الخجل (Shyness) اذا لازم انسانا تجده يخشى الناس ويرتبك أمامهم، وبخاصة هؤلاء الذين يكونون مصدر تهديد انفعالي له مثل الغرباء بسبب حداثته، وقلة الثقة بالنفس. كما ان الشخص الخجول يخشى لقاء الجنس الآخر.
وايضا يخشى الشخص الخجول مواجهة المواقف الاجتماعية، وقد تحتبس الكلمات في حلقه او يعجز عن ادارة الحديث.
ويرى علماء النفس ان الخجل غالبا ما يكون رد فعل لموقف صعب وحديد، وعادة ما يكون جزءا رئيسيا في حياة كل مراهق.

اشكال الخجل
هناك صور عديدة للخجل، إذ انه يصيب الناس بطرق مختلفة، فيوجد شخص يشعر بالخوف والحيرة في مواقف معينة لكنه يقدر ان يخفي هذه المشاعر ويظهر في صورة عادية، وهناك من يعاني من التحدث مع الغرباء، لكنه على ثقة بالنفس في صداقته للاشخاص الاقرباء له، وبعض الناس يشعرون بصعوبة التواجد في المناسبات الاجتماعية كالحفلات، على حين يزول عنهم هذا الشعور في المواقف غير الرسمية والبعض الاخر نجده يعاني من مجرد الحديث مع أي شخص.
ويرى بعض العلماء ان الخجل قد يكون مشكلة خفيفة تجيء وتزول في مواقف خاصة او في اوقات معينة من الحياة، وقد تكون مشكلة حادة تشكل نوعا من الاضطراب النفسي الذي قد تتدهور معه حالة صاحبه لدرجة انه يصاب – نتيجة الخجل الشديد – بشلل عقلي يؤدي الى حالة من اليأس قد تقوده الى الانتحار.

رد الفعل
عندما يتعرض الشخص الخجول لموقف اجتماعي يثيره، فإنه يشعر بالخوف ويحدث لديه رد فعل شديد، وهو رد الفعل العاطفي وهو على ثلاثة انواع رئيسية:
• مشاعر ذاتية من الخوف والضيق.. فيفكر الخجول بطريقة مختلفة عن غيره.. إنه يضع نفسه في صورة سلبية مجردة.. ويميل الى نقد الذات وعدم الاعتداد بالنفس.
• خوف فسيولوجي.. اذ تحدث زيادة في النشاط الفسيولوجي (أي بأعضاء جسمه) فتزيد وسائل الدفاع الاتوماتيكية الممثلة في زيادة معدل النبضات وزيادة افراز العرق، وارتفاع ضغط الدم، واحمرار الوجه، ويتصرف الانسان الخجول بذاتية في المواقف الاجتماعية العادية كما لو كان هناك تهديد فعلي لجسمه، فيجد انه يفرز عرقا اكثر، ويجف حلقه، وترتعش يداه، ويكون اكثر عصبية.
• خوف سلوكي، فتجد الشخص الخجول لا يشارك كثيرا في المواقف الاجتماعية، ولا يجيد الحديث او المجاملات، كما انه قد يقدم على تصرفات منكرة لا يرضى عنها المجتمع مثل المشاكسة، وغيرها من التصرفات الفوضوية التي يأتي بها الخجول الخائف، مدفوعا لااراديا بتصور ان هذه التصرفات تعوضه عن نقص كفايته الاجتماعية.

