالإنسان أن يسكن بالقرب من المجد الإلهي حيث كان سينال قيمةً حقيقية غير زائفة، وسيتمجد بقوة الله ، ويسطع بالحكمة الإلهية متنعماً بالحياة الأبدية وخيراتها. إلا أن الإنسان عندما أشاح بناظريه عن المجد الإلهي طالباً ماهو أرفع، وبمبادرته لنيل مالا يستطيع، فقد حتى ماكان باستطاعته امتلاكه. لهذا فإن التواضع، وعدم التوهم بقدرة الإنسان على نيل المجد بنفسه بل بطلبه من الله هما الخلاص العظيم وفي نفس الوقت شفاء العلة والعودة إلى الحالة الأولى. وبهذا سيصلح الإنسان خطأه ويعود إلى الوصية المقدسة التي خالفها.
إلا أن الشرير الذي انتصر على الإنسان بجعله يرجو مجداً فارغاً، لن يتوقف عن إثارته بالمثيرات عينها، وبالتوجه نحوه بابتكاراتٍ غير محدودة كأن يظهر له الغنى شيئاً عظيماً ليستكبر وينشغل به. إن هذا لعديم القيمة من أجل نيل المجد وغاية في الخطورة. فالحصول على المال مسألة طمع، وامتلاكه لا يضيف شيئاً على الصيت الحسن لكنه يقود عبثاً إلى العمى ويسبب العُجب بدون تبصّر ويخلق في النفس هوىً مشابهاً للالتهاب، لأن ثقل الأجساد التي تعاني الالتهاب ليس بالنافع أو الصحي، إنما هو حالة مرضية ضارة. إنه بداية الخطر وسبب البليّة، وهذا يماثل ماتفعله الكبرياء بالنفس.
في الحقيقة، إن التكبر لا يحدث فقط بسبب الأموال، ولا يفتخر الناس بتقديم الأطعمة والموائد الفخمة، وارتداء الحلل الزاهية غير الضرورية، ولا ببناء المنازل الفاخرة وتزيينها، أو الاعتماد على تجمعات الحاشية و تحلّقات المداهنين فقط. لكنهم وبدون مبالغة، يتباهون بالاستحقاقات التي حصلوا عليها بالانتخاب. إذ لو أعطاهم الشعب مرتبة ما كأن يعتبرهم مستحقين للرئاسة، ويخولهم بالتصويت منصباً أعلى، فسيظهر هؤلاء كأنهم متخطين الطبيعة الإنسانية، ولا يبقى سوى أن يظنوا أنفسهم معتلين الغيوم، ولهذا يعتبرون الناس الخاضعين لسلطتهم أدنى قيمة ويتكبرون على الذين منحوهم الاستحقاق، ويتغطرسون أمامهم بحق التصويت الذي نالوه وصاروا به ذوي شأن، ويصابون بحالة جنونية نتيجة سعيهم لمجد باطل وإحاطتهم ببهاءٍ أشد بطلاناً من التخيلات الليلية. مثال على ذلك، ذاك الأحمق ابن سليمان الصغير العمر والأكثر صغراً بالعقل. فهذا توعد شعبه،الذي كان ينتظر منه اللين، بحكمٍ قاسٍ. لكنه طرد نتيجة ذلك بالقوة نفسها التي كان يرجو أن يوطّد بها مُلكه ( 1مل4:12-14).
إن قوة اليدين ورشاقة القدمين والجمال الخارجي تتلفها الأمراض، ويفنيها الزمن. لكن هذه تشجع،على التكبر، الإنسان الذي لا يعلم أن: "كل جسدٍ عشبٌ، وكل جماله كزهر الحقل. العشب ييبس وزهر الحقل يذبل" (اش6:40-7). هكذا كان افتخار الجبابرة بقوتهم (تك 4:6)، وكذلك شعور الأحمق جليات محارب الله (1صمو4:17). وأيضاً أدونيّا الذي ترفّع لجمال صورته(1مل5:1-6) وأبيشالوم الذي افتخر بشعره الطويل(2صمو26:14).

2- تعتبر الحكمة والمعرفة من أعظم الخيرات التي يملكها الإنسان وأكثرها ثباتاً، لكن عظمتها هذه جوفاء، ولا تقود إلى مجد حقيقي. وهذا كله لا يحسب له حساب عندما تغيب الحكمة الإلهية. لأن السفسطة ضد الإنسان تصبح ضارةً للشيطان نفسه، وما يبتدعه من حيل لإيقاع الإنسان ينقلب عليه من حيث لا يدري. فهو لم يخسر فقط ذاك الذي تمنى إبعاده عن الله والحياة الأبدية، لكنه ضلل نفسه بأن صار منشقاً عن الله ومداناً بالموت الأبدي، إذ سقط هو نفسه في الفخ الذي نصبه للرب بأن يصلب بالوسيلة التي أراد أن يصلب بها وينال الميتة التي ابتغاها للرب. ولو أن رئيس عالم الخطيئة الأول، وسفسطائي الحكمة الدنيوية الأعظم أُمسِك بألاعيبه وحيله نفسها فإنه سيصل إلى الجهالة الأخيرة. وأكثر منه أيضاً تلاميذه وغيّوروه الذين حتى ولو ابتدعوا عشرة آلاف سفسطة سيحل عليهم القول "وبينما يزعمون أنهم حكماء،صاروا جهلاء" (رو22:1).
لقد رسم فرعون بدهاء مخططات عديدة لكي يقضي على الشعب الإسرائيلي, لكن حيله بطلت من حيث لم يكن يدري، والطفل الذي كان قد رمي للموت بأمره، ترعرع خفيةً داخل القصر الملكي (خر1:2)، واستطاع أن يدمر قوته وكل أمته لكي يخلص إسرائيل. أما أبيمالك القاتل- ابن يهوذا من زنىً - فقد قتل الأولاد الشرعيين السبعين وظن بذلك أنه وجد وسيلة للاستيلاء على السلطة الملكية بكل أمان، كما أنه سحق معاونيه في القتل لكنه عاد وحُطّم من قبلهم، وفي النهاية لقي مصرعه بحجرٍ على يد امرأة. أما اليهود فقد أصدروا حكماً هدّاماً ضد السيد بقولهم لأنفسهم " إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا" (يو48:11). وبهذا الحكم انقادوا إلى قتل المسيح يسوع مقتنعين أنهم بهذا يخلّصون الشعب والأمة. لكنهم دُحروا بنفس الطريقة التي فكروا بها. إذ أنهم طُردوا من بلادهم وأُبعدوا عن الناموس وحياة العبادة. هكذا وبصورة عامة وبأمثلة لا تحصى يستطيع المرء أن يدرك أنّ ميزة الحكمة الإنسانية متداعية وبدون أساس متين، إنها محدودة ومستقبلها مَخزٍ، وليست بالعظيمة أو الراقية.


يتبع...
[/align]