فهل انت خجول؟

ان الشعور بالخجل ظاهرة طبيعية عند الناس، تظهر في المواقف المختلفة التي يتعرض لها الانسان، فهناك من يخجل عندما يواجه موقفا محرجا، او عندما يوجد في وسط مجموعة من الناس لا يعرفهم، او عندما يتحدث الى شخص من الجنس الاخر.
وهناك من يشعر بالخجل من شكل جسمه او من حجمه، او من ملامح وجهه.
وقد لاحظ العلماء ان الخجل يزداد في فترة المراهقة، وهي الفترة المرتبطة بالنمو الجسمي والعقلي الواضح على المراهق، فيخجل المراهق او المراهقة، من مظاهر الرجولة او الانوثة التي تظهر عليه او عليها.
ثم تبدأ هذه الظاهرة في الاستقرار، كلما نضج الشخص، وكلما اكتسب الخبرات، وكلما اختلط بالناس. ولكن قد يستمر الخجل الزائد عن حده عند بعض الناس، ويظل هو المتحكم في قراراته وعلاقاته مع الناس، بحيث يعوقه عن النجاح، وعن التقدم، وعن ابراز مواهبه او قدراته في عمله او في حياته بصفة عامة.

الخجل في المجتمعات
اثبتت الابحاث الحديثة ان الخجل شائع، وواسع الانتشار، بل وعالمي. وتصل النسبة الى اربعة اشخاص من كل عشرة ممن تقابلهم في حياتك اليومية، يسيطر عليهم الشعور بالخجل طوال الوقت، وان ما يقرب من 80% من الناس يعانون من الخجل في وقت معين من حياتهم.
لكن الخجل يختلف باختلاف الثقافات والمجتمعات.
ولكن ليس أقل من ربع أي مجموعة من الناس يعترفون بأنهم يتصفون بالخجل، وفي بعض المجتمعات الشرقية تقفز النسبة الى 60% بين المراهقين.
وقج ثبت علميا ان الخجل لا يقتصر على أي من الجنسين دون الآخر، ولا على سن معينة، فقد يتعرض له من تقدمت به السن عند مواجهة الجماهير.

رأي العلم في الخجل

ان الخجل هو الخوف الغريزي من وجود شخص مجهول او غير معروف تماما، ثم يعود ليظهر مع القلق من رأي الغير، والخوف من ان تكون مرفوضا سواء أكان ذلك في شكل لقاء بأناس جدد في حياتك، أو في التوجه الى لقاء عام، مثل حفل، او القاء خطاب، او مقابلة عمل.
وقد اوضحت الدراسة العلمية للخجل، انه رد فعل طبيعي لظاهرة فسيولوجية، مثله في ذلك مثل أي أمر من الأمور التي تتعلق بالناحية العضوية في جسم الانسان. ويقول العلماء المختصون بوظائف الاعضاء ان ظاهرة الخجل ترجع الى تمدد مفاجىء في الاوعية الدموية للجلد، يكون تحت سيطرة الجهاز العصبي الانجذابي.

علامات الخجل
يقول اطباء علم النفس، انه في حالة الخجل نرى نوعا من الشلل، اذ يصعب الكلام والسير، وحتى الحركة، فهو نوع من الحيوية المنصرفة الى الداخل. وتكون علاماته: احمرار الوجه، ضربات سريعة في القلب، وتقلصات في المعدة، وافراز العرق من اليدين، وتخبط الركبتين، وحشرجة الصوت، ونسيان المزمع قوله.
ماذا يحدث داخليا للخجول في موقف ما؟
اما داخليا، فتحدث حالة مركبة من الضيق وآلام لدرجة يحاول معها الانسان كل شيء للحيلولة دونها، وهذا ما ينتج تغيرات خطيرة في الطبع. تحدث ايضا رغبة قوية في الابتعاد والاختباء، للتخلص من هذا المأزق.

هكذا يجد الخجول نفسه:
يعاني من صعوبة في التصرف والاقدام.
انه متردد عن المضي في النضال من اجل الفوز.
انه عاجز عن اثبات شخصيته، إلا بالسلوك العدواني او الشراسة.

اسباب الخجل
الضعف الوراثي والصحي: الانسان الضعيف يصاب في طفولته بالخوف نتيجة ما يعانيه من مرض وضعف. وايضا مما يلاقيه من رعاية دائمة من المحيطين به اشفاقا عليه من الخطوب والصدامات، فيتولد فيه احساس بالنقص، يسبب له الخجل.
العيوب الشكلية الخارجية: صاحب الوجه الوسيم، والجسم السليم لا يعرف الخجل عادة، لأنه يقابل من الجميع بشيء من الود والاعجاب. ويمكن ان يكون المرء دميما ومشوها وجريئا. ولكن هناك اناسا يعانون ن الهزال والنحول او السمنة المفرطة او قصر القامة.. ويعتقدون انهم مشوهون وان عيوبهم بادية للجميع. ويظنون انهم غير جديرين بالاعجاب. فالحالة النفسية تلعب دورا كبيرا في الخجل.
العاطفة والحساسية المفرطة: فالشخص العاطفي هو الذي يتأثر جهازه العصبي بالاشارات الخارجية المفرطة في حدتها، فهو إما ان يحمّر او يصفر لاتفه الاسباب، وتسرع او تبطى نبضات قلبه تحت تأثير اضعف المخاوف... على حين ان الرجل العادي لا يشعر بمثل هذه الاضطرابات الا تحت انفعالات عنيفة. والحساسية المفرطة ترتبط احيانا بعاطفة مفرطة، فهي تلتقط بسرعة الاحساسات الفعّالة. فالحساسية الكبيرة تتسبب في تكوين شخصية خجولة نافرة من الحياة.
الإقرارية: تفترض بأنك محط الأنظار فيتملكك الخوف من ان تظهر على غير ما تريد او ان لا تظهر كما تريد. فالاقرارية تنتهي الى خوف شديد من النقد. فيبالغ الخجول عندئذ في اهمية شخصيته في عيون امثاله. ويبدو له دائما انه اينما ذهب، يهتم به كل امرىء ويتفحصه بدقة، ويسخر من عيوبه. كل هذا ينشأ عن غرور صبياني او عن نقص في الشخصية، مما يتسبب عنه الخجل.
الوهم: الخوف، وذكرى المحاولات الفاشلة. فالانطباعات الموهنة تزداد رسوخا وحدة واستمرارا كلما ازداد الوهم. والايحاءات المكبوتة تظل كذلك في اثناء الطفولة وبعدها، فالشخص الذي يسمع طوال سنواته انه خجول، وأنه دون المتوسط، يخلق لنفسه صورا يرى نفسه فيها فاشلا فيما يريد ان يشرع فيه، وتزداد بالايحاء ميوله للخجل والتردد.
القصور (الجمود الذاتي): ان كل امريء لا يبذل جهده الا في المجال المفروض عليه، من حيث احتياجاته الضرورية وميوله، ينتج عن ذلك نوع من ضعف النفسية يصبح مهيمنا عليه. وهكذا ينمو الخجل ويزدهر بسبب جمود المدارك.

الخجل وحب العزلة
في رأي الدكتور توني ليك في كتابه "العزلة"، ان هناك اسبابا كثيرة تجعل الانسان يشعر بالخجل، لكن لا تنطبق كل هذه الاسباب على كل شخص. فالبعض يشعر بالخجل في المناسبات الخاصة فقط، مثل الحفلات او اللقاءات العامة، عندما يبدو وكأن كل شخص يتطلع اليه، لكي يعرف كيف يتصرف مع الآخرين، وبخاصة اذا كان من الجنس الاخر. والبعض الآخر، يشعر بالخجل طوال الوقت، بحيث يجد ان مجرد مجاراة الحديث مع شخص آخر هو امر شاق جدا، بل ومخيف، لأنه لا يعرف ماذا يقول، ولا كيف يتواصل مع الناس. وهكذا يشعر الخجول بالوحدة فيعيش داخل نفسه في سجن مزدوج: فهو غير قادر على ان يتواصل مع آخر، كما ان الآخر لا يستطيع ان ينفذ اليه ويتواصل معه.
لكن علينا ان نسلم بان كلا منا تقريبا يشعر بالخجل في وقت معين. وعلى هذا، فالمشكلة ليست في ان تكون خجولا، بل في ان تكون مفرطا في الخجل. فالخجل الزائد يحرمك من مزايا كثيرة، اقلها التمتع بصحبة الناس في المجتمعات، فتُحرم من أن تكون جزءا فعالا في الوسط الاجتماعي، أي، "لا وجود لك في الصورة الاجتماعية" ومن ان تستمتع بدفء عواطف وصداقة الناس السعداء، أي، "ان تكون في الصورة" وهو يؤدي الى مزيد من الشعور بالاكتئاب والتعس في الداخل.

فكيف يمكن التغلب على مشكلة الخجل الزائد؟

• لا تقنع نفسك، وتثبّت في ذهنك انك خجول بطبعك، او انك وُلدت خجولا، فالخجل صفة مكتسبة، يمكنك التأكيد عليها واثباتها او التغلب عليها ونسيانها.
• لا تخجل من نقاط ضعفك، وذكاؤك هو ان تركز على الجوانب القوية في شخصيتك وتبرزها. وحاول، ان تحسّن او تبدّل الاشياء او العادات التي تخجل منها، الى اشياء تفخر بها.
• اهتم بمظهرك العام، واختيار ما يناسب ذوقك وقوامك من ملابس بسيطة وانيقة ومحترمة. فالمظهر الملائم يعطي ثقة لصاحبه.
• احذر من ان تخجل من شكلك، طول جسمك، حجمك، ملامح وجهك، ظروفك المادية او العائلية، وبدلا من الخجل والتحسر، حوّل خجلك الى عمل تفخر به، حتى تغير نظرتك الى نفسك، فتصبح للفخر بدلا من الخجل.
• لا تبالغ في تقدير قيمة الاخرين، وتبخس من قيمتك، وابحث بداخلك عن الطاقات والمواهب التي اعطاها لك الله، ولا تعرف كيف تستغلها.
• لا تسمح للخجل ان يثنيك عن اتخاذ قرار هام في حياتك الخاصة، او حياتك العملية، ما دمت على حق.
• لا تخجل من الدفاع عن نفسك او من الرد لاتهام موجه اليك، خوفا وخجلا من ان تسبقك دموعك او انفعالاتك، وحاول ان تسيطر علىاعصابك، وان تتكلم بطريقة لائقة، ومهذبة على ما يوجه اليك من اتهام.
• اذا كنت تشعر بالخجل عند الكلام مع شخص لأول مرة، أو شخص من الجنس الأخر؛ فلا تضع في ذهنك ان هذا الشخص يمتحنك او يُعد لك كمينا لتقع فيه، وحاول ان تكون على طبيعتك، وبلا تصنّع في كلامك.
• ذكر نفسك دائما بهذا الكلام، فستعتاد بالتدريج الكلام مع الاخرين، وستنسى خجلك.

كيف تتغلب على الخجل؟
كن جريئا ومقداما: مشاهد الجرأة والاقدام تترك في الذهن دائما اثرا حيا. ابحث عن اولئك الذين يمتلكون الجرأة والشجاعة وباطة الجأش... عن اناس راسخي الهدوء، سوف تؤثر طبيعتهم في طبيعتك، الى حد انك سوف تشعر بأنك مدفوع لتقليدهم، ابتعد عن الاشخاص الخجولين الخائفين.
كن صلبا في لين: الشدة في لين صفة مستحسنة. فالصلابة مع شيء من اللين، تعير الانسان كثيرا من الاهمية وتضفي على شخصيته ما يحببه في الحياة والقوة.
كن نشطا متحمسا: لا تضعف ولا تتجنب أي جهد. قد يبدو لك الدافع لذلك الجهد غير ذي قيمة، فلتكن اذتك صماء للايحاءات المضادة. ولتتمرد روحك على تحريضات الجمود، ولتجمع طاقاتك في صلابة لمواجهة كل عقبة جديدة.
كن شخصية مؤثرة: ضع في احدى كفي الميزان كل نقص وعيب في شخصيتك، وضع في الكفة الاخرى كل العناصر الايجابية. وتحلى بالنظرة الهادئة الحازمة، والحركة الخالصة لا يقيدها أي قيد، وتصرف واضح، وسلوك لا عيب فيه، وارادة اقناع، تلك الارادة التي تجعل كل العيوب الشكلية مخفية عن العيون. فالطابع الثابت والحازم والمهيمن، يساهم في خلق انطباع مؤثر على كل انسان.
كن شخصية مستقلة: الاستقلالية عكس الاقرارية. فلكي تتغلب عليها عليك ان تنمي الولع بالاحساس المضاد. وهو ان تكون ذا شخصية مستقلة في افكارك وآرائك وحديثك واستعدادتك ووقتك، ويجب ان تكون قراراتك في كل شيء ليست بدافع الرغبة في ارضاء الغير.
كوّن لنفسك رأيا غير متحيز: كم من مرة يظن الخجول انه يستشف سوء النية في نظرة محللة، ذلك لأنه يترك نفسه تجري مع الاوهام بدلا من ان يحاول تفهم ما يراه امام عينيه، وان يدرك ما يسمعه حق الادراك. فلهذا يحرمك من نزاهة الرأي اليقظ غير المتحيز. فيجب ان ننمي في انفسنا حب الادراك والفهم والاستنتاج السليم والمنطق. وان نحاول تفهم الحقيقة خلف كل الظواهر.
اكبت انعكاساتك الداخلية: بأن تتمالك نفسك. وواجه هذه الانعكاسات بالصمت التام. فالصمت يولد القوة ورباطة الجأش، ويسبب هدوءك وصفاء ذهنك وتسلسل افكارك، وبذلك تشعر بأنك ازددت جرأة عن ذي قبل. واجه الانطباعات التي تخشاها، واحتفظ بالجمود الهادىء لسماتك، وتذرع بالصبر، ولا تبدي أي غضب.
مظهرك ولسانك: الاستهانة بالمظهر خطأ، والاستخفاف به، تصرف اقرب الى التمويه. فالهندام الحسن واناقته له ابلغ الأثر على الشخص نفسه وعلى من يروقه، لأن الهندام متى كان جيدا افسح للثقة مكانا متسعا في القلوب. لكن احذر مضيعة وقتك امام المرآة! نصف ساعة كفيلة بهندامك. واللسان هو الانسان اذا نطق! هو الصورة المصغرة للشخص، في كلامه هويته وصفاته واخلاقه. فلا غنى للانسان عن تثقيف لسانه، وتدريبه وتنمية القدرة عليه، ليكون ترجمان الشخصية.

خطوات عملية نحو التخلص من الخجل

للتخلص من الخجل يساعدك ان تدرك:
• الخجل هو عملية تلقائية طبيعية.
• الخجل اصبح يرتبط بشكل او بأخر بالشعور بالمهانة.
• لولا شعورك بالنقص لما انتابتك تلك الحالة من الحيرة والارتباك.
• هذا الاحساس بالخجل هو نوع من العودة الى الطفولة التي يحس معها الشخص بانه اقل من سواه.

لذلك لا بد من:
• ان تحس بقيمتك، وبأن تكون لك شخصيتك. وان تمتلىء ثقة واعتداد بالنفس، وان لا تعير انتباها الى ما يقوله او يظنه الآخرون طالما انك لا تأتي بما يغضب الله.
• ان تغير طريقتك في التفكير بعيدا عن الحساسية الزائدة، ليكون تصورك للاشياء والامور على اساس واقعي وتفكير سليم.

العناصر المؤدية الى الثقة بالنفس

العزم: اكثر الناس خجلا يتشجع تلقائيا عندما يشعر بجشع، او نفور معين، فنراه في حالة الجشع يتصرف – للحصول على ما يتمناه – بحزم ورباطة جأش. ويبدي في حالة النفور نشاطا لا يتوقعه منه احد لكي يتجنب، ويرفض ويقاوم ما لا يروق له. وفي كلتا الحالتين يبدي دليلا على العزم، ذلك ان لديه مفهوما واضحا وقويا وحازما عما يريد، وعما لا يري.
التروي والفطنة: كل نية محددة ومستوعبة بموضوعية تقود الذهن لاعداد خطة للتنفيذ وترتيب النظام الفكري بترو يقوى الارادة والثقة الداخلية والخارجية.
الكمال النفسي: نشاط النفسية البشرية يستقر وتدعم باتفاق الفكر الذي يستوعب الارادة، ولكنه يتناقص ويضعف عندما تتعارض النوايا والقرارات مع العمل والتصرفات. فالشخص الذي وهبته الطبيعة ذكاءا حادا، ويعجز عن التوفيق بين اعماله وفكره الاختياري، يفتقر الى الكمال النفسي. فالكمال النفسي يُكتسب بالاهتمام والجهد. فالجهد الذي نبذله اليوم لتقوية كمالنا النفسي، علينا ان نعتبره الضريبة التي يجب ان نسددها لكي نتمتع بالارادة التي لا يمكن زعزعتها، وهي ارادة الثقة بالنفس.
الكمال العضوي: هي الحالة التي تعمل فيها كل الخواص الفسيولوجية بانسجام تام، ليعيش المرء عندئذ في حالة مستمرة من الراحة الداخلية مناسبة جدا للثقة في النفس، والوضوح الذهني، وسهولة العمل والتعبير، والجهد العضلي، ويبقى الهدوء ثابتا لأن الجهاز العصبي يتفاعل بطريقة متوازنة مع الانطباعات الخارجية.

امام الثقة عقبات ولكن يمكنك التغلب عليها:

قد تكون متمالكا لنفسك قويا، ولكنك رغم هذا لا تثق بنفسك، بل تشك وتخاف... ترتاب في كفايتك، ومقدرتك، واهليتك. ترتاب في قدرتك على الاستمرار، على المواصلة، على الاجتياز.. على تخطي العقبات.. فالشك سبب من اسباب الفشل. ومن ابرز عناصر الشك "خمول الروح وغياب الطموح". ومن كانت روحه خاملة يستحيل عليه بذل الجهود الصادقة.
والخوف ايضا... هو السلاح المتعدد الرؤوس، يحطمك ان لم تكن مستعدا له.. فالخوف يرميك بكل نقيصة، ويجعلك تخشى الاخفاق والفشل، بل تخشى الناس، والوحدة، والحب، والبغض.. فإن نحن لمواجهه قضى علينا وأسلمنا الى براثن الياس حتى تقتلنا.
لا ينبغي ان نبقى اسرى الخوف، فالنصر لا يأتي من أهون سبيل، وما لم يثابر الانسان في كل ما يسعى اليه، فالنجاح لن يكون حليفه.
وبعد، فإن الثقة بالنفس الخلاقة، امر بديهي لا شك فيه، انها العامل الاكبر في سحق كل ما تنفطر عنه النفس من مشاعر الخوف والقلق والخجل.

فكرة روحية
هل نخجل من عيون الله التي ترى كل شيء?
نحن نخجل من الناس، لذلك نخفي عن الناس عيوبنا، ونتستر على اعمالنا الشائنة حتى لا يراها الاخرون. وقد تعلمنا هذا الدرس منذ الطفولة المبكرة، حين فعلنا في الخفاء الاشياء التي نخجل من فعلها امام والدينا او اخوتنا. وكثيرا ما أحسسنا بالارتياح ونحن نسمع الناس يمتدحوننا على أشياء – نعلم انها ليست فينا، ذلك لأن هذا يطمئننا ان اعمالنا المشينة لم تنكشف بعد. ومع الايام اصبحنا نجيد اللعبة، نعيش شهواتنا القبيحة كلما خلت الساحة من عيون الناس، ثم نغطي وجوهنا القبيحة كلما خرجنا من مخابنا.
ماذا يعني هذا؟ انه يعني اننا نخجل من الفضيحة، ولا نخجل من الشر في ذاته،* نخجل من العيب اذا رأته عيون الناس، ونستمتع بالعيب الذي نقدر ان نخفيه.
لو كان لنا حياء في داخلنا لحفظنا هذا الحياء من ارتكاب ما يخجلنا.
ان الخجل الاكبر هو ذلك الذي يعترينا يوم نرى وجه الله، فتسقط عنا الاقنعة كلها، ويحترق زيف خداعنا، وتفتح صفحات تاريخنا الخفية، وتفوح من بين السطور رائحة خطايانا السرية.
يومها لن يكون هناك ما يسترنا، ولو سقطت فوقنا الجبال والاكام.
ما احوجنا ان نحس بوجود الله الان بيننا* فنخجل من شرورنا.
ما احوجنا ان نؤمن بان عيون الله تراقبنا بالليل والنهار، فنخجل من اعمالنا.
ما احوجنا ان نعترف بما نعمله في الخفاء، قبل ان يفتضح امرنا وتسقط احجبتنا الساترة.
ما احوجنا ان نأتي الى الله معترفين بخداعنا وعجزنا*
ما احوجنا ان نطلب من الله قوة من روحه القدوس، تطهر داخلنا، وتغير طبائعنا، وتقدس ارادتنا، وتضيء مخادعنا، وتستر عيبنا، فلا تخجل وجوهنا في حضرة الله، هذا هو الستر الاعظم.

صرخة انسانية
يا رب..
اني اخجل من نفسي خجلا شديدا؛
فحين اتطلع الى طهارة السماء،
عندما اتفكر في قداسة عزتك،
اذوب خجلا من حياتي الساقطة، وتخدلني افكاري الملوثة*
وحين افكر في حبك الدائم لي،
اخجل من حجودي وانصرافي عنك.
وكلما اغدقت عليّ خيرك،
اخجل من سعيي وراء الاخرين.
ولانك تشملني برعايتك،
يخجلني التماسي المعونة من غيرك.
ولكن ما يخجلني اكثر:
كل هذه الاقنعة التي اتستر بها،
والتي اخفي بها فضائحي –
عن عيون الناس.
كلما تذكرت ان عينيك تبصران حقيقتي،
اخجل من ذاتي، ومن اقنعة الرياء.
لذلك؛
اتي اليك اليوم – كما انا:
القي كل الاحجبة، انزع كل الاقنعة،
اخلع كل الزيف،
اهدم كل السواتر،
اتخلى عن الادعاء الكاذب.
اتي اليك خافض الجبين –
منكس الرأس...
ادنو اليك في حياء التائبين،
اعترف لك بأثمي وحاجتي،
اكشف امامك ابعاد حقيقتي.
يا قارىء القلوب،
وكاشف الاسرار والعيوب،
اغسل قلبي وفكري،
وطهر اركان ذاتي وضميري،
حتى لا اعود اخجل من نفسي،
ولا اخجل من سيرتي ومسلكي
ولا اهرب من سجل ايامي.
فانت العالم باعماق النفس،
ومكنون السرائر.
وحين يأتي كل البشر الى نور حضرتك،
وحين تكشف الايام محتواها،
وتقرأ العيون اسرار الصفحات المغلقة،
حين تحترق كل الاحجبة،
وتظهر في النور نجاسات القلوب الخادعة،
وحين تخجل وجوه المدّعين الكاذبين،
ارفع وجهي نحوك،
اغتسل في انهار نعمتك،
اعتمد على تطهيرك وغفرانك،
البس ثياب برك،
استتر في تدبير خلاصك،
حينئذ:
لا تعود تسترني احجبة الزيف،
بل يسترني حبك الغامر،
وغفرانك الشامل،
يا رب